سلام عليك يا تويسيت 3


     1


ما أحوج الأطفال الى حنان الابوين في مراحل الطفولة والصبا,هذا الحنان الذي حرمت منه مرغما بفعل صروف الحياة وتقلباتها.فوالدي رحمه الله غادر مدينة تويسيت باتجاه دولة المانيا,بعدما منحته شركة المعادن التي  كان يعمل بها عقدة عمل في هذه الدولة.كان ذلك في سنة 1969,ليتركنا الى قدر لم نكن نعلم شره من خيره.

كنت حينذاك ادرس في المستوى الرابع ابتدائي,ورغم الظروف القاسية التي كنت أواجهها يوميا في دراستي:انطلاق نحو المدرسة في الصباح الباكر,برد قارس وصقيع لا يمكن لجسم طفل مثلي أن يتحمله,وجبة غذاء مملة من الخبز اليابس والشاي البارد برودة الجو المخيم على تويسيت,خاصة في أيام الشتاء العااتية,كنت أنساها بمجرد عودتي الى بيتنا,لانني كنت اجد والدتي ووالدي قرب كانون النار الذي يخفف قساوة البرد القارس,فاجلس الى جنبهما لأتمتع بدفء النار المنبعث من الكانون,وأتمتع بحنانهما وأسئلتهما حول دراستي ونتائجي,.وكم كانت غبطتي تزداد كلما شكرني والدي على اجتهادي وحصولي على نتائج مرضية.

لم أعد اشعر بالحنان الدافق,الا من جهة واحدة,بعد مغادرة والدي نحو بلاد الالمان,ولم اعد اسمع ذاك الشكر والتشجيع على الاجتهاد,فعدت كالطير الذي فقد احد جناحيه,ولم اعد أتمتع بلعبة الخيالة مع الأقران من أهل الدوار كما كنت سابقا,في أيام الاحاد والعطل,لأنني حشرت في الأعمال الشاقة:جمع المحاصيل الزراعية ودرسها,في وقت الحصاد,جلب الحشائش والكلأ للدواب والماعز,سب وشتم يومي ممن وكل له والدي أمرنا….

كانت والدتي تنظر الى هذا العذاب المسلط علينا بعين بصيرة ويد قصيرة,فكانت تشحذ همتي من أجل الاجتهاد والمثابرة,وكأنها كانت ترى في نجاحي خلاصا من قساوة بني البشر الذين تجردوا من الرحمة والمودة,وبالفعل استطعت أن احصل على شهادة الدروس الابتدائية في سنة 1972 بمجموعة مدارس ابن تومرت بفرية سيدي بوبكر,الني كانت في ذلك الوقت مركزا للامتحانات الاشهادية.

هذه الشهادة التي لم تكن  سهلة المنال,حتى اني لأذكر أن احد اعمامي حصل عليها في سنة 1965,فاقيم حفل بهذه المناسبة,حضره فرسان القبيلة بخيولهم ومكاحلهم,وأعدت موائد الشواءوصاحب الشهادة يمشي الخيلاء,فرحا بها كذاك الكراز الذي يحس الزعامة بين اضراسه.

توجهت الى مدينة وجدة,فقضيت بها موسما دراسيا كاملا,موسما مليئا بالشقاء,بعيد عن الاهل والأحباب والأتراب,اقطع مسافات طوالا يوميا من حي المقسم الى اعدادية الجاحظ,ورغم نجاحي خلال ذالك الموسم,قررت الانقطاع عن الدراسة في حالة بقائي نزيلا عند احد الاقرباء,هذا الوضع شجع والدي على شراء منزل بمدينة وجدة,لاتاابع دراستي بقرب والدتي واخوتي,فكان لنا ذلك في سنة 1973 بحي سي لخضر والذي لازلنا به الى يومنا هذا.

امتزجت الفرحة بالحزن,فرحة عارمة بالمنزل الجديد بمدينة زيري بن عطية,وحزن غائر لأنني تركت أما حنونا,انها مدينة تويسيت,التي ربتني على الصبر والجلد,وظلت كالمغناطيس الذي يجر الفؤاد نحوها,رغم ذكريات الخبز اليابس,والشاي البارد,وعلب كازا,ورغم الصقيع اللافح وجلب الكلأ من المروج الى الدواب والماعز.

ما أروعك يا تويسيت,ما أبدعك يا بلاد الاسلاف والاجداد,اقول فيك ما قال أحد المنشدين:

عليك مني السلام// يا ارض اجدادي

ففيك طاب المقام// وطاب انشادي

 

علي حيمري


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

1 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. محمد بيجمن
     

    سلام الله عليك و رحمته تعالى و بركاته أخي علي .
    ليث ‘آلة الرجوع إلى الزمن ‘ كانت حقيقية لتعيدني إلى مرحلة طفولتي فأعيشها مرة ثانية بكل ثوانيها و ساعاتها و أيامها .
    لا بأس فمقالتك هاته و سابقتيها حلقت بي إلى الزمن الجميل الذي عشت فيه طفولة سعيدة بقرية سيدي بوبكر القصية عن تويسيت بأربعة كيلمترات .
    تذكرت مدرسة ابن تومرت المختلطة و أساتذتي الأجلاء السادة : المسفيوي ، حليمي ، بن يحيى ، غمراسن ، بشيري ، بلخضير ، بوعقة ، جليل، و السيدة ‘ لاسوك ‘ الفرنسية رحمة الله عليهم في الدنيا و في الآخرة . فبفضلهم جميعا نهلت من ينابع الدراسة و التعليم و شاءت الأقدار أن أتقاسم معهم رسالة التدريس و مع بعضهم مهاما إدارية ( الحراسة العامة مع السيد بنيحيى ، و الإدارة التربوية مع السيدين بوعقة و بلخضير)
    كمثلك أخي علي وجدت ورقة نقدية بقيمة مائة درهم في ضرف أصفر حينما كان عمري سبع سنوات . لا زلت أتذكر نفسي و أنا ممسك بالضرف و بداخلة الورقة المالية كبيرة الحجم المضروبة في عهد المرحوم محمد الخامس طيب الله ثراه ، نعم جريت بكل ما أوتيت من سرعة لأسلم هذا ‘ الكنز ‘ للمرحوم والدي أقول كنزا لأن قيمتها في ذلك الوقت كانت تسمح بشراء أضحية العيد ( ثمن اللحم آنذاك كان يساوي أربعة دراهم للكيلوغرام) كما لا زلت أتذكر و أنا في طريقي إلى المدرسة(كنت أدرس بالمستوى الثالث ابتدائي ) عثوري على ورقتين نقديتين حمراوتين من قيمة عشرة دراهم للواحدة ب ‘ الجوطية’ سلمتهما أيضا للمرحوم والدي بعد عودتي من المدرسة فاشترالي بها عنزة صغيرة كنت أسرحها أيام الأحد عند ‘ الباطوار’.
    ذكريات كثيرة و كثيرة تذكرتها لا يسع المقام بذكرها كلها، و مثلك أخي علي غادرت أسرتنا قرية سيدي بوبكر التي كان يبسميها البعض ‘ باريس الثانية’لرغد العيش بها ، نعم رحلت الأسرة إلى مدينة وجدة بعد حصولي على شهادة التعليم الابتدائي سنة 1967 حيث استقررنا إلى يومنا هذا .

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles