مظاهر الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم :من التكوينات النصية إلى تعدد النظام اللغوي: سورة الفاتحة نموذجا الجزء2


    



الجزء الثاني

1- القضية المنقودة :

نزلت  سورة الفاتحة بحروف نورانية  وعددها 14، بها كتبت الحروف المقطعة في صدر بعض السور، وأضيفت سبعة أخرى غير مميزة واستبعدت سبعة حروف هي الثاء ، والجيم ، والخاء ،والزاي ، والشين ، والضاد ،والفاء لكونها حروفا سوداء. فما دلالة ذلك ؟

لعل أبلغ رسالة تتضمنها سورة الفاتحة ، نظرا لامتلاكها الجواب المقنع عن هذه الإشكالية اللغوية ، هي احتواؤها على أبلغ ” مناجاة للمؤمن تجاه ربه ،على شكل دعاء مطرد يتلى في كل صلاة أو خارجها، يطلب فيه المخلوق من الخالق هدايته لنوره ،وإلهامه الرأي السديد؛ لاختيار أوسع طريق مستقيم ،يستوعب كل سبل الخيروالحق، مفض إلى بر الأمان والفلاح، وهو دين الاسلام، ومنهجه، وشريعته السمحاء.

2- السياق اللغوي:

يذهب علماء اللغة إلى أن كوكبنا شهد أزيد من ألف لغة ،أربعمائة ماتت، وآخرها اللغة النوبية ، وستمائة وواحد لازالت حية ، وفي أفق 2100 ستبقى اللغة العربية ،والصينية ، والإنجليزية في مجال العلوم والتكنولوجيا ، وهذه اللغات الألف كلها انحدرت من لغة آدم عليه السلام ، اللغة العربية،  لأنها الأقدم ( مابين 8 آلاف  و10 آلاف سنة) وهي أيضا الأرقى ويستدل علماء اللغة الكوني* على ذلك ، بوجود تشابهات في بعض المفردات تدل على التبادل اللغوي،  وفق قانون التأثير والتأثر والجوار ، ككلمة ” كهف ” في العربية ، وهي “كيف ” في الأنجليزية ،وهي كاف في الفرنسية ، وكافا في الإيطالية، وكافوس في اللاتينية ، وكلمة صراط في العربية ،وهي ستارادا في الإيطالية ، وهي ستراس في الألمانية… يعتبر الكثير من اللغويين العربية لغة المستوى الأول ، نظرا لغناها في الاشتقاق والمفردات ،ومرونة نظامها النحوي،وارتقاء حرفها إلى المستوى الخامس؛ لذاتيته ، وإيحائيته؛ لهذا اختارها الله سبحانه  ؛لتشكل وعاء لسانيا لكلامه المبارك ،  إذ تتميز على ثاني لغة انحدرت منها، اللغة السريانية ،حوالي ألفين وخمسمائة سنة، بعدة سمات ، كتوفرها على ثمانية وعشرين حرفا، يتسم بالتطابق التام ،والانسجام الكامل، بين الصوت والحرف والمعنى، إلى درجة أن الحروف بمفردها لها إيحاءات، فحرف الحاء   المنطوق مثلا  في حالة التألم حْ حْ، لايخرج  عن حقله الدلالي:” السخونة ” ، كما نجده في معجم مقاييس اللغة  لابن فارس باب الحاء ، على نحو مانلمح في معاني الكلمات التي تبتدئ بحرف الحاء:  كالحر، والحرارة ، والحمى ، والحريق ، والحمم ،والحميمية ، والحنان ، والحب ، والحس ، والحشا ، وهذا ماتوحي به كلمة الحمد ، حرارة العلاقة بين الحامد والمحمود ، وصفات الله الرحمان والرحيم تشي بالرحمة ، التي تعني الرأفة والحنو… وفيهما حرارة المشاعر وحميا الإحساس …بينما نجد أن حرف الخاء الذي ينطق عند استقباح شيء  في خْ خْ ، يحيلنا على معاني فيها:” قبح” ، كخز ،خس، خش، خض، خرق ،خل،خب ،خم ، خزي ، خنزير…وهو غير وارد في سورة الفاتحة ،هذا هو المراد بالحروف النورانية ،أي المحيلة على معاني إيجابية ، رسالية، وبينما الحروف السوداء، تتعلق بمعاني سلبية ،قدحية، .بالإضافة إلى تميز العربية بشساعة الاشتقاقات ب16 ألف  جذر، و37 صوتا كمايرى الدكتور مصطفى محمود و علماء اللغة الكوني وفي مقدمتهم الدكتور سعيد الشربيني ، ناهيك عن تميز العربية بدقة الصيغ الزمانية ، وبالحروف المنقطة وغير المنقطة ، وبالحركات والسكنات ؛ مما يساعدها على الخلود ، وتعدد اختيارات مساحات التعبير والتفكير، بله تعسير عملية  التحدي بالإتيان ، أو التحدي بالمسايرة ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن  لفظ لسان “عربي صوتيا “يفيد عدة معان منها :” الصحيح”: أي عدم الإصابة بداء “كوليرا اللغات” ؛مما يجعله في منأى عن الاعوجاج ، و”الشاب” أي تميزه بالحيوية والمرونة، والطواعية والقوة التعبيرية ، و”الدوام” أي الاستمرارية وعد م الانقراض … ومما يقوي هذا المسعى، توفراللغة العربية  على شجرة لغوية  ،من جذرين يمثلان العروق الباطنية ، التي تكشف عن أصل الكلمات  هما :الألف، واللام ،ويصح أن يدخلا باعتبارهما أداة تعريف :”أل ” على كل الأسماء ؛ مما يطيل في عمرها، ويجعلها حية لاتموت ،وكذا من حرف الباء وهو العمود الفقري، ووجوده دون انقراض ،علامة على صحة العربية وعافيتها ، ومن حرف الضاد ، ويمثل الحبل الشوكي للعمود الفقري،  وميزة التفوق للعربية ، إذ كل اللغات عمودها الفقري فارغ  إلا العربية ، بينما حرف  الراء يمثل المادة الخضراء وروح الكلام  ، وحرف الميم يشكل التربة وماء النمو، في حين حرف الهاء  يعتبر بمثابة رأس الشجرة ، وباقي الحروف هي أغصان وأوراق.

 إن تطبيقات معطيات علم اللغة الكوني  على السورة الكريمة ، تكشف عدة حقائق منها :

1- معظم الأسماء الواردة في الفاتحة معرفة ، إما بأل حوالي 14 اسما، بكل أنواع أل للمح الأصل، أو العهدية ،أو الحضورية ، أو معرفة باَلإضافة 6 مرات ؛ وهذا يجعلها حية حاضرة بكثافة ، و خالدة في تداولها على الألسن؛ لنظرا لقوة تعيينها لمسماياتها ، مادام المصدر هو الحق سبحانه.

2- تكررت الأسماء المشتملة على حرف الميم 14 مرة ؛لتؤكد على سلامة جذور الخطاب القرآني.

3- ترددت الكلمات المشتملة على حرف الضاد مرتين؛ لتؤكد على استطالة لسان العرب ، وامتداد رسالة الفاتحة في عمق المكان والزمان .

4- تكررت الكلمات المتضمنة لحرف الباء مرتين ؛ لتؤكد على روح الرسالة المحمدية .

5- تكرر المد 16 مرة ،وهو علامة على صحة العربية ،وقدرتها على الاستمرارية.

6- تردد حرف الهاء 5مرات ؛ ليؤكد على الثمار التي يجنيها قارئ الفاتحة ، باعتبارها رسالة هداية تقوم بتوصيف الهادي ،ونعت المهدي، وتحديد سبل الهداية ؛لعبور طريق الهداية الواسع والأوحد .أما تردد حرف الراء 8مرات ؛ فلتأكيد صفة الواهب الأكبر عند الهادي.

واللافت للنظرفي نص الفاتحة ،هو أن  التكرار لم يتجاوز مرتين : في مفردات :الله ، الرحمان ، الرحيم ، إياك ،الصراط ، عليهم… وهذا يحيل على طرفي التعاقد الديني ذي المضمون الدعائي : طالب ومجيب. هادي ومهدي خالق ومخلوق عابد ومعبود…

كما أن صياغة رسالة الاستهداء والاستعانة ، اعتمدت على التوصيف ،بواسطة استعمال صيغ المبالغة ، التي تدل على الكثرة والقوة ، كصيغة فعلان /الرحمان ،التي تدل على حدوث الرحمة  في الدنيا، وتجددها وتعميمها على كل المخلوقات:من الملائكة، والجن، والإنس ،والدواب .أما صيغة فعيل /رحيم،  فتدل على الثبات والخلود، في العالم الأخروي. وهذا مؤدى الحديث النبوي الذي رواه البخاري في صحيحه تحت رقم 5654 “،حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرنا سعيد بن المسيب، أن أباهريرة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول : “جعل الله الرحمة مائة جزء ، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا ، وأنزل في الأرض جزءا واحدا ، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق ،حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه”.

 واحتفاء بالحدث الديني، نوعت السورة في استعمال المشتقات العاملة ،بين صانع الحدث /اسم فاعل، كملك أو مالك حسب الروايات والمستقيم والضالين ،ومن وقع عليه الحدث /اسم المفعول ، مثل المغضوب، كما نوعت في الصيغ الزمنية المشكلة لأطر الحدث الديني ، بين الماضي/أنعمت، الذي يدل على الإواليات والبدايات ، والحال والاستقبال /نعبد ونستعين ، الذي يدل على التجدد والاستمرار، والاستقبال /اهدنا حيث يفيد الأمر الطلب والدعاء.أما حرف العطف الواو، فيفيد الجمع والاشتراك ، ويكرس مبدأ التقاسم والعدالة الإلهية ، الذي يتبلور في مفهوم الحمد، الذي يدل بنص العبارة على معنى الشكر لذاته، مادام المحمود جديرا بالحمد، باعتباره مالكا، وأهلا له . وتحيل دلالته بالإشارة على مفهوم متجاور هو الشكر، الذي يكون مقابل النعمة .وأما دلالته بالتضمن ، فتحيل على مفهوم المدح، وهو الثناء عن اختيار، فالممدوح يريد أن تعدد صفاته  لإرضائه. ويدخل الحمد والشكر والمدح، في اللفظ المتواطئ  في نظر الشوكاني؛ لأنها تتناول الماهيات والمفاهيم المختلفة.

3- فحص الإشكاليات:

تعتبر هذه القضايا اللغوية، بمثابة إشكاليات تستحث الجهد العلمي لدراستها، في أفق تحرير المزيد من مظاهر الإعجاز اللغوي، من داخل نص السورة الكريمة:

– فظاهرة التكرار الثنائي، الواردة في السورة الكريمة  ،تحليلنا على نظام الزوجية، الذي يخضع له الكون ؛لتتناغم آية النص مع آية الكون والآفاق.

– وتمثيل حروف السورة للحروف النورانية ، المشكلة للحروف المقطعة في مطالع بعض السور، واشتمالها على حروف الشجرة اللغوية، وتشكيلها لاسم الله الأعظم “الله” ،الذي يدل  مخبريا في علم اللغة الكوني على صوت واحد ، ويحيل على معنى الرب : الخالق، والمربي، والباعث …وهو لفظ فريد لايوجد في أية لغة أخرى.

– إن استيعاب البنية الإخبارية لصيغ زمنية وصرفية تتماهى مع متن الوقائع ،  الذي يخضع لسجل زمني  يتميز بالبركة ، والانسيابية المقدسة ، والتدفق المتجدد المطلق،ولأسلوب خبري ابتدائي يكرس مقام الدعاء، وسياق المناجاة ،ومساق التضرع ،معزز بكسرات تدل على الذلة من جهة العبد، وعلى التواضع من ناحية المعبود ، لهذا استنكف أسلوب الخبر عن استدعاء أدوات التوكيد، نظرا لأن موضوع الخبر مسلم به ؛ مادام  مصدره الحق سبحانه.

 

محمد ابراهيمي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles