موت السياسي ،وميلاد الكائن الانتخابي


    


                                      رمضان مصباح الإدريسي

اختل جوهر العمل السياسي المغربي الحزبي اختلالا،  أصبح يدفع بنا  حتى إلى مراجعة فهمنا لمقولة الاستثناء المغربي،مقارنة مع المستثنى منه ،الذي لا يعني سوى هذا  البحر العربي اللجي ،الذي أرخى بزبده الهادر على كل المساحات ؛في انتظار ظهور اليابسة من جديد :

  خرائط،أريد لها أن تنضج على مهل ،بقدر نضج جلودنا وفوران دمائنا.

نعم لا يَعبُر شوارعنا،اليوم، غير السلم ،راكبا أو راجلا أو محلقا؛ولا يرابط عنفُ الدولة إلا حيث يجب أن يرابط؛ في صحرائنا المفتوحة على منازلات كبرى ..

أما الدولة فتبدو رشيقة في وقفتها ؛مسنودة ،ظاهريا على الأقل، بأحزاب – على الطريقة المغربية – منتصبة ليوم السابع من شتنبر،باعتباره من أيام التدافع  الرسمي لاعتلاء الفائض من ركح  السلطة،وليس السلطة كلها .

في هذا نحن استثناء بالفعل ؛وفاء لثوابت وقيم  هذا  الربع  الغربي القصي ؛الذي جرى فيه التاريخ ،دوما، متميزا عن الشرق الإسلامي.

لكن في ما عداه يسري علينا كل ما يسري على المدرسة السياسية العربية ،التي يُكمل تلامذتها  اليوم ،في ساحات الوغى ، دروسا في الديمقراطية المغشوشة ،تلقوها في فصولها.

بفارق طبعا  –  ولعله مفسر لاستثنائنا – يتمثل في كوننا لم نتخرج بعد من المدرسة السياسية  المغشوشة،لنكمل النقاش في الشوارع.

 أتمنى ألا يحصل هذا في حياة المغاربة،ولو بعد ألف سنة ؛ ولا أرى سبيلا لعدم حصوله عدا الصدق في بناء مناهج الديمقراطية؛والصدق في حمل كل المواطنين على تمثلها ،باختيار أجود الأساتذة الحزبيين والأكاديميين.

كيف يتم الغش في المدرسة السياسية المغربية؟

يختل التأطير السياسي الحزبي للمواطنين المنتمين – وهو تأطير  قائم على نص دستوري ،وقوانين تفصيلية – حينما ينقسم الحزب إلى حزبين : حزب ظاهر وحزب عميق.

ومن هنا فعدد الأحزاب في المغرب – 35 ربما- يجب أن يضرب في اثنين دائما؛ليصبح العدد:70 حزبا.

طبعا توجد الأحزاب المجهرية الحديثة العهد، في مرحلة انتقال لإرساء مستوياتها العميقة ،ليمكنها الاشتغال كغيرها ؛على ما جرى به العمل في البلاد.

يشتغل الحزب الظاهر خطيبا مُفوها:  في المقر المركزي،الجريدة أو الموقع إن تأتيا ،والفريق النيابي –إن وجد- والتنسيقيات الجهوية ،والفروع الإقليمية والمكاتب المحلية .

 يحيط الخطاب السياسي  ،في هذا المستوى، بكل ما يسمح به الحزب العميق:

 تحضر الإثارة السياسية أساسا ،كما تحضر الشعبوية ؛اعتبارا للأمية   السياسية المتفشية،واستثمارا لمتوسط الزمن القِرائي العربي:أربعة دقائق في السنة  . وتفعيلا لإرثنا من أزمنة الفروسية والكر والفر..

هذا الاشتغال الحزبي استقطابي ،وانتهازي ،لأنه غالبا ما يتصيد عثرات الدولة والحكومة ،وحتى نكبات النوازل الطبيعية، ليُعبد بها الطريق إلى الصناديق.ثم تنتهي صلاحيتها.  هناك تاريخ للإنتاج وآخر لانتهاء الصلاحية.

وقمة الانتهازية، الاستقواء الكاذب ،لدى البعض ،  بالنبي صلى الله عليه وسلم ،وبصحابته،”زعما لعمر أبيك ليس بمزعم”،كما يقول الأسود العبسي .

 يدعيهم الحزب له ،مستغفلا ،حد اجتزاء ركعات له،ودعوات، من صلوات  المصلين وأدعيتهم ،تنتهي أصواتا،بل طيورا أبابيل في جنات  الصناديق.

وكأن الله سيجمع الدولة المغربية  ،كما هي،وبعلمها ،يوم القيامة ،ويحاسبنا حسب مواقعنا فيها اليوم؛وحسب أداءاتنا الانتخابية؛لمن انتصرت؟.

 وكأن الأحزاب الأخرى لا حظ لها حتى ضمن  كفار قريش؟

 الله الله على ريع الغفلة، ريع  لا يصمد لصولته حتى المال المدد..

لكل حزب من أحزابنا ،وبدون استثناء، حظ ما  من هذه المنهجية ؛ما دامت كلها حريصة على  “سلامة” الغذاء السياسي للمواطنين.

وما دامت تعرف مسبقا – على النهج الديمقراطي الحزبي ، المغربي دائما- أنها لن يكون لها ،في البرلمان أوفي الحكومة،وحتى في المجالس،وان بدرجة أقل، ، إلا ظاهر من الأمر.

يتأتى لكل حزب إنتاج الخطاب،والبرنامج ،لكن بينه وبين إنتاج الحلول خرط القتاد.

يسرح المناضلون ،ويمرحون،في ساحات وقاعات  الحزب الظاهر ،على هواهم .الشرط الوحيد عدم تجاوز ما يسمح به الحزب العميق.

في هذا “العرس” الحزبي الذي يتكرر عبر ربوع الوطن ،كل يوم، يتم الإيهام بتساوي الحظوظ في تحمل المسؤوليات الحزبية؛وبسواسيتها يوم التنادي لتزكيات الكراسي والمناصب.

يحضر الوزير الحزبي ،أو الوزيرة –إن وُجدا- فيجالس الجميع ،ويدغدغ الجميع ،حد إحداث الرعشة الديمقراطية ،لدى الشباب بالخصوص ؛وهم أكتاف التدافع وعضلاته، وحتى أسنانه إن اقتضى الحال .

لقد رأينا جميعا كيف حمل شاب مفتول –ليس عضلاتيا فقط – وزيرة  حسناء،فاضت أردافها على أكتافه ،ذات برلمانيات بيضاوية.

 من قال إن الديمقراطية الحزبية لا تشتغل بالرعشات؟

ويمضي الحزب الظاهر ،كما يريد له  الدستور ،وقوانين الدولة ؛ حزبا مهذبا ؛واجهة للعمل السياسي تخاطب الداخل والخارج.

حزب الظاهر يؤطر ،ظاهريا،مناضليه ،ويُشيع ،ظاهريا فقط،الديمقراطية بينهم،وصولا إلى برلمان ظاهري فقط،في انقطاعه لمشاغل المواطنين .ووصولا إلى الحكومة  الدستورية ، التي يقول أحد رؤسائها اليوم – على رؤوس الأشهاد – أنها واحدة من حكومتين.

الحزب العميق:

هو حزب الحزب ،إن شئتم ،أو القاطرة التي تقطر الحزب الظاهر،وغالبا ما تشتغل على السكك المظلمة،و في المنعرجات الصعبة.

مادام هناك غِش سياسي في المدرسة السياسية الحزبية،بالكيفية التي عرضت ،فهناك عقول مدبرة ،تشتغل في الخفاء ،وتشكل النواة الصلبة للحزب العميق.

الحزب العميق يولد من العمق ،وينتهي عميقا ،يكبل أرجل الحزب الظاهر ،حتى لا يسبح عكس التيارات.

لكل حزب قصة ميلاد ،ظاهرها الحاجة السياسية المشروعة ،النابعة من المواطنين أنفسهم،لتأطير المناضلين   المُستنهَضين ،في اتجاه معين ،ووفق عقيدة حزبية و برنامج معلنين؛ وباطنها حاجة الدولة العميقة إلى حشد كل عناصر التوازن السياسي والاجتماعي،حتى تمضي جسدا واحدا.

في غياب المجتمع الناضج سياسيا ومعرفيا ،المؤمن بالمواطنة أفقا أقصى للاشتغال – بعيدا عن شعارات الأمة أو الخلافة أو القومية أو العِرقية – وبالمؤسسات المدنية العمومية التي لادين لها ،ولا عداء دينيا لها، ستظل الدولة العميقة هي الفاعل السياسي الأول ،والعقل الفعال ،والمحرك الأول الذي يحدث كل الحركات والسكنات في مغربنا هذا ،وفي أزمنتنا هذه.

وفق هذا المنظور ،وهذا الوضع الانتقالي،والذي لا يمكن أن يكون قارا وحوله كل هذه الدينامية التواصلية العالمية  ؛ يمكن اعتبار ثنائية الأحزاب الوطنية والأحزاب الإدارية ،مجرد كلام للاستهلاك السياسي ،انتهت صلاحيته .

بل لم يعد يقول به حتى عتاة الأحزاب المعتبرة وطنية ؛لكنها لا تنكر  – وهنا المفارقة -انتماء المؤسسة الملكية ،إكليل الدولة العميقة،إلى الحركة الوطنية .

وعليه فكل الأحزاب القائمة ،وذات الشرعية، تربطها  – حسب قناعتي – مسافة ما بالدولة العميقة؛طالت أم قصرت.

 ولا تقع خارج هذه العلاقة السياسية  الجدلية غير الأحزاب المُعترَض عليها ؛لأنها لم تحترم شروط الميلاد ،لتحوز الشرعية. تدلي هذه الأحزاب بملفات ناطقة بدستوريتها وحقوقها،وكل عيبها أنها لم تحسن الاستماع إلى شرط الدولة العميقة؛أو لم تسع إلى ذلك.

ولما كان هذا هكذا فان الدولة العميقة – ويجب ألا نسطح و نسارع ونعتبرها رجعية ، معرقلة دائما – وهي تدفع صوب توازن ما ؛وتنتج خطابا سياسيا ما ، تختار خدامها الأوفياء الذين يقومون مقامها في العلن ؛وهي تخلق الحزب من عدم ،أو توَلده من رحِم.

هكذا يولد الحزب العميق – في كل حزب – لباسا داخليا يخفيه جلباب الحزب الظاهر ،أو بذلته “السموكنغ”.

من حيوية ،أو من قلق على الحاضر أو المستقبل ،لا تؤمن دولتنا العميقة بتحديد النسل الحزبي .

بلغنا الآن معدل حزب لكل مليون مواطن ؛ولا أدري هل ستتحقق ،مستقبلا، رغبة المرحوم الحسن الثاني ،في اختزال الأحزاب في أقطاب كبرى؟.

من أين معارك وكلاء اللوائح الانتخابية؟

أسكت ،اختصارا، على باقي تفاصيل الاشتغال الحزبي العميق ،وأقتصر للمناسبة ، وهي شرط، على الاشتغال الانتخابي.

لقد عرضتُ ساحات ومنتزهات الحزب الظاهر التي توهم بالديمقراطية الحزبية ،وبكون القلوب والعقول ليست شتى؛كما رسمتُ صورة شباب حُفز واستُثير ، إلى درجة الانتصاب الانتخابي،والرعشة السياسية الكبرى؛حتى حلم بالمهمة الحزبية ،المفتوحة على الكرسي والمنصب.

ماذا حدث حتى انقلب الحزب العميق على الحزب الظاهر؟ من أين تهب الرياح ،مقتلعة أشجار العمل السياسي النضالي لتزرع أشجارا لم يعهدها أحد في منتزهات الحزب الظاهر؟

 كيف سارت هذه الأشجار ليلا ،وصبحت المناضلين، وهم نيام في وهم الديمقراطية الحزبية وعسلها؟

انه الحزب العميق الذي أسسه العُمق  الدولتي ليشتغل عميقا عميقا.

الحزب العميق المنخرط في رسم معالم البرلمان القادم ،كما ترتضيه الدولة العميقة لمواطنين لم يرشدوا بعد لانتخاب من يشاؤون.

يتم كل شيء ،كما يتصوره العقل الفعال ؛بكل الديمقراطية الشائعة حزبيا ،وفق ما أسلفت،وبكل النزاهة المطلوبة.

أقول هذا ، وبالبال لا ئحة حزب ،بالجهة الشرقية، أسلمتْ قِيادها وقمتها لشاب غني لم يطأ الحزب طُرا..وأقصت من الدرجتين المتبقيتين جماعتين منتميتين للحزب، بثمانية وعشرين مستشارا عاملا.

أقول هذا ،وبالجهة نفسها، من تصدر لائحة يسارية ؛وليس بينه وبين عقيدة اليسار غير الخير والإحسان.

والأمثلة كثيرة ؛وكلها تنتصب حجة على وجود أحزاب الأحزاب . وفوق كل ذي علم، عليم عميق.

هكذا يتم الغش في المدرسة السياسية المغربية ، وفي سائر مدارس الدول التي ارتضت هذا النهج ،لمرحلة انتقالية مبررة ،أو كنهج قار لا محيد عنه.

بعض المدارس  العربية،كما أسلفت ،تُكمل النقاش في الشوارع ؛ وبعضها لم تنته بها دروس الغش ،ولم تظهر مخرجاتها ،بعد.

أتمنى – صادقا وعميقا ،إذ لم يعد في العمر متسع للغش – أن نعطي المصداقية لاستثنائنا المغربي ،بتصحيح المضمون السياسي الحزبي ، وبناء المعنى ،لبناء المشروع المجتمعي..

تدعي الأحزاب النضال ضد الدولة العميقة ،وهي تعرف أنها جزء لا يتجزأ منها.

وكلاء لوائح ،بشرعية حزبية أو بدونها ؛وغدا برلمان وبعده حكومة ؛وهما – تأسيسا على هذا –

بشرعية حزبية أو بدونها.

ثوابت الدولة ،واشتغالها الاستراتيجي ،يجب أن يُنزها عن هذا اللبس السياسي.

من هنا ضرورة القطع مع الكائن الانتخابي ،إن لم يكن مناضلا سياسيا أولا.

لكن قبل هذا متى تنتهي صلاحية الأحزاب العميقة؟

Sidizekri.blogvie.com



 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles