تحت المجهر أو في ضيافة السلطة الرابعة


     1


ماذا يوجد تحت مجهر  الصحافة  أو السلطة الرابعة ؟أليست إلا  جرعات زائدة من الشفافية من هنا وهناك؟وحفريات في جحور مسئول من هنا وهناك؟

تلك أمور يلاحظها أي متتبع للشأن الوطني ،لما تقوم به بعض وسائل الإعلام الورقية و الالكترونية و المرئية على السواء –  ويسميها البعض بالسلطة الرابعة بعد السلطة التنفيذية و التشريعية و القضائية،وعند البعض الآخر يطلق عليها بصاحبة الجلالة – على الصعيدين الوطني و الإقليمي و العالمي.فلم يعد أي شيء مستورا أو تحت التمويه و الأغطية السميكة التي تحجب الرؤية.

بالأمس القريب كان المسئولون عندنا على اختلاف مستوياتهم و ألوانهم السياسية، صغارا و كبارا،و في مختلف المرافق، يمارسون مهامهم في سرية تامة و بدون ضجيج ،ويقررون بعيدا عن أعين المبصبصين والفضوليين من الصحافيين.كثير من القرارات  و أشياء أخرى ،مرت  بانسياب تام بدون أن يكون على علم بها أحد إلا من المقربين أو من أقرب المقربين.

لكن الآن أمور شتى لا تمر إلا تحت أعين الصحافة التي  يحصل أهلها على المعلومة في وقت قياسي.هل هذا عهد جديد من الشفافية ،أن توجه الأنظار من أعلى الهرم إلى أسفله و من قواعده الأربع؟.بل إن الأنظار الفضولية تدخل إلى البيوت و المنازل عبر ثقوب المفاتيح لترى  وتراقب ماذا يفعل فلان و ما يأكل علان،وأين يقضي زيد عطلته ،وماذا يملك عمرو من سيارات؟وهل هي سيارات عمومية حمراء أرقامها في ملكية عموم الشعب أم سيارات  خاصة؟

ألم تعمل السلطة الرابعة على الإطاحة برؤساء في أعظم بلد و أكثرها تطورا(الولايات المتحدة الأمريكية)؟وأطاحت بمرشح للرئاسة في الدولة الفرنسية؟ وغيره كثير في بقاع العالم الفسيح…

نقرأ من الصحف المبصبصة،عن رئيس الحكومة وهو يوجه الكرة الحارقة  لمشكل أجور و تعويضات رؤساء الجهات إلى السيد وزير الداخلية،كما نقرأ  على أعمدتها، إصرار بعض رؤساء الجهات على سؤالهم  و الإلحاح المستفز  لرئيس الحكومة عن مصير التعويضات و الأجور (واحد منهم يشغل وظيفة وزير حاليا و سبق له أن تقلد عدة مهام وزارية في الحكومات السابقة و مناصب برلمانية … خاصة و أن تعويضات رؤساء الجهات، ما يسيل له لعاب الضفادع البرية،و تتراوح بين أجر برلماني و أجر وزير).و أخبار عن توظيفات مشبوهة في الأمانة العامة للحكومة أسالت الكثير من الحبر و الانتقادات ، لأنها عملية مرت في أعماق البحار، و لم يعلم بها واحد من أبناء الشعب المرابطين بأبواب الإدارات و البرلمان و الوزارات، وفي كل الأوقات، تحت أشعة الشمس والبرد و المطر و كل الفصول  التي تعرفها الكرة الأرضية، رافعين شعارات و منددين بقرارات و مطالبين  صارخين ومنددين بحقهم في العمل .فقد مرت  عملية التوظيف كأنها سر من أسرار الدولة،في هدوء و من تحتها الأنهار…و بعلم رئيس الحكومة الذي قطع كل حلم بالانتساب إلى الوظيفة العمومية، ودعا  أبناء الشعب إلى الاهتمام بالعمل بالقطاع الخاص أو إنشاء مقاولات خاصة فلها ربح مزدوج :لمالك المقاولة و للدولة التي تملأ صناديقها بالضرائب( قال الفقيه الورع في فتواه :  الوظيفة بالقطاع العام حلال على أبنائهم ، و حرام على أبناء الشعب؟). بدون المرور على الوزير الذي أثث مكتبه بسرير للنوم وغرفة للاستحمام…و ما خفي كان أعظم…بدون نسيان أن من سبقهم من القوم لم يكونوا من الرسل و لا من الأنبياء و لا من أولياء الله الصالحين و لا من الأتقياء،إنما لم تطأهم أعين المبصبصين من الصحافيين الفضوليين…

كما نقرأ من الصحف المبصبصة،عن أحد رؤساء الجهات الأفقر في المغرب، يقبل على شراء 7 سيارات ذات الدفع الرباعي ألمانية الصنع  (من نوع توارك)لاستخدامها في المهمات الصعبة و الطرق الملتوية و الجبال الوعرة(هذا هو التبرير الذي يقدمه من قام بالفعل المنسوب له، محتجا على الحاسدين و الناقمين، وهو العاشق الولهان الذي جنى عليه العشق ).و رئيس جهة يقتني لنفسه سيارة مرسيدس ب150 مليون سنتيم ،و آخر يزود حظيرة رئاسة الجهة  ب 40 سيارة جديدة من نوع (داصيا)،ناهيك عن تعويضات بعض الوزراء في تنقلاتهم وتقاعدهم  أجورهم، وتحايلهم على القانون من أجل توظيف أبنائهم أو تمتعهم بأسبقية الحصول على صفقات من الدولة لصالح مشاريعهم، ناهيك أن  واحدا منهم يتنقل عبر 3 سيارات مرسيدس فارهة…و معلومات عن أجور و تعويضات نواب الأمة في التنقل و المبيت و الأكل و السيارات و وسائل الاتصال من آخر الصيحات،  ومن أمثال ما نقرأ مثلا: تخصيص 380 مليون لتنقلات النواب داخل المغرب ،و336 مليون لتنقلاتهم خارج الوطن و 360 مليون نظير تنقلاتهم  لمهامهم الرسمية لدى البرلمانات الأخرى…) ،وتمكين بعضهم  من الحج على نفقة أموال الشعب،زيادة على صفقات الأمصال الفاسدة و المنتهية الصلاحية في حكومات سابقة، ونهب المال العام من هذه المديرية أو تلك من هذا الصندوق أو ذلك(الصندوق المغربي للتقاعد و صندوق الضمان الاجتماعي و المكتب الوطني للماء و الكهرباء…و…)

إذن، كل هذا يمر  تحت مجهر و الأعين الجاحظة للسلطة الرابعة، بأنواعها المختلفة و عبر وسائل الإعلام بالداخل و الخارج،مما يبين أن مسؤولية إدارة الشأن العام الآن، لم تعد تمارس بسهولة كما كانت ،في الدهاليز المظلمة و بين الجدران السميكة، أو الاعتقاد الخاطئ أن الشعب الساذج هو آخر من يعلم.أو أن يعتقد  المسئول أنه بعيد عن كاميرات المراقبة،التي تختلف عن كاميرات مراقبة تجاوز السرعة: إنها كاميرات الشعب التي تبصبص في كل صغيرة وكبيرة.أما كاميرات الدولة فهي قد  تغمض أعينها انتظارا أن يصحح هذا المسئول أو ذاك من سلوكه المنحرف،أو أنها لا تملك المعلومات الكافية عن بعضهم، لأنهم يمارسون  تطاولهم في الظلام الدامس…فأمورهم لا يعلمها إلا الباري عز وجل.. 

 لكن ،على السياسيين و المنتخبين في الحاضر و الآن ، أن يدركوا أن عهدا جديدا من الأجيال قد ظهر،متشبعا بقيم غربية: عن الحقوق و الواجبات و الحريات والمحاسبة و العدالة و المساواة و التواضع وخدمة المصلحة العامة…وهي أمور لم تكن الأجيال السابقة تهتم بها، أو كانت واعية تمام الوعي بأهميتها.زيادة على صبر الجيل السلف، على أمور لم تعد الأجيال الحاضرة قادرة على الصبر على تفويتها  بيسر، دون احتجاج أو إبداء ملاحظات و رفع لافتات، مستفيدة من المحيط الدولي و الرأي العام العالمي الذي يهتم بقياس كل صغيرة و كل كبيرة و يعرف عنا أكثر ما نعرفه عن أنفسنا، و يرتبنا في سلم التطور أو التخلف بين الأمم…كما أن الأجيال الحاضرة لها جرأة و شجاعة لم تكن للسلف، الذي كان (يخاف من ظله كما يقال)، بل كان يخاف حتى أن يكلم أو يهمس لنفسه في خلوته وتحت جنح الظلام ، في أمور السياسة. و من شدة الرعب الذي كان يسكن عقل مواطن الأمس و قلبه،أن كانت المرأة تجهض حملها، وكان الرجل  يتبول فزعا و رعبا ، كلما رأى سيارة أمن تتوقف إلى جنبه معتقدا  أنها تبحث عنه …و من شدة هوله و الرعب الذي يتملكه ، أنه كان يعتقد أن للحيطان آذان…

 كل شيء تغير الآن :عقلية الناس و تفكيرهم و اعتقاداتهم و قناعاتهم  وطموحاتهم وعواطفهم و علاقاتهم الاجتماعية و عاداتهم  ،كلها مسها التغيير والتغير.

 فلا شيء من أمور الناس الخاصة و العامة و في جميع المرافق (من البيت إلى الشارع إلى المدرسة إلى المحكمة إلى المحكمة إلى القرية و المدينة و الجماعة في اتجاه البرلمان والوزارة إلى… )بقي تحت الظلام و الأغطية وتحت المستور… بل كشف المستور، وظهر الصباح وأشعة الشمس ترسل على كل الجحور التي كانت مستعصية الدخول إليها، في وقت ما، أو كانت خاصة بكبار القوم أوأغناهم…

 كل شيء وضع تحت المجهر(في كل الأمكنة و كل المؤسسات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الدينية و القضائية و التعليمية و الصحية…وأصبح كل مسئول إذا أخطأ فضح أمره و شاعت أخباره .و أصبح للرأي العام سلطة الحكم و المحاكمة….وأصبحنا أمام أمر واقع و حقيقة تشبه وتقترب من الخطبة التي نسبت إلى القائد الأمازيغي طارق بن زياد وتلوكها الألسن التي كانت إلى عهد قريب خرساء. و على أي مسئول الآن، أن يأخذها بعين الاعتبار:  و مما قاله  عياد بن زياد في خطبته العصماء في القوم:  (أيها الناس النزاهة أمامكم  و الفضيحة وراءكم ،و ليس لكم و الله إلا الجد والعدل وقول الحقيقة و الابتعاد عن لغة الخشب و الكذب ، والتزام الشفافية في أعمالكم، وأن يتوفر فيكم  العلم و الذكاء و الحكمة و الخبرة في البحث عن الحلول للمشاكل، و الحكامة الجيدة و الاستقامة، و المساواة بين أبناء الشعب و سيادة القانون على الجميع ،و اعتقال أيديكم عن التطاول على مال الشعب وحقوق الناس، فقللوا من الأقوال، وتواضعوا لله، و أكثروا من أفعال الخير يرحمكم الله …فقد ولى عهد الغفلة و البلادة، و الثقة العمياء، و السذاجة العوراء،وحل محلها عهد الشك  حتى يثبت عكسه وهو اليقين …و إذا عجزتم عن مسايرة ضرورات العصر…  فانسحبوا بلا ضجيج… و اتركوا المكان لمن هو أجدر و أكفأ وأفضل و أنقى منكم… هذا عهد جديد قد ماتت فيه كل القيم البائدة، و كل العقول المريضة التي كانت تصفق لأي شيء… فكفى من استحمار الناس و استبلادهم  يرحمكم الله…و ليبلغ الحاضر منكم الغائب… اللهم فاشهد أني قد بلغت).

 و رحم السلطة الرابعة، الصحافة الكريمة(في بعض البلدان الديموقراطية يطلق عليها صاحبة الجلالة للقوة التي تملكها في إزاحة أقوى الرؤساء عن كراسيهم) على دورها في كشف المستور وفضح الجحور،وتقليم  منقار وأظافر النسور…

انتاج :ص. نورالدين   

    

صايم نورالدين


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

1 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. harnafi
     

    hata hna saymin allah yakbal mina wa minkom.

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*