وقفات في تأهل،،العمراوي ،،للحياةقديما


     2


كان على الشاب العمراوي أن يعد نفسه لامتحانات عسيرة ومتباينة قبل أن يجد له موقعا بين الأهل.
في غياب المدرسة والكتاتيب لعقود عديدة،فإن الأسر لم يكن أمامها من خيار الا أن ترسم للأبناء المسار ذاته الذي سلكه السابقون.
وبما أن الدورة الاقتصادية كانت مرتبطة بعاملين أساسيين هما الرعي والزراعة،فان الذكر من الأبناء ظل مطالبا بخوض تجربة الرعي والزراعة مع ضرورة تمثل العلاقة الشائكة بينهما.
أما الفتاة،فكان عليها استيعاب الخطوط العريضة لإعداد الطعام وعلى رأسه الخبز،ثم تعلم حرف المرأة المعتادة والمتوارثة: صناعة الحصير وبعض الزرابي المحلية في انتظار زوج على علاته!
بمجرد أن يصبح الابن دارجا فإنه ينخرط في النشاط اليومي،حيث توكل له مهمة حراسة الجديان والخرفان أو ما يعرف محليا ب،،أعزال،،في انتظار أن يتأهل لرعاية القطيع ،وهو إيذان بأن الراعي الصغير قد انتقل الى القسم الأعلى!
في حالات كثيرة كان راعي القطيع يتولى هذه المهمة لدى أسرة أخرى وفقا لأعراف متوارثة.
عندما يحصل الاتفاق المبدئي بين صاحب القطيع وعائلة الراعي،فإن وسيطا يتولى التوفيق بين الطرفين.
وهكذا، يتم تحديد مبلغ نقدي كجزء من مستحقات الراعي ولكنه ينتهي الى جيوب الأب،وكان هذا المبلغ يعرف ب،،الرفد،،فضلا عن عدد من الجديان والخرفان إن كان القطيع مختلطا يعود بها الى اهله في نهاية السنة،وتسمى هذه الغنيمة: إعلاش،،ناهيك عن حلة تتكون من جلباب صوفي أو سلهام،ثم نعلين يصنعان كيفما اتفق من اطارات الشاحنات تعضدهما قطع من جلد شبه خام لا تغطي الا منطقة محدودة من الأقدام،بينما يكون نصيب الرأس عمامة عرفت ب،،أحواق،،.

إن حياة الرعاة تنطوي على كثير من الأسرار والمعاناة،ولكنها في الواقع مدرسة هامة.
إن الراعي ينفرد بمعرفة العديد من أسرار العائلات التي يرعى قطيعها،لأن جل الرعاة يعمدون الى تلميع صورتهم من خلال طاعة ربة البيت والاستجابة لرغباتها.
وهكذا تجد الراعي النبيه يجلب بعض النباتات الصالحة للزينة،أو بيض الحجل أو أ رنب أو فطر…
بمثل هذه الممارسات يتمكن الراعي من امتلاك قلب صاحبة البيت فتصبح محاميته أمام الجميع،بل ربما أصرت على أن يرعى الغنم وقتا إضافيا فلا يرفض!
وليس من المبالغة القول بأن الفتاة تجرب أول خلجات قلبها مع راعي الغنم ولو تظاهرت بمخاصمته!
ألم يقل جميل بثينة:
وأول ما قاد المودة بيننا..يابثينة خصام!
إن الرعي باعتباره أول نشاط يمارسه الابن،كان يحيله على أمور أخرى لا مفر له من تعلمها.
وهكذاكان الراعي يقترب من الفلاح خلال موسم الحرث،ويعرض عليه أي خدمة مقابل أن يسمح له بإمساك المحراث الخشبي ليتعلم أبجدية الحرث،فإذا جرب استعمال الدواب الصغرى،عمل ما في وسعه لتجربة الحرث بواسطة الدواب الكبرى: ،،لگضر،،!
هذا شأنه أيام الحرث،أما في فصل الصيف،فإن صاحبنا مدعو هذه المرة لتعلم أنشطة أخرى،وهكذا يلتمس من الحصادين أن يسمحوا له بمساعدتهم ليضرب عصفورين بحجر واحد:
يتعلم استخدام المنجل,ثم يجمع المحصول وينقله في،،أقبوب،،متحملا كل ذلك تدريبا لنفسه على مواجهة المستقبل،والسماح لقطيعه بالتقاط ما فضل في الحقل من سنابل واعشاب!
بعد أن يقضي الشاب سنوات كافية في الرعي،وعندما تشرع أولى الشعيرات في الظهور على وجهه،يحصل شبه إجماع في العائلة بأن الوقت قد حان ليسلم الشاب مشعل الرعي لمن يليه،بينما ينخرط هو في الأعمال الأخرى،وفي مقدمتها المشاركة في الدورة الزراعية من بدايتها الى نهايتها.
وهكذا يتعين عليه إثبات ذاته من خلال العمل داخل وخارج البيت وخاصة ،،لعزيب،،حيث يضطر لتدبر أموره عندما يحرث قطعا أرضية بعيدة،أو يحصدها بكل ما يكلفه ذاك من عنت.
تمر الأيام سراعا،فيشرع الشاب في إرسال الرغبات الدفينة من خلال استبدال العمامة البيضاء بالصفراء،وكذلك من خلال إبداء الرأي في شؤون الأسرة والعناية بالمظهر،بل إن بعض الشباب كان يعلن عن مواهب تؤهله لتحمل المسؤولية إذا اعتزم الزواج.
وهكذا فإن الشاب كان يحرص على تعلم الرقص والغناء وحتى ركوب الخيل ،مما يجعل الأبوين يفكران جديا في شريكة الحياة لابنهما.
لقد تزوج جل رجالات ،،أولاد عمرو،،زواجا نمطيا،حيث تتولى الأم اختيار العروس وفق الشروط التي تضمن استقرار الأسرة كما تراها،لكن بعض الشباب مكنهم الرعي من سرقة صور عرائسهم قرب نقط الماء حيث تتردد النساء،أو خلال الاحتطاب،مما سمح بزواج حالم في معظم الحالات.
ظلت الأسرة متماسكة،وكانت تعتبر اجتماع الاباء والأبناء المتزوجين مصدرقوة للتغلب على الأنشطة.
ومع ذلك،فإن كثيرا من الاباء كانوا يرغمون أبناءهم على مغادرة سقف الأسرة حتى يجبروهم على تدبر شؤون حياتهم!
لم تتوال سنوات الستينات حتى تناسلت المدارس وأصبح الناس يقبلون تجربة إرسال الأطفال نحو المدرسة بدلا من الخلاء،وسرعان ما أيقن الكثيرون بأن حياة أفضل ممكنة بدون قطيع لاسيما بعدما تواترت أخبار شباب من البلدة،،أطفن لبلايص،،!
كان ارتياد المدرسة عاملا حاسما في تغير نظرة الأهالي للأشياء،وكان من الطبيعي أن يضرب الشباب عن اقتفاء مسار السابقين ،ومازال،،العاطي يعطي،،!
إن الطفل ،،العمراوي،،لا تنقصه المؤهلات والذكاء،ولذلك يتعين أن يفسح له المجال لتفجير كل طاقاته،ولكن لا بأس أن يعرف شيئا عن ماضي آبائه وأجداده حتى يشق الحياة من غير أن يضطر يوما للنكوص!
تحياتي للشباب الحريص على المعرفة الواعية.

شحلال محمد


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

2 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. متتبع
     

    الاستاد سيداين بلقاسم نمودجا وشحلال المختار وووووووووووووووو……

     
  2. المختار شحلال
     

    إنها طفولتنا يعرضها السي محمد في الزمن الرقمي…قليلون فقط سيدركون منعرجات كان على الواحد منا أن يسلكها للوصول إلى شاطئ النجاة
    لعلنا نحن أبناء بادية الستينات والسبعينات مدينون أكثر من أي أحد آخر للمدرسة العمومية التي كانت طوقنا للنجاة
    تحية للسي محمد الذي شكل الجيل الآول رفقة قدوري حسين و آخرون الذين سلكوا هذه المنعرجات

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles