لا شيء يبرر الانفصال سوى خدمة أجندة الاستعمار

بسم الله الرحمن الرحيم
لا شيء يبرر الانفصال سوى خدمة أجندة الاستعمار

الحسن جرودي
يعتبر مبدأ تقرير المصير من بين المبادئ الأساسية التي تبنتها الأمم المتحدة منذ نشأتها، ولعله المبدأ الذي استَندت عليه الشعوب المستعمرة للمطالبة باستقلالها الذي تم شكلا بالنسبة لعدد كبير من الشعوب، لكن دون الظفر بالاستقلال الفعلي الذي تم تقييده بعدد من الشروط العلنية منها والسرية التي عوَّل المستعمر في تحقيقها على تسليم دواليب الحكم لفئة من الموالين له أو « أبناء آبائهم » كما وصفهم بذلك علي عزة بيجوفيتش في كتابه الإعلان الإسلامي، لسبب جوهري هو أن الغرب الذي أخذوا عنه عِلمهم رسَّخ لديهم شعور الدونية تجاهه، في مقابل شعور الاستعلاء على مجتمعاهم، ومع ذلك فإن بقاؤهم في السلطة مشروط بمدى حرصهم على الحفاظ على مصالحه المادية المتعلقة أساسا بالاستغلال المفرط لمواردها الطبيعية، بل والبشرية كذلك، من خلال الاستغلال المجاني لأدمغتها التي اضطرت إلى الهجرة الناتجة عن عدم توفر المناخ المحفز للعمل والإبداع في بلدانها الأصلية، وقد لا نحتاج إلى بذل مجهود يُذكر لملاحظة الأعداد الكبيرة من المهندسين والأطباء الذين يهاجرون إلى الغرب من مختلف البلدان الإفريقية، وعلى رأسها البلدان المغاربية، علما أن أموالا طائلة صُرفت لتكوينهم دون أدنى استفادة، بل أكثر من هذا، عمِل الاستعمار الغربي في نسخته الجديدة على ترسيخ الاستعمار الثقافي من خلال الاجتهاد في تجنيد طابور خامس من جمعيات « المجتمع المدني » و »حقوق الإنسان » مهمته تغيير البنية الثقافية لهذه الشعوب، عن طريق تشويه علاقتها بثوابتها الدينية والثقافية، وترسيخ عقلية الدونية والاستلاب تجاهه. وبما أن « دوام الحال من المحال » ولأن تَغيُّر الأحوال سُنَّة كونية، كان لا بد لهذه الشعوب أن تستفيق من غفلتها، وتطالب باستقلال حقيقي يسمح لها باستغلال ثرواتها الطبيعية والبشرية، والحفاظ على ثقافتها، مما يحرم المستعمر من امتيازاته لا محالة، وهو الأمر الذي جعله يعيد ترتيب أوراقه، ويبادر بمراجعة مضامين المفاهيم التي استُنفِذت صلاحيتُها وإعادة تدويرها بما يتماشى مع استدامة مصالحه، خاصة وأن هذا المستعمر هو الذي صاغ على لسان تشرشل، أحد أعظم مشايخه، مقولة: « لا عداء دائم، ولا صداقة دائمة، بل مصالح دائمة ». ولعل مبدأ « تقرير المصير » من بين المبادئ التي تم إعادة تدويرها وإلباسها ثوبا آخر غير الذي ألبسته في أول الأمر، ذلك أنه إذا كان يُراد له في البداية أن يُفهم بمعنى الخروج المادي للمستعمِر من البلاد المستعمَرة، فالمراد به اليوم هو خلق كيانات تُطالب بتقرير المصير، من خلال الانفصال عن الوطن الأم، الذي لم يكن يوما أكثر من تلك القطعة الأرضية الموروثة عن الاستعمار نفسه، تبعا لبنود كل من مؤتمر برلين ومعاهدة سايس بيكو. وهكذا وتبعا للفهم الذي أُلصق بمبدأ تقرير المصير، تم انفصال جنوب السودان، في الوقت الذي ينذر فيه استمرار الحرب الحالية باستنبات جبهة أو جبهات أخرى تطالب بالانفصال وتقرير المصير، ونفس الأمر يسري على كل من العراق، وسوريا، وليبيا… ولعل مسارعة العدو الصهيوني للاعتراف بأرض الصومال دولة مستقلة، يكشف مما لا يدع مجالا للشك تورط هذا الكيان في اختلاق النعرات، والنفخ فيها بما يؤدي حتما إلى المطالبة بالانفصال، كما هو الشأن بالنسبة لتحريض الأمازيغ ضد العرب، على اعتبار أنهم مستعمِرون، مقابل التودد للمستعمر الحقيقي. وما إعلان استقلال « جمهورية القبائل الجزائرية » من عاصمة المستعمر، من طرف حركة « ماك » التي قام رئيسها بزيارة العدو الصهيوني رسميا سنة 2012 وسانده في إبادته للشعب الفلسطيني حسب تقدير عدد من المحللين السياسيين، إلا مثالا حيا على تصميم العدو الصهيوني مؤازَرا بالغرب الاستعماري على تجسيد « سياسة فرق تسد » أو كما يُعبر عنها بالإنجليزية « Divide and conquer » أي فرق واغْزُ.
وما يمكن استخلاصه من هذا كله بالنسبة للمغرب هو: إذا كانت حنكته السياسية قد استطاعت الدفع بمشكل الصحراء نحو الحل النهائي، فإن العزف على وتر الأمازيغية عندنا يبقى حساسا، علما أن بعض الحركات الأمازيغية بكل من تونس وليبيا أقرت هذا الانفصال، كما أن تحميل النظام الجزائري المسؤولية كاملة من قبل المنسق الوطني « للعصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان بالمغرب » في نفس الوقت الذي ينطلق فيه ما سمي بالحوار الوطني الأمازيغي، الذي صرح بصدده أحد « النشطاء الأمازيغ » حسب ما ورد في أحد المقالات بإحدى الجرائد الإلكترونية، بأن جلسات هذا الحوار « تروم تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحركة الأمازيغية المتمثلة في إقرار حريات الأمازيغ وحقوقهم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية كما هي واردة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والشعوب »، يُستشف منه نوع من التهديد المبطن، المتمثل في التلويح بورقة المواثيق الدولية التي تجعل منهم ضحايا لكل ما له علاقة بالعروبة والإسلام، ولعل تشبث المغاربة والنظام المغربي بهذين الثابتين كاف لتبرير المطالبة بالانفصال إذا ارتأى أولياء نعمة الطابور الخامس بأن الوقت مناسب لإصدار الأمر بالشروع في تجسيد حق تقرير المصير، على غرار ما وقع بالجزائر خاصة إذا توسع الاعتراف بجمهورية القبائل الجزائرية على المستوى الأممي.
في الختام لا بد من الانتباه إلى خطورة الاعتراف » بجمهورية القبائل الجزائرية » وعدم السقوط في خطأ ردة الفعل تجاه النظام الجزائري الذي يساهم بتصرفاته الحالية إزاء المغرب، بقصد أو بغير قصد، في تفتيت أواصر الأمة العربية والإسلامية، علما أن الاعتراف الدولي بهذه الجمهورية يعني فيما يعنيه إقبار فكرة المغرب العربي بشكل نهائي، وأن ذلك سيكون بمثابة كرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت لتحصد في طريقها العرب والأمازيغ معا في جميع البلدان التي يُراد إحياء النعرة الأمازيغية فيها، ومن ثم لا بد من العمل على مناهضة كل ما يمس بوحدة البلدان العربية والإسلامية، خاصة في بلدنا العزيز الذي يتعين على كل الغيورين عليه، العمل على لم شمل المغاربة في إطار هوية جامعة تتسامى فوق كل تلك الهويات التي يُحولها أصحابها من مصادر انتماء إلى أسباب للصراعات والحروب التي لن تخدم في نهاية المطاف سوى أجندة المستعمر الذي يحرص على الاستئثار بخيرات الشعوب مقابل شعار تقرير المصير الذي لن يدوم طويلا ما دام الاستعمار هو الاستعمار والشعارات للاستهلاك لا غير.
الحسن جرودي





Aucun commentaire