المسكوت عنه في نجاح حزب الأصالة والمعاصرة .


     2


 

اعتقد انه لو كان من الذكاء السياسي أن لا يسارع حزب الأصالة والمعاصرة  ليتموقع منذ الوهلة الأولى في المعارضة ، كان يجب أن يترك الباب مفتوحا نحو جميع الاحتمالات ، حزب الذي يحصل على عدد من الأصوات ومن المقاعد عليه أن يكون في مكان المسؤولية وهذا هو الاختيار السليم ، الأحزاب عندما تتقدم إلى الانتخابات فهي تتقدم على أساس برنامج انتخابي ووفق وعود قدمها للناخبين ، بمعنى انه يجب ترجمة تلك الوعود على الواقع ، وإذا كانت السياسة هي فن الممكن ، فبالنسبة للحزب السياسي مطروح عليه كيفية ترجمة أهدافه ووعوده وإلا ستصبح العملية سياسية عبثية وذلك عندما يحاصر الحزب في الزاوية ولا يسمح له بهامش المناورة ولا تعدو ان تكون مجرد ديكور يؤثث المشهد السياسي ، والحال أن بلدا مثل المغرب فيه المعارضة غير مؤسسة بالشكل الذي أراده الدستور ، والدليل أن الحكومة خلال التجربة الأخيرة لما بعد 2011 كانت دائما تقف في وجه مشاريع المعارضة لإبطال أي دور لها ، وكانت دوما تشتكي من هيمنة الحكومة ومحاولة السطو على مشاريعها أو تعطيلها … المعارضة لا يجب أن تقف على أسس إيديولوجية وفكرية فقط بل تقف داخل السياسة على أسس مرتبطة بمصلحة المواطن أولا ،وبالتالي يمكن ممارسة المعارضة حتى من داخل الحكومة نفسها ، هذه المعارضة التي يمكن أن تكون أكثر فعالية وإنتاجية …

لا يمكن النظر إلى المكاسب التي حصلت عليها الأصالة والمعاصرة من زاوية ضيقة فيها نوع من الريبة بل هناك جوانب في مكاسب حزب الأصالة والمعاصرة لها صدقيتها ومشروعيتها ، ولا يمكن أن ننظر إلى تلك النتائج كسطو من رصيد الأحزاب الديمقراطية ، بينما يعتبر الأمر عاديا وطبيعيا من خلال العرض الذي تقدمت به الأحزاب خلال الحملة الانتخابية . لقد نجح حزب الأصالة والمعاصرة في أن يضع يده على جرح نازف بالنسبة لكتلة ناخبة لا يستهان بها ، وهي كتلة الموظفين وجزء من الطبقة الوسطى التي تلقت ضربة قاسية غير منتظرة فيما يخص إصلاح صناديق التقاعد ، هذه الكتلة لم تغفر للنقابات وللأحزاب مثل حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية مواقفها فيما يخص إصلاح صناديق التقاعد ، هذا الأمر لا يمكن النظر إليه ببساطة وما كان يروج في الفضاء الأزرق حول الإحباط الذي شعرت به تلك الفئة كان يشير إلى حالة من الانتقام وردود الفعل اتجاه تلك الأحزاب والنقابات الموالية لها والتي لم تستطع فعل أي شيء في مواجهة تلك ” الإصلاحات ”  ، لقد اعتبرت هذه الفئة أن تلك الأحزاب ونقاباتها خذلتها وباعتها في المزاد العلني وإنهم جزء من المؤامرة ،وقد نبهت الكثير من الكتابات الى ان الضربة ستكون قاسية ، وقد أشارت باللوم المباشر إلى دور حزب الاستقلال ونقابته في ذلك على أساس انه كان يتوفر على قوة مستشارية داخل مجلس المستشارين .

ربما نجح حزب الأصالة والمعاصرة أن يقدم عرضا مغريا لهذه الفئة المتضررة من الإصلاحات عندما تحدث عن مراجعة إصلاح صناديق التقاعد ، وبالتالي كان يتوجه إلى فئة عريضة من المجتمع والتي يمكن أن تضحي بكل ارتباطاتها السياسية والنقابية والتعاطفية لصالح هذا العرض ، ال 55 مقعدا التي أضافتها الأصالة والمعاصرة ، ليست شيئا بسيطا ، لهذا لا يمكن أن نشكك في كل المواطنين الذين صوتوا لصالح الأصالة والمعاصرة ونلصق بهم تهمة مجانية ، نعتقد أن هذه فئة من الموظفين والمأجورين كانت حاضرة بقوة داخلها .

 في الماضي عندما كانت الأحزاب الوطنية تتبنى المطالب الاجتماعية لفئة الموظفين كانت تحظى بالالتفاف والتعاطف ، اليوم العرض الذي تقدمه والتراخي النضالي جعل فئات عريضة تنفض عنها وتبحث عن من يقدم عرضا أفضل ،  وبالتالي إذا كانت الأحزاب الوطنية التي لها نقابات اندحرت وتراجعت لأنها فشلت في إدارة معارك اجتماعية وأضاعت فرص كان يمكن أن تمدها بقوة وتعاطف كبير . وما بروز تنسيقية الوطنية لإسقاط خطة التقاعد في ظل وجود نقابات مهترئة وعاجزة  إلا جوابا للعزلة التي شعر بها الموظفون ، ما جعلهم يشمرون عن سواعدهم للدفاع عن حقوقهم بأنفسهم وها هم قد فتحوا معارك لم تخل من تدفق الدم في شوارع الرباط … هذه الأحزاب التي تمارس الهروب بعيدا والاختباء تحت ذرائع لا معنى لها ، عليها أن تنظر إلى نفسها في المرآة وعليها أن تعترف بأخطائها ومسؤوليتها . الشرعية التاريخية التي كانت تحظى بها تلك الأحزاب تضاءلت أمام الواقع الجديد وهناك أجيال جديدة من المغاربة ليست منقطعة عن تراث مشترك لكن لها همومها الخاصة مما يفرض على الحزب مسايرة اللحظة والتجاوب مع الواقع الجديد وبالتالي من حق المغاربة أن يقدموا أحزابا تستمد شرعيتها من قدرتها على تقديم مشروع يجيب عن الهموم الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة ، ولن نذهب بعيدا كيف أن أحزابا بأوروبا وبدول قريبة منا وفي ظرف وجيز فرضت نفسها وبأجيال شابة وهي آن في قلب معارك سياسية .

المقاطعة الواسعة الحالية للعملية السياسية مرده إلى أن الأحزاب السياسية لم تستطع تبني هموم الفئات الاجتماعية من الشعب المغربي ، فالكثير منها يقدم خطابا سياسيا متعاليا ولم يستطع النزول إلى الأرض أي الاقتراب من هموم الناس وهي هموم عديدة موجودة في المدينة والبادية عند المرأة والشباب والطبقة العاملة والفئات الهشة والمنبوذة ، هذه الهموم التي تحتاج لمن يحسن حملها ، والتجربة تقول انه بمجرد ما تقترب من هموم فئة من الناس وحين يشعرون بصدقك وقدرتك على المواجهة  فإنهم يلتفون حولك ويقدمون لك كل ما ليهم من طاقة . لقد نجح حزب الأصالة والمعاصرة  في استمالة هذه الفئة من المجتمع والتي راهنت على الالتفاف حوله وعلينا أن نعترف بهذه الحقيقة . هناك فئات  داخل المجتمع تفاعلت مع الخطاب الاجتماعي للأصالة والمعاصرة ، هذا الرصيد مهما بدا ضئيلا وغير مرئي في زحمة المغالطات التي تخترق المجتمع ، فان هناك أرضية للانطلاق ، فإذا نظرنا إلى الواقع السياسي بالجارة اسبانيا نلاحظ أن حزب ” البديموس ” الذي ظهر في فترة قصيرة  هذا التيار السياسي الذي استفاد من الوضع الاجتماعي الذي فرضته الأزمة باسبانيا فجاء ليقدم نفسه بديلا حيث جعل من المطالب الاجتماعية الوقود وهو ما جعله يبرز بهذه القوة ويصبح رقما صعبا في المعادلة السياسية في اسبانيا …

اليوم هناك فئات مجتمعية تنتظر من يتبنى قضاياها ، في ظل الفراغ الذي تركته الأحزاب الوطنية ، فهل تستطيع الأصالة والمعاصرة ملأ هذا الفراغ ، وهو ما يحتاج إلى بناء عمق اجتماعي خصوصا وأن جزءا من المجتمع المدني الذي كان يتماهى مع الأحزاب الوطنية أصبح يعيش التيهان وتغيب له البوصلة وهذا ما يؤكد حجم المقاطعة الذي يتزايد .

 يحتاج حزب الأصالة والمعاصرة إلى مشروع مجتمعي واضح قادر على الاستقطاب يمكن أن تتبناه فئات مجتمعية عريضة هي مقصية ومحبطة الآن رافضة لمشاريع مطروحة في الساحة السياسية  فبعضها  منغلقة ولا تراعي الخصوصية المغربية .وأخرى لا تساير التحولات المجتمعية ،  وأخرى تلعب وحيدة برداء “الأخلاق والمظلومية  ”  في ساحة مكشوفة بلا منافسة …

لقد  استطاعت العدالة والتنمية أن تصنع لنفسها روافد اجتماعية ومدنية وحقوقية كما  استفادت من بعث الروح في نقابتها  التي كانت تعيش موتا اكلينكيا سرعان ما فرضت موقعها في الساحة النقابية بفضل الدعم الذي وفره لها الحزب ، وأصبحت تزاحم النقابات التقليدية بمعارك ” نضالية ”  حول قضايا اجتماعية سرعان ما انقلبت عليها بمجرد تولي الحزب الحكومة ، وتبين فيما بعد أنها لم تكن إلا مجرد مزايدات لخدمة ما هو سياسي ، هذا ولقد أخفقت الكثير من الأحزاب في توسيع قاعدتها لأنها ظلت منعزلة عن ما هو اجتماعي ومدني واقتصرت على الاستوزار في اغلب الحكومات السابقة في انتظار المباريات الانتخابية بالأعيان .

  سيقول قائل كيف استطاع حزب العدالة والتنمية أن يحتل الرتبة الأولى ويحقق مكاسب جديدة ، نحن نقول بان العدالة والتنمية استطاع أن يبني قاعدة انتخابية قارة انطلاقا من جميع الروافد الاجتماعية والمدنية والدعوية التي تصب فيما هو سياسي  لكن هذا الحزب استطاع أن يكسب لنفسه فئات جديدة  خلال ما اعتبر إصلاحات مرتبطة بوضع اجتماعي  توجهت إلى فئات هشة ، وهي الفئات التي تذهب إلى صناديق الاقتراع ، واستطاع أن يقدم خطابا شعبويا بسيطا يعتبر نفسه منافحا عن هذه الفئات وان يعمل على الأرض في سراديب الفقر والحاجة ، معتمدا على آلة إعلامية واسعة رهيبة تروج لهذا الخطاب وتشكك في مبادرات الأحزاب الأخرى بما فيها تلك التي كانت تشترك معه في الحكومة ، حيث أن حزب الأحرار ظل يتعرض للجلد وهو في الحكومة … إلى درجة أن جرائد تحولت إلى منابر إعلامية تخصصت في هذا النوع من بروباغدا ، وهذا ما تفتقده اغلب الأحزاب السياسية التي لا تزال مرهونة إلى إعلام تقليدي متجاوز لم يستفد من التحولات التكنولوجية ولا تتوفر لديها أي الأحزاب منظومة فكرية وبشرية لتصريف خطابها في مواجهة باقي الخطابات الرائجة لهذا نجد بعضها يتلقى الضربات ولا يستطيع الدفاع عن نفسه .

 ويعتبر الكثيرون  أن من أهم الأخطاء التي وقعت فيها الحكومة هو فشلها في تدبير الحوار الاجتماعي نظرا للمقاربة السياسوية التي تعاملت بها مع هذا الملف ، حيث كان تخوفها من أي نتائج يمكن أن توضع في سلة المعارضة ، ونظرا لغياب التجربة الحكومية لدى العدالة والتنمية كانت تنظر إلى الاحتجاجات الاجتماعية من منظور سياسي يخلط جميع النقابات الفاعلة في الحقل الاجتماعي ، ما ساهم في تعطيل الحوار الاجتماعي ، ونعتقد انه لو تحقق نجاح الحوار كان يمكن أن يرفع من حصيلة الحكومة كما يمكن أن يكون لذلك أثرا ايجابيا على النتائج المحصل عليها انتخابيا … كما أن ملف التقاعد لم يدر بدبلوماسية خصوصا وان النقابات نفسها لم تعترض على الإصلاح وكان الخلاف في الشكل ، ولم يأخذ الإصلاح بعين الاعتبار طبيعة وظائف اجتماعية مرهقة كالتعليم والصحة على الخصوص كان يمكن أن يكون  لسنوات ما فوق الستين طابعا اختياريا وحوافز مادية تضمن هذا الاختيار … وها هي المنظومة التربوية تعيش على كارثة حقيقية من خلال الخصاص في الأطر التعليمية والاكتظاظ في الحجرات المدرسية نظرا لشكل  تدبير ملف التقاعد ما دفع برجال ونساء التعليم إلى الهروب الكبير عبر بوابة التقاعد النسبي ، وبالتالي أجيال من المغاربة ستتضرر من هذه الاختيارات المرة التعسفية والمفروضة … وحتى لو لجأت الحكومة إلى التعاقد فإنها لن تحل المشكلة بل ستفتح نار الاحتجاج عليها ، وتجربة أساتذة سد الخصاص ليست ببعيدة ، وستعود الحكومة من جديد إلى البحث عن العفاريت التماسيح والعدو الخفي من وراء الاحتجاجات … ولن يصدقها احد لأن بعد الانتخابات الأخيرة لم يعد لمصطلح “التحكم ” أي معنى …

هناك أسبابا واقعية وملموسة ساهمت في نجاح حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة فيما هناك أسباب ساهمت في تراجع الأحزاب الوطنية ، التي ظهرت جريحة ومنهكة غير قادرة على حمل القضايا الاجتماعية لهذا هي الآن  تتمسح  على أعتاب حزب العدالة والتنمية أن يجود عليها ببعض المقاعد الوزارية حيث ستدس رأسها ، وأصبحت تتمنى لو أن بنكيران يدق بابها للتحالف معه في حكومة جديدة ، ويقدم لها حبل نجاة ولو إلى حين بعد أن أحست بأنها بلا أنياب ولا مخالب  ، فماذا عساها أن تقول للمغاربة إذا وضعت نفسها تحت جناح حزب اغلبي لا يرحم حتى المتحالفين معه ، وأي معنى سيكون لكل الجلد والانتقادات التي كانت توجه لبنكيران . وكيف سيُنظر إلى انتظارات المغاربة ؟ وكيف ستقنع الصامتين والمقاطعين بجدوى ومصداقية الفعل السياسي ؟ وكيف سيكون مصير الحوار الاجتماعي المغتال والذي لم يراوح مكانه طيلة الخمس سنوات الفارطة ، كيف… وكيف … وكيف … وكيف …

Said.A

mourad abid


 
 

2 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. مغربي من الموظفين
     

    الايديولوجية التي بناها حزب العدالة و التنمية لحصد الفئة الفقيرة و غير المتعلمة هو الاعتماد على الجمعيات الخيرية و المساجد وتأليب الناس على حزب الاصالة و المعاصرة أنه ضد الدين وينشر الالحاد ويناصر المثليين و الامهات العازبات و الخمور و القمار الخ من تسييس الدين، وبدا حزب الاصالة و المعاصرة انه حزب الحادي عدو المغاربة المسلمين يدعو الى الحرية وممارسة الرذيلة .اما الموظفون فلا شك انهم كانوا يكيلون لعدوهم الاول و الاخير اي حزب بلا عدالة بلا تنمية بعد الهجوم عليهم من خلال الثالوث المدنس(الزيادة في سنوات العمل و الزيادة في الاقتطاعات من اجور الموظفين و الزيادة في الاقتطاعات من معاشات المتقاعدين)الزيادة في الضرائب واسعار المواد الغذائية و الزيادة في رسوم الدراسة بالنسبة للموظفين الذين يدرسون بالجامعة و لهذا عرفت هذه السنة هروبا جماعيا من الوظيفة العمومية .الموظف كان دائما عدوا للذئاب الملتحية و الذئاب الملتحية عدوة للمتعلمين و الموظفين و المدرسين

     
  2. متتبع
     

    المسكوت عنه في نجاح حزب الأصالة والمعاصرة هو استعمال المال الحرام ومحاولة اجهاض مشروع الحد من تفشي الفساد قي هذا البلد. أما الموظفون فأغلبيتهم مقتنعون في قرارات أنفسهم بأن إصلاح التقاعد شر لابد منه. ومناورات بعضهم تدل عن عدم فهمهم لما يجري حولهم. ولا يمكن لهم أن يعطوا بديلا عن هذا الاصلاح. أما الذين هربوا من الوظيفة واختاروا التقاعد النسبي فأكثرهم أنانيون ولا تهمهم إلا مصالحهم الضيقة. فمثل هؤلاء لا تعتمد عليهم للتضحية من أجل هذا الوطن.

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles