Home»Débats»هل الخطة التي تبنّتها الوزارة الوصية على الشأن الديني تسديد للتبليغ أم أنها تقييد له ؟؟؟

هل الخطة التي تبنّتها الوزارة الوصية على الشأن الديني تسديد للتبليغ أم أنها تقييد له ؟؟؟

0
Shares
PinterestGoogle+

هل الخطة التي تبنّتها الوزارة الوصية على الشأن الديني تسديد للتبليغ أم أنها تقييد له ؟؟؟

محمد شركي

لقد أثارت خطة تسديد التبليغ التي أعلن عنها وزير الشأن الديني قبل مدة وقد نسبت إلى أعضاء المجلس العلمي الأعلى جدلا واسعا غير مسبوق لدى الرأي العام الوطني ،ولا زال متواصلا مع حلول كل يوم جمعة . ولم يسبق أن انشغل الرأي العام الوطني بموضوع خطب الجمعة من قبل انشغاله بها بعد إعلان تنزيل خطة تسديد التبليغ  التي توحي بأن التبليغ لم يكن مسددا من قبل أو أنه  كان منحرفا.

ولقد ركز انتقاد هذه الخطة على أمرين هما كالآتي :

1 ـ الأمر الأول هو توحيد خطب الجمع على الصعيد الوطني ، وهو ما لم يكن يحدث من قبل إلا في خطب مناسبات دينية ووطنية تقتضي لفت أنظار الرأي العام إليها لتجديد الوعي والصلة بها ، وكانت نادرا ما تكون موحدة مضمونا وشكلا،  وغالبا ما كانت تترك الحرية للخطباء للإبداع فيها كل حسب مستواه المعرفي والخطابي وذلك من خلال اقتصار الوزارة الوصية  على إصدار مذكرات في هذا الشأن دون إلزامهم بإلقاء خطب ليست من إنتاجهم  ، ولم  يكن أحد حينئذ يقول إن التبليغ كان منحرفا  يحتاج إلى تسديد ، بل كان أحيانا إبداع بعض الخطباء  يتجاوز بأشواط  بعيدة مستوى الخطب الموحدة الواردة عن الوزارة، وهو ما كان يجعل بعض الخطباء يشيرون إلى أنها ليست من انتاجهم بل هي واردة عليهم ليس استنقاصا من شأنها  أو قيمتها وإنما تنبيها إلى المناسبات التي كانت تقتضيها لإشعار الرأي العام بحلولها والاهتمام بها . وكان الرأي العام يميز بين خطب الخطباء الاعتيادية وبين تلك الخطب  الواردة عليهم  من الوزارة وهي موحدة شكلا  ومضمونا . وكان الناس ينتقلون  بين مساجد تبعد عن مساكنهم  وذلك من أجل حضور خطب بعض الخطباء بعينهم لأنهم كانوا يستحسنون مضامينها وأساليبها وطرق إلقائها المؤثرة في نفوسهم ، و كانوا يجدونها  مناسبة ملامسة لواقعهم المعيش ، ومعبرة عن اهتماماتهم وانشغالاتهم اليومية ، ومعالجة للمشاكل التي تعترضهم وتقترح لها حلولا   لها سند في شرع الله عز وجل  فتطمئن إليها نفوسهم  .

2 ـ والأمر الثاني هوعدم مواكبة خطب خطة تسديد التبليغ  أحداث الواقع المعيش لكل جهة  من جهات الوطن  التي تتنوع جغرافيتها الطبيعية والبشرية ، ذلك أن  قضايا ومشاغل واهتمامات ومشاكل الناس في جهات الحواضر الكبرى ليست هي ما يشغل الناس في جهات الحواضر الصغرى أو القرى والبوادي والأرياف . ومعلوم أن ما يشغل الناس في حيز جغرافي ليس بالضرورة ما يشغلهم  في غيره بالرغم مما يوجد  من مشترك  عام بينهم بطبيعة الحال . ولقد أشار بعض الملاحظين إلى أن  معيشة ساكنة الأحياء الراقية بالحواضر الكبرى  ليست هي معيشة  ساكنة المناطق النائية  في الأرياف والبوادي ، لهذا لا يعقل أن يوجه إليهم  نفس الخطاب الديني الأسبوعي كما حصل على  سبيل المثال لا الحصر بالنسبة لخطبة  تناولت موضوع حوادث السير التي هي مشكل الحواضر الكبرى  التي تعج شوارعها بالمركبات من كل الأحجام ،وتسجل بها في كل يوم عدة حوادث  بعضها مميتة تزهق فيها الأرواح ، بالرغم  مما يتوفر فيها من أنواع التشوير الضوئي والصفيحي المنظمة للمرور ومع ذلك   يتجاهلها  الناس ولا يحترمونها فتكون العواقب وخيمة وكارثية ، الشيء الذي لا تشهد القرى والبوادي والأرياف مثله ،  لهذا لا يستقيم  ولا يعقل توحيد خطبة الحوادث هنا وهناك على حد سواء . وعلى هذا المثال تقاس  باقي الأمثلة الأخرى  التي لا تراعي الواقع والظرف .

ومن الغريب أن يكون رد وزير الشأن الديني على هاذين الانتقادين وهما تعميم توحيد خطب الجمع  مضمونا وشكلا على سائر جهات الوطن ، وعدم مراعاة التنوع الجغرافي طبيعيا وبشريا ، وقد بالغ كثيرا  بل تجاوز حدود اللياقة في نعت من صدر عنهم  انتقاد الخطة ـ وفيهم علماء ومفكرون ومثقفون وحتى خطباء ـ بالخوارج مع ما وراء استعمال هذا النعت من نية القدح  وقد أخرجه عن  استعماله المعروف تاريخيا ، وبالجاهلين ،والغالين، والمبطلين، والمنتحلين معتمدا على ما جاء في حديث روي من طرق متعددة  لكنها كلها ضعيفة جدا لا تتقوى كما جزم بذلك أهل العلم والاختصاص . ولقد كان الأجدر بالوزير أن يقتصر في رده على ما وجه  للخطة  من انتقاد ،ويتنكب أسلوب التجريح والقدح والتجريم ، وتحريض أعضاء المجلس العلمي الأعلى على التصدي  للمنتقدين بمثل أسلوبه وهو ما لا يليق بمقامهم العلمي .  والوزير مطالب بأن يكشف عن طريق أدلة واقعية عن نماذج من التبليغ المنحرف الذي  استدعى تنزيل خطة تسديده . ولا شك أنه مضطر أخلاقيا أن يكشف للرأي العام الوطني عن الأسباب التي جعلته يبعد مجموعة من الخطباء عن منابر الجمعة ،وربما سيوفق إن فعل ذلك في إقناع الرأي العام بسداد  خطة تسديد التبليغ وإلا  لم تكن سوى تقييدا له وحينئذ يلزمه الكشف عن المسكوت عنه الذي استدعى هذا التقييد .

 ولا بد هنا من التنويه بأن السادة أعضاء المجلس العلمي الأعلى كلهم محل تقدير واحترام وإجلال من طرف  الجميع نظرا لمكانتهم العلمية وللثقة المولوية التي وضعت  فيهم ، وهم أعقل  من أن يسايروا الوزير في أسلوبه غير اللائق .

ولقد كان الأجدر  أيضا أن  يركز التبليغ  الموصوف بالتسديد في خطتهم  على مواجهة التيار العلماني المتنامي بوتيرة غير مسبوقة والذي  يتجاسر جهارا نهارا وبكل صلف و وقاحة على المقدسات وعلى رأسها كتاب الله عز وجل  الذي ادعى أصحاب هذا التوجه أن له منافسا  نعتوه بالقرآن  » البورغواطي » نسبة إلى  » مملكة بورغواطة البربرية « ، وهو مسخ موضوع  يحل ما حرم الله تعالى في محكم التنزيل ، وكذا التجاسر على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال  النيل من مصداقية ما صح منها في صحاح أئمة الحديث ، وتكفي الإشارة هنا إلى ما نال الإمام البخاري  رحمه الله من تجريح على لسان أحد النكرات  الجاهل والمتطفل على موضوع ليس أهلا للخوض فيه ، ومع ذلك وجد من يطبع وينشر ويسوق افتراءاته عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويشجعه ويدعمه  تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير.

وإن كل  هذا يحدث ومثله  والذين  يحررون  خطب خطة تسديد التبليغ  يغضون الطرف عن المارقين من الدين   المستهدفين له وهم الأجدر بالنعوت القدحية التي كالها الوزير لمن راموا مجرد النصح غيرة على منبر الجمعة  .

وأخيرا نقول إنه ما لم تراع  خطب تسديد التبليغ الواقع المعيش الخاص بمختلف جهات الوطن بمختلف شرائحها الاجتماعية على اختلاف مستوياتها المعرفية ، وما لم تتناول اهتماماتها وقضاياها ومشاكلها دون تمييز بينها بحيث يثار بعضها فوق المنابر ويسكت على غيرها حيث لا يحسن السكون  أو يغض الطرف عنها لسبب من الأسباب أو لاعتبار من الاعتبارات ، وما لم يفسح المجال واسعا  للخطباء  دون قيود كي يظهروا مواهبهم وكفاءاتهم الخطابية ، فإنها لن تؤدي دورها المنوط بها على الوجه المطلوب ، و ربما أدى ذلك إلى نفور الناس منها فيقتصر حضورهم  الجمع على أداء الصلاة فقط وقد تحول التبليغ من التسديد إلى التقييد . إنه ليعول في تدارك  هذا الأمر على السادة المحترمين أعضاء المجلس العلمي الأعلى،  وقد تكون عملية استطلاع الرأي العام  فيه أجدى وبالله التوفيق، وهو من وراء القصد .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *