Home»International»الإرجاف ذلك السم الزعاف

الإرجاف ذلك السم الزعاف

0
Shares
PinterestGoogle+

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه أجمعين

    الإرجاف: ذلك السم الزعاف

بقلم: عبد المجيد بنمسعود


تتوقف سلامة سفينة المجتمع على كل ما يجري بداخلها من تحركات وأعمال، ومن ثم على كل ما يحرك تلك الأعمال من نيات وأفكار، تمثل أساسا لما ينسج من شبكة للعلاقات بين الأفراد والجماعات، وما ينشأ عبر خطوط تلك الشبكة من تيارات ثقافية، يحدد التدافع فيما بينها اتجاهات الرأي العام التي يسعى صانعوها، كل بحسب رؤيته ونزعاته، إما إلى ترسيخ ما هو قائم من تصورات وقيم وأفكار ومواقف لدى شرائح الناس، مع التنقية والتصحيح، وإما إلى خلخلتها وإحلال أخرى على أنقاضها في حالة التمكن من إلغائها أو سحب الغطاء من تحتها.

ومن خلال عملية التدافع هذه، تثبت الأفكار الكبرى جدارتها بالحياة والاستمرار، وتتوارى الأفكار الصغيرة الباهتة التي هي أقرب إلى عالم التخرصات والأوهام، منها إلى عالم الأفكار الجادة الوازنة.

 فليس الأمر إذن مجرد سياحة تقوم على التلقائية والتراخي، وتحصل فيها الغلبة والظهور بمجرد الصدفة والاتفاق، وإنما هو صراع محتدم تحكمه سنن، ويتسلح فيه كل من الطرفين بما تيسر تحت يده من وسائل وأدوات، يحدد نوعيتها وطبيعتها عند كل منهما ما يتبناه من رؤية للكون والحياة والمصير، ومن ثم فلا مناص من أن نجد أنفسنا على متن سفينة يوظف فيها المكر والخداع، والكذب والبهتان، أسلحة أساسية لإحراز النصر وكسب الرهان، الذي قد يتم ظاهريا و مؤقتا لفائدة من يمثلون الطائفة المغشوشة في لحظة من لحظات الصراع، مستغلين في ذلك عامل الغفلة أو ضعف الوعي لدى ركاب السفينة على اختلاف مستوياتهم ومواقعهم.

و يعتبر الإرجاف من أوجه المكر الشديد التي يركبها من يريدون بالسفينة وأهلها شرا، وليس بنازع عنهم تلك الصفة مزاعم الإصلاح  وشعارات التغيير التي يلوحون بها صباح مساء، سواء كانت نابعة عن اقتناع منهم بها، أو كانوا يقصدون بها المغالطة والتمويه، لتمرير خططهم وتحقيق مآربهم.

 

و« أَرْجَفَ القومُ إذا خاضُوا في الأَخبار السيئة وذكر الفتَنِ .
قال اللّه تعالى: و »المُرْجِفُونَ في المَدينةِ »؛ وهم الذين يُوَلِّدُونَالأَخبارَ الكاذبةَ التي يكون معها اضطرابٌ في الناس. »)لسان العرب)

وتزداد حدة آثار الإرجاف على سفينة المجتمع، بازدياد تطور وسائل النشر والتواصل والاتصال، التي تتيح فرصا أوسع لنشر الأخبار والمعلومات ، واستدراج أوسع قطاع ممكن من الجماهير للتصديق بها واعتبارها من الحقائق والمسلمات التي تفضي ضمن شروط معينة إلى إنتاج مواقف، والتمهيد لصناعة تحولات داخل المجتمع.

إن المفروض في سفينة المجتمع المسلم أن تعمها السكينة والشعور بالأمان، ولا يتوطد هذا الوضع إلا بتحصينها ضد موجات الإرجاف التي تسمم الأجواء بما تبثه من إشاعات ملغومة تستهدف زرع البلبلة والشكوك. وليست تنبع خطورة الأراجيف من كونها قائمة على سلامة المنطق وقوة الحجة، ولكن من كونها مصدر تلوث واضطراب، تظهر آثاره السيئة على مستوى الشرائح الأقل وعيا، فضلا عن الإزعاج الذي يطول سفينة المجتمع بشكل عام، بجميع شرائحها ومستوياتها. ومن هنا يكون من المحتم على أرصاد السفينة وأجهزة الأمن الروحي والثقافي فيها أن تعمل على إلجام التحركات الرامية إلى زعزعة أمن السفينة وتعريضها للفوضى والتأرجح والارتباك، وذلك برسم استراتيجة محكمة للفعل الثقافي والتربوي توضع فيها الخطوط الحمراء، أمام كل من تسول له نفسه المساس بكيان السفينة بقصد أو بغير قصد.

إن فعل الإرجاف يمكن أن يصل في حالة الإصرار عليه والتمادي فيه إلى درجة يدمغ معها أصحابه بالنفاق، الذي يبرهن أصحابه بسلوكهم الاستفزازي على أنهم غرباء عن ركاب السفينة ذات المصير الواحد، وأنهم يضعون أنفسهم في خندق غير خندق أبناء الوطن، يستفرغون وسعهم في نصب الأحابيل وزرع الألغام في طريق السفينة وهي تخوض لجج البحار والمحيطات، وتغالب الأمواج، ولو أنهم كانوا يستشعرون صدق الانتماء إلى الشعب لفرحوا لأفراحه وأسوا لمآسيه، ولكن الغيظ الذي ترشح به مقالاتهم وألسنتهم، وتنطق به أحوالهم ،  يدل على عكس ذلك تماما.

إن واقع الأوطان في الأمة الإسلامية دل من خلال مشهد الربيع العربي على أن شراذم من المرجفين الحانقين على الشعوب التي ينتمون إليها بأجسادهم لا بأرواحهم، قد اتخذت شكل الخناجر المسمومة التي تنغرز في خواصرهم بدون رحمة.

ولو أن هؤلاء كانوا على جانب من التعقل لتقبلوا نسائم الربيع العربي بملء رئاتهم، ولعانقوا أهالي السفينة ذارفين دموع التوبة والندم على ما فرطوا في جنب الله والوطن، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

لقد آن الأوان لهؤلاء أن يكفوا عن سلوكهم الانتحاري الذي توعد كتاب الله أمثالهم بسببه بالإخراج من دائرة سفينة الوطن التي لم تعد تحتمل وجود العابثين على ظهرها ومجاورتهم لأهلها، وأن ينتهوا عن تمثيل دور الطابور الخامس المحكوم عليه بالخسارة والإفلاس.

إن الإرجاف سم زعاف، وإنه لجدير بحراس سفينة المجتمعأن يتصدوا بكل ما أوتوا من حكمة وعزم، لكل من يحلو لهم أن يثيروا رياح القلاقل والفتن في وجهها، ليعلموا أن حرمتها خط أحمر يشتعل نارا في وجه هؤلاء الأشقياء.

                             وجدة في 23 دجنبر2011

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *