Home»Correspondants»العلاقات الإنسانية بين التعاقد والتراحم

العلاقات الإنسانية بين التعاقد والتراحم

0
Shares
PinterestGoogle+

العلاقات الإنسانية بين التعاقد والتراحم
بقلم : ذ. عبد الفتاح عزاوي
تخضع العلاقات الإنسانية إلى صيغتين أساسيتين لاثالث لهما :الصيغة التعاقدية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالمنفعة والتي لا تؤمن إلا بمنطق  » خذ » في مقابل  »هات  » ، والصيغة التراحمية المستندة إلى الإيمان بأحقية كل انسان في الحياة
يرى المفكر المصري عبد الوهاب المسيري أن الصيغة التعاقدية تخضع الإنسان لمفهوم  التسليع ، بحيث يصبح كل شيء له مقابل وخاضع للتبادل النفعي ، في حين يعتبر أن الصيغة التراحمية هي جوهر الانسان ، ويقدم  في هذا الصدد العديد من الوقائع التي عايشها ،إذ يروي في إحداها  كيف أن امرأة فقيرة كانت تبيعهم بعض المتاع الرخيص ، وكيف أنه ردها ذات يوم  خالية الوفاض قائلا لها:  عندنا منه في البيت مايكفينا ولاحاجة لنا ببضاعتك ، فلما أسـر لوالدته بما حدث صرخت في وجهه ، ولامته لوما شديدا قائلة له : ألم تعــــلم أننا لانشتري منها مانحن بحاجة إليه ،بل نمدها بالمال كي نقيها ذل السؤال ؟.

كما يروي في واقعة أخرى السلوك الذي نهجته إحدى الشركات العملاقة المختصة في انتاج السيارات بعد أن شاب أحد الأجيال الكثير من العيوب، ارتفعت على اثرها حوادث السيرفي صفوف الزبناء . فانعقد مجلس إدارتها ليقرر أي الحلين أفضل : سحب هذا الجيل  من السيارات ؟ أم تعويض الضحايا ؟. واستقر الأمر في الأخير على إبقاء منتوجهم مع تعويض الضحايا ، لأن خسائرهم ستكون أقل بعشرات المرات من قرار السحب النهائي ، وقد علق الدكتور المسيري على هذا الفعل قائلا : إن الإنسان هو اخر ماوضعته الشركة في الحسبان  .

هذه الوقائع وغيرها ، تؤكد لنا بما لايدع مجالا للشك أن المجتمع التعاقدي يتناقض كليا مع المجتمع التراحمي الذي يعتبر انسانية الإنسان قطب الرحى ، فنحن نعيش اليوم في   زمن تشييء الجنس البشري الذي صوره المسيري وفق الرؤية التالية :  »… ولنتخيل الآن إنساناً يلبس « التي شيرت »، ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة « البريفاب » (الكتل الصماء سابقة الإعداد)، ويأكل طعاماً وظيفياً (همبورغر- تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية)، وينام على سرير وظيفي ويشرب الكوكاكولا، ويشاهد الإعلانات التجارية التي تغويه بالاستهلاك والمزيد من استهلاك سلع لا يحتاج إليها في المقام الأول، ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة عليه أن يجري بسيارته المستوردة بسرعة مائة ميل في الساعة، ويهرع بسيارته من محل عمله إلى محل طعام « التيك أواي » ومنها إلى مركز التسوق الذي يتسلع البشر، ويداوم على مشاهدة الأفلام الأميركية بشراهة غير مادية، ويسمع أخبار النجوم وفضائحهم، ويدمن تلقي الحكمة من النجمات الساطعات أو المغمورات

ألن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار.. إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟  ».

fattahazz@yahoo.fr

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *