بين عالم السياسة وعالم الدراسة


    


قد يتساءل أي بسيط من أيها الناس و عامتهم باستغراب:وهل السياسيون يكذبون؟وهل هناك علاقة بين الكذب و السياسة؟ و بين السياسة و الدراسة (المدرسة)؟ ومن هو السياسي المحنك؟ ومن هو المدرس الصالح؟هل السياسي هو من يراوغ كثيرا و يسقط منافسيه أو قل أعداءه في المصيدة بلا رحمة و لا شفقة؟

 دائما يقال لنا ونقرأ أن السياسة هي فن الممكن و الممكن هو أن تتعايش مع التناقضات و المتناقضات(تعيش مع عدوك في خندق واحد)، و أن ليس في السياسة عداوة دائمة و ليس فيها صداقة دائمة و إنما هناك مصالح دائمة(تلك هي فلسفة ميكيافيلية التي يعلمها السياسيون).و نقرأ  أن هناك حكمة تدور بين السياسيين عندما كانت السياسة يمارسها الأقوياء و الضعاف في نفس الوقت( الذين يؤمنون بالحكمة السياسية :تمسكن حتى تتمكن). كانت السياسة تعني القوة و الجبروت وممارسة الظلم و العدوان على الناس عندما لم تكن للقوانين أية اعتبارات بل لم تكن هناك قوانين إلا قانون الأقوى .

القانون لقوة، هو القانون السائد  لا مكان فيه للرحمة التي هي عنوان الضعفاء .و كان القوي يعدم منافسيه، بلا رحمة و لا شفقة:بالسيف أمام الملأ ،أو بالسلاح الناري .أو يعدمهم  بالسم وهو شكل من الإعدامات السلمية الهادئة بلا ضجيج ودن أن يشعر بذلك أحد ،ليس فيه إراقة دماء، و دائما يقدم السم في جو عائلي و أخوي وفي جو المرح و السعادة الغامرة.في هذا العالم الموبوء بالمؤامرات و الدسائس ،إما أن تقتل أو تكون مقتولا…وبمعنى آخر تغذى بعدوك قبل أن يجعلك عشاءه…

كان المؤسس للدولة العباسية أبو جعفر المنصور لا يتردد في اقتلاع منافسيه من الطريق بالقوة و بلا رحمة و لا شفقة، و لا بأس أن يأخذ  موائد طعامه على جثث المعدمين و تلك فرحته العظمى(يا لها من سادية؟).وكانت فلسفته في الحكم هي انتظار الفرصة المواتية  المناسبة للافتراس.. .أليس هو قائل الحكمة  المشهورة، التي كانت سائدة عقودا من الزمن في الأنظمة الشمولية، والتي يكون فيها الولاء المطلق للحاكم بأمره، وهي تبين أن حقل السياسة  حقل ملغوم جدا ودموي جدا .فقد قال الحكمة السياسية التالية( اليد التي لا تستطيع أن تقطعها قبلها).و هي تبين بجلاء جوهر ممارسة السياسة عند الأقوياء(الحكم المطلق لا ذرة فيه للمعارضة).

السياسي لا بد أن يمارس النفاق  في حديثه و سلوكه ( أي ممارسة التقية). وهو شخصية ثلجية جامدة باردة برودة  الصقيع. بمعنى آخر لا وجود للسذاجة و البراءة و الطيبوبة و التسامح و العدل و النزاهة و الكرامة و الإحسان و الاستقامة  العمل الخيري و الأخوة و الإيثار و الرحمة … وما شابه ذلك من القيم  و المفاهيم المضحكة  عند السياسي التقليدي وفي قاموس عالم  السياسة .تلك الأخلاق التي تعبر عن السذاجة و الغفلة هي رصيد ثمين في بنك الأخلاق و من العملة الصعبة  التي لا تصرف بالمال الورقي و النقدي   عندنا نحن المدرسون .

المدرسون  بالطهارة الأخلاقية التي تعتبر عملتهم الوحيدة في سوق البورصة المدرسية ،لا يجب أن يخوضوا في ميدان لم يخلق لهم وهو السياسة. فعالم المدرسة هو عالم سحري طوباوي رومنسي خيالي نعيش فيه في عالم  البراءة والمثل اللذيذة  وفيه عالم الروحانيات و القداسة و الطهارة .  نبني فيه عالما كله صفاء و إخلاص وعدل ومساواة  و براءة و روح إنقاذ و مساعدة( مساعدة المتعثرين في التعلم مثلا). فلا يمكن و الحالة هذه أن ينفذ المدرس إلى عقل التلميذ إلا عبر قلبه فقط، و تلك هي الطريقة الوحيدة للتعليم و للتعلم . فلا يمكن للمتعلم أن يأتي إلى المدرسة وهو كاره للمدرسة و المدرس و الدراسة ، و لا يمكن للمدرس أن يحدث له نفس الشيء.فالعلاقة بين المدرس و المتعلم و المدرسة  ومحتوى التعلم علاقة جدلية و تفاعلية أساسها القبول.

و عالم المدرسة ليس فيه تصفية حسابات أو عداوة متمكنة تنتظر الفرصة المواتية لتفصح عن نفسها. و ليس في المدرسة منطق: تمسكن حتى تتمكن .وعالم   يزهق فيه الكذب و النفاق  و الاحتقار و الاستهزاء.و لا وجود فيه  لفخاخ و لا دهاليز  و لا جحور مظلمة.انه عالم الأخوة بين البشر جميعا و العدل و الحب و المساواة التي ناضل من أجل إرسائها  المثقفون و المفكرون  و الفلاسفة و المصلحون الاجتماعيون على مر العصور .

المدرسون مجاهدون وبناءون. فهم يحاربون الجهل و الأمية و الأخلاق الفاسدة و التفكير السطحي، و يواجهون مخاطر كبيرة وهم يتعاملون مع تلاميذ من بيئات وتربيات مختلفة، وبعض من هذه البيئات  يعتمد على العنف كطريقة في حل المشاكل .

المدرسون كالمزارعين في الحقل فهم يزرعون أخلاقا وطرقا في التعليم و التعلم و التفكير و العمل .. و يصبرون حتى  تظهر نتائجها  وان بعد سنين. فهي(النتائج) تنبت كحبات القمح.

أما السياسيون  و العسكريون فلا مكان لهم في عالم المثل و الصفاء و الصداقة. ولهذا السبب لا يصلح المدرس لممارسة السياسة و لا يصلح لفهم سلوك السياسيين.و اختلاف عالم السياسة و عالم  المدرسة بين واضح لا لبس فيه و لا لباس…

في الوقت الحاضر  يرجع الفضل في تأسيس قواعد  حقوق الإنسان في العالم المتحضر إلى المثقفين و الفلاسفة و المفكرين و المصلحين الاجتماعيين و الدينيين، و ليس إلى السياسيين و االعسكريين.أما عالم السياسة  فهو عالم  الحروب بكل أشكالها بما فيها التطهير العرقي و بلا وازع أخلاقي أو أزمة ضمير، و بلا محاسبة و بلا إحساس بالكآبة أو بالوسواس القهري. إن الحروب يأمر بها  السياسيون أولا و يخطط لها و ينفذها العسكريون الذين مهنتهم هي القتل و ليس شيئا آخر. و لذلك  فالعسكري مجرد من القلب ،مهنته القتل : إما أن يكون قاتلا أو مقتولا فلا اختيار عنده  بين الحياة و الموت.إنها قانون وجودي …فلا وجود لقيم الرحمة لأنها عنوان الضعفاء…

السياسيون  كالعسكريين شعارهم إما أن تكون قويا قاتلا أو تكون ضعيفا مقتولا، والسياسيون أيضا  يمارسون السياسة بدم بارد كالصقيع. و لهذا قيل أن السياسة لا قلب لها (هي تشبه العاهرة التي ليس لها حبيب بل تحسن تمثيل الحب على من يمنح أكثر ).

وقد  قيل أيضا أن القانون  و الذي يبحث فيه السياسيون ، مصدره العقل ولا قلب له.وليس فيه رحمة بين الناس . فهو مولود عقلي خالص. بينما الرحمة و الصدق و الإخاء و التعاون  هي مواليد  من القلب و العواطف الإنسانية: يعني أن تكون إنسانيا فبقلبك و ليس بعقلك.القلب هو مستودع العواطف النبيلة كما يقول الأدباء و الشعراء…

أخيرا و به أختم أقول عندما كنت متتبعا لتصريحات بعض السياسيين عندنا ، فالأحاديث القصيرة معهم تصنفهم في خانة الملائكة يبنون عالما ورديا  عندما يحلمون  طموحا أن يعطى لهم الحكم.و لكن في الأحاديث الطويلة  يظهرون حقيقتهم الشيطانية :كل هدفهم هو الوصول إلى الكراسي بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو ضياع رصيدهم من الأخلاق السامية إن كان لهم رصيد أصلا، بل هم  هم مجردون منها اق ساميةق و ليس في بنك الاموالته من الرسل(كاد المعلم ان يكون رسولا)و البالتلفة في الزمان و المكانانهم شياطين الاهم مجردون منه . و في سبيل ذلك فلا حرج  أن يكذبوا  إذا حدثوا، و يعدوا فيخلفوا، و يؤتمنون فيخونوا ، أمام الناس  فلا حرج ،و على أنفسهم فلا حرج أيضا ….

المدرس لا يحدث بالكذب و لا  يخلف وعده و لا يخون الأمانة: أمانة  قول الحق  و العدل بين المتعلمين وإيصال العلم النافع ، وأمانة التعامل بصدق  في عمله  والخوف من المولى  في تعامله مع المتعلم و الحرص على مساعدة المتعثرين… وأساس كل هذا، التضحية في سبيل أن يكون ما يدرسه له نفع ونتيجة على الفكر و السلوك…فكيف يدعو إلى الإصلاح من كان مفسدا؟

لهذه الأسباب يجب أن يبتعد المدرسون عن عالم السياسة الملغم  وعن السياسيين المثلجين و المنافقين. وعندما يمارس المدرس السياسة يصبح من المدلسين مثلهم  لأنه يبتعد عن الفضيلة و الصدق و الاستقامة و النزاهة و الموضوعية و رؤية الحق حقا ويتبعه و الباطل باطلا فيتجنبه. تلك هي أسس المدرسة فهي محراب التعبد و الصفاء و النقاء…وهذه هي أرصدة المدرس الحقيقي الذي يقترب في مهمته من الرسل(كاد المعلم أن يكون رسولا). وهي أرصدة  في بنك الأخلاق و ليس في بنك الأموال و الأطيان .

 بهذا عالم السياسة  وعالم الدراسة و المدرسة عالمان متناقضان لا يجتمعان(و ينطبق عليهما قانون عدم التناقض الرياضي)فإذا حضرت الشياطين غابت الملائكة….عالم السياسة عالم الطرق الملتوية  و المنعرجات  و المنحدرات ،وهو طريق  محبوب للشياطين وجهنم  بلغة أهل الدين الحقيقيين .أما عالم أهل المدرسة  فسبيلهم مستقيم  لا منعرجات و لا دوائر ، سبيل يؤدي إلى الحق و الخير و العدل و المساواة و الأخوة …وهو طريق محبوب من  الله وملائكته وكتبه ورسله …

 

ص.نورالدين


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles