Home»International»التفكير بالألوان: مساهمة في ترشيد عملية الفهم.الجزء(5)

التفكير بالألوان: مساهمة في ترشيد عملية الفهم.الجزء(5)

0
Shares
PinterestGoogle+

التفكير بالألوان: مساهمة في ترشيد عملية الفهم.الجزء(5)

بقلم: د  خالد عيادي

التفكير بالألوان:

العقل ملكة ربانية متعدد التخصصات والإمكانات، ولذلك له قدرة عجيبة على التفكير في كل الاتجاهات ، وبجميع الألوان والأطياف. فمن خصائص التفكير السليم أوالمتلون ، أنه يتأمل فيما يدركه، ويقلبه على وجوهه، ويستخرج منه بواطنه وأسراره، ويبني عليها نتائجه وأحكامه. الفكر، والنظر، والبصر، والاستبصار، والتدبر، والتأمل، والاعتبار،والاستنتاج ،والتقعيد،والاستيعاب، و التمييز، والموازنة ، كلها ملكات ذهنية واجبة في حق المسلم ، وأوجب في حق من تصدر للدعوة الإسلامية، أو إصلاح اجتماعي.وهذا النوع من التفكير هو الذي ينتج المعرفة، ويقارب ويبشر ويسدد.وحينما خلقنا الله شعوبا وقبائل ، وأمما مختلفين، فلكي نتعارف ،قال تعالى : »يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا »([1]).و لن يتحقق المقصود الإلهي:التعارف المؤدي إلى التعاون، إلا إذا فكرنا بمنطق التفكير بالألوان والأطياف، لا بمنطق: « نحن أبناء الله وأحباؤه » .

         القرآن يقص علينا فقط أحسن ما مضى من القصص و الأخبار، وذلك لما في تلك القصص من العبر والدروس « المضغوطة ». ففي قصة سيدنا « موسى »عليه السلام، مع « الخضر » ، ملاحظ ينبغي التوقف عندها، وذلك لما اختلفت الأفهام بينهما،فيتضح من القصة أن سيدنا »موسى » له فهم معقول محكوم بالسببية، أو العلية والغائية . في حين أن « الخضر » له فهم آخر، ينبني على منطق فقه المآلات، أوقاعدة : » الأمور بمقاصدها » ،مستندا في ذلك إلى معطيات لايمتلكها سيدنا « موسى » عليه السلام. و مثل هذه الوضعيات و المواقف هي التي تنشأ عنها خصومات. والسبب في ذلك هو التسرع، وعدم التماس العذر للآخرين، أوهو ناتج عن نزعة وثوقية، أو غرور علمي.

           العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي باستطاعته أن يتفهم ويفهم بطريقة ملموسة قوله تعالى: »وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُم ،وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُو شَر لَّكُم، وَاللَّه يَعْلَم وَأَنتُم لَا تَعْلَمُون »([2]).، وفي هذا تعويد للمسلمين، على التفكير بطريقة فسيحة ومريحة، وعميقة، تعتمد مبدأ جلب المصلحة ودرء المفسدة ، ولا تعتمد ملاءمة الطبع، أو نفوره : » إذ يكره الطبع شيئاً وفيه نفعه، وقد يحب شيئاً وفيه هلاكه ، وذلك باعتبار العواقب والغايات ، فإن الشيء قد يكون لذيذاً ملائماً، ولكن ارتكابه يفضي إلى الهلاك . وقد يكون كريهاً منافراً وفي ارتكابه صلاح . وشأن جمهور الناس الغفلة عن العاقبة والغاية أو جهلهما ، فكانت الشرائع وحملتها من العلماء والحكماء، تحرض الناس على الأفعال والتروك باعتبار الغايات والعواقب « . ([3])

         العقل الذي يصوغه القرآن الكريم، هو الذي يعصم السرائر، ويدرك الحقائق ، ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد ، ويتبصر، ويتدبر، ويحسن الادكار والروية. ([4]) وهذا هو السر في مشروعية الاختلاف بين الناس .فلو شاء الله : »لجعل الناس أمة واحدة »([5]) ،مبرمجين عل نحلة واحدة، وفهم وحيد، وسلوك أوحد، تماما مثل النحل الذي برمج منذ آلاف السنين ، عن طريق الوحي الإلهي  » أَنِ اتَّخِذِي مِن الْجِبَال بُيُوتًا وَمِن الشَّجَر وَمِما يَعْرِشُون، ثُم كُلِي مِن كُل الثَّمَرَات فَاسْلُكِي سُبُل رَبِّك ذُلُلًا.. »([6])..التفكير بالألوان يعصم الإنسان من التعصب والتطرف والانحياز.كما يعصم المجتمع من « دجال أعور »،أو « خرتيت » أهوج، قد يخرج من بين الناس،من غضبة يغضبها، مشهرا رأيه على حد سيفه، ورافعا يافطة : »ما أريكم إلا ما أرى ».

        لقد أسس الإسلام منذ البداية للتفكير بالألوان ، ولذلك نشأ الخلاف الفقهي، ونشأت المذاهب الكلامية،وتعددت التفاسير للقرآن الكريم، والشروحات للسنة النبوية، دون الإحساس بأي حرج. حتى إن الاطلاع على الخلاف بين الفقهاء من واجبات الاجتهاد في الإسلام.إنه الاختلاف المتنوع الذي عاشت به الأمة الإسلامية منذ عصور.وفي موسم الحج تجتمع كل الأطياف والألوان من المسلمين، في مشهد رائع  يعطي دروسا للبشرية، على صلاة مذهب الإمام « أحمد بن حنبل »، دون أن يجد المالكية، أو الشافعية، أوالحنفية ، أو غيرهم من المذاهب، أدنى حرج في ذلك.وقد تجد من المصلين وراء الإمام، الذي يصلي بالناس في « مكة » المكرمة، أو « المدينة » المنورة بقراءة « حفص »، أشد تأثرا بكلام الله  من الإمام نفسه ،وهو من أتباع قراءة « ورش »، أو « قالون »،أو « حمزة »أو غير ذلك..

        في المقابل من هذا كله، شدد الدين الإسلامي على عدم التكفير،باعتباره خطا أحمر، لا يجوز الاقتراب منه، فضلا عن كون هذا الحكم الشرعي المعلوم من الدين بالضرورة، صمام أمان لحرية التفكير، إلى يوم الدين.قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): » إذا كفر الرجل أخاه فقد باء  بها أحدهما » ([7])وأفسح المجال واسعا لمجالات التفكير..

……………………………………………………………………………………….

[1] ) سورة الحجرات آية:13.

[2] ) سورة البقرة: آية:216

[3] ) التحرير والتنوير- محمدالطاهر ابن عاشور- المجلد -1 –ج- 1-2- دار سحنون للنشر والتوزيع – تونس – ص-321-322.

[4] ) التفكير فريضة إسلامية-عباس محمود العقاد – مرجع مذكور –ص:14

[5] ) سورة هود.آية 118.

) سورة النحل- آية 69.[6]

[7] ) أخرجه مسلم من حديث ابن عمر،  في كتاب :الإيمان- باب – بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

3 Comments

  1. Anonyme
    27/01/2020 at 23:32

    موضوع مهم له وراهنيته أكيدة،تحليل ممتاز ،ولغة جميلة واسلوب سلس واستشهادات في محلها .ممتع قراءة مثل هذه المواضيع واضافة واضحة في هذا المجال من القراءات …

  2. خالد شاوش
    28/01/2020 at 13:30

    يجب نشر مثل هذا التفكير بين المسلمين وغيرهم حتى يعلموا المكانة التي يوليها الإسلام للعقل والاختلاف، وحتى لا يظنن أحد أن قيم التنوع والاختلاف جاءت من هناك، أو أننا عالة على الغير في كل شيء. تحياتي للأستاذ خالد عيادي الذي دائما يتحفنا بالأفكار الإيجابية والمفيدة.

  3. الأستاذ الحسن ابصايطي
    29/01/2020 at 23:09

    إن العقل كم جاء في المقال ملكة ربانية خص الله بها الإنسان دون غيره، ولعل الدكتور عيادي ناقش هذا الموضوع بطريقة دقيقة وبعمق قل نظيره.
    وفي هذه المداخلة البسيطة، أود أن أشير إلى أن الإنسان يتميز في سلوكه بازدواجية العقل والعاطفة،والسؤال المطروح هو:هل العقل يسير العاطفة أم العكس؟
    وعندما يرتكب الإنسان خطأ ما،لماذا لا يمنعه العقل وبالتالي يصبح الإنسان شبه بعيد عن النقائص؟

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *