أحلام عصفور في القفص


    


لو خير الإنسان بين عصفور في القفص وعشرة على الشجرة لكان اختياره  يقع على عصفور في القفص.إذ جرت العادة  و المثل أن تعطى الأهمية لما في اليد على الذي خارجها.

هذا المثل يبين أن الناس تسعى إلى الحلول السهلة. الحلول السهلة هي الحلول السريعة،كالوجبات السريعة.فهي منهي عنها من طرف أطباء التغذية و أطباء الجهاز الهضمي.لكن أطباء التحليل النفسي أطلقوا على هذا العصر الذي نعيشه عصر القلق.وعلماء (السيبيرنتيقا)cybernétiqueآخرون سموه عصر السرعة.و لكن أليس هناك قران بين عصر السرعة وعصر القلق؟كقران المتعة الموجود حاليا بين الأحزاب المؤلفة للحكومة ،التي لا رابطة دموية أو عرقية أو اتجاه ديني يجمع أوصالها.

 

إذا اختار الإنسان العصفور في القفص فهو اعتراف  ضمني أنه أناني يحب التملك.و يعاني من نزعة التحكم و التمركز حول الذات.وعاجز أن يقنع نفسه أن هذا  الطائر الذي يستمتع بمشاهدته سجينا في القفص و لو كانت قضبانه  من ذهب، أنه  خلق ليكون حرا طليقا  يحلق بجناحيه ، ومن حقه أن يستمتع بملكوت الله ، وأنه  خلق ليدبر أمور حياته بنفسه ، ومن حقه أن  يتغنى بالجمال: جمال الورود و الأزهار و الرياحين و الياسمين و النرجس و الأقحوان، و الأشجار و الأنهار و الجبال و النسيم العليل.خلق ليشدو بجمال الخليقة و الخالق.

 فهل يتحمل الإنسان مشقة أن تسلب منه حريته؟وهل يتحمل هذا الإنسان  يوما واحد في قفص وراء القضبان  وراء الجدران الإسمنتية كما يفعل للطيور؟

الحرية لا يقدر ثمنها عند الحيوان و الإنسان و الشعوب.و الشعوب المستعمرة و المستلبة، تقدم من أجل حريتها ،أرواح أبنائها ودمار بيوتها و إتلاف أرزاقها.فإذا كان الإنسان يقدم حياته ثمنا لحريته،فهل يسمح لنفسه أن يغتصب حرية كائن خلق ليكون حرا؟

لو سأل السجان نفسه:ما فائدة الجناحين إذا قضى البلبل حياته في قفص و لو كانت قضبانه من ذهب؟ و لو توفر له الطعام و الماء؟

عندما يستطيع إنسان أن يمنح الحرية لطائر سجين، فهو ينتقل من إنسان متمركز حول ذاته إلى إنسان متمركز حول الآخرين هكذا يقول علماء النفس، فهو يحس بإحساسهم و يشعر بآلامهم و أحزانهم و أفراحهم..و و ينتقل من إنسان أحب ذاته فقط، إلى إنسان مستعد أن  يتقاسم الحب مع الآخرين.أو بعبارة أكثر وضوحا ينتقل من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي ،ومن حيوان إلى إنسان.

الأحلام سلعة تبيعها المؤسسات التجارية التي تقوم على الرهان، لإنسان يحلم بالثروة تنزل من السماء (راهن لتربح سيارة أوعمارة… ).و المرشحون للانتخابات  البرلمانية يعرضون للناخبين صنفا من الأحلام (امنحني صوتك أمنحك حلما) أن تحلم ببيت أو عمل …

  ما يقره أهل الفلسفة أن جمهورية الفيلسوف اليوناني أفلاطون، و المدينة الفاضلة لأبي النصر الفارابي، بني أساسها من الأحلام.أحلام من هذا القبيل تعني أن الأمور ليست بخير…

 من حقنا  أن نحلم هكذا كالعصافير فوق الشجر …و الحلم حق وجودي للإنسان: نحلم أن من يتقدم مرشحا للبرلمان ستكون خدمته لله و الوطن و المواطنين ، بمقابل امتيازات رمزية، كالسفر مجانا و الأكل و المبيت . لو كان الأمر هكذا فهل ستشاهد سباقا محموما و مروعا و صراعا حادا و حروبا قائمة ،و إعلانا للفضائح و تبادلا للاتهامات و الكلمات ،و تكالبا شرسا على المنصب و الكرسي؟ آه من الكرسي انه يجعل لعاب النساك و الزهاد و المتصوفة يسيل كلعاب كلب العالم الروسي (بافلوف)…

قد تكون هذه الأحلام تبين و تعكس مدى سذاجتنا و غفلة عقولنا و تفكيرنا، وخاصة عندما نعرف أن الأشرار كثرة في العدد ،و الأخيار قلة…ونعرف أن جهنم هي من تطالب: هل من مزيد؟و ليس الجنة…  

نظرية أفلاطون في الحكم ، لم تكن  إلا حلما في جمهورية يسودها العدل من وجهة نظره، ،و تخيلها أفلاطون بمؤسساتها وأناسها و وظائفهم الثابتة.و المدينة الفاضلة تلك التي شيدها الفارابي بفكره و بمنظور إسلامي . هي أحلام فقط، تتهدم بمجرد استيقاظنا من النوم( نستيقظ على حلم لذيذ أو  على كابوس مرعب).

و كل عام و عصافيرنا التي نحلم أن تكون دوما على أغصان الأشجار حرة طليقة،وكما خلقها الله عز وجل، و ليس بين قضبان الأقفاص  تسر الناظرين … كل عام وهي بألف خير…

ص.نورالدين


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*