حاصر حصارك واعقل قلمك يا أخي و شل يدك و توكل


     2


انه لمن دواعي الخوف على أنفسنا و على المجتمع أن نسمع أن كاتبا روائيا و مبدعا يتعدى عليه بعض الناس من سموا أنفسهم ببعض الأعيان،و ذنبه أنه كتب مؤلفا أو بالأصح رواية تحكي عن أحداث وقعت بمنطقته في تاريخ معين.و اعتقد بعض القوم أنهم هم المعنيون بالكتابة و بتزوير وثائق.فلم يكتفوا بالتهجم عليه و إحداث جروح على رأسه كما يبدو من الصورة…..بل تعدى الأمر إلى عرضه على أنظار المحكمة الابتدائية التي أصدرت الحكم بالسجن شهرين موقوفة التنفيذ و غرامة مالية قدرها 2000 درهم و تعويض مالي آخر لفائدة المدعين قدره 20000 درهم.

و جاءت المعلومات من خلال ما  هو مثبت على صفحة الجريدة المذكورة  و جرائد أخرى تعرضت للنازلة .ومن خلال مقال بموقع وجدة البوابة  بقلم السيدة خديجة فتحي من الدار البيضاء تشاهد الوضعية الدموية وصورة الكاتب و الدماء تنهمر من حاجبيه و وجهه(الصورة).

وهذه الواقعة المؤسفة حقا تبين بجلاء إلى أي حد نحن بعيدون أن نحتفل بميلاد كاتب و أديب، كما كانت تفعل القبائل  العربية في العصر الجاهلي عندما تعرف أن شاعرا  ظهر في أبنائها وسيكون الناطق الرسمي باسمها.وهي قبائل بدوية بعيدة عن الحضارة و الديمقراطية و حقوق الإنسان و التطور و التقدم. وكم نحن بعيدون أن نشجع الإبداع الأدبي أو العلمي أو أي ميدان آخر يعطي للبلد قيمة مضافة.بل إن  أي شخص أصبح يخاف على حياته من محاكم التفتيش الاجتماعية  التي لا تخضع لسلطة الدولة و تقيم محاكمها بنفسها بعيدة عن دولة الحق و القانون و كأننا في دولة فوق دولة أخرى…

1.    و نستغرب نحن أهل هذا الوطن الذي يتسع للجميع ومن مشارب مختلفة في كل شيء ،كيف لا يقبل بعضنا بعضا؟ و كيف تصدر الأحكام ليس من المحاكم الرسمية بل من المحاكم الارتجالية لفئة من الناس نصبوا أنفسهم أوصياء على كل أبناء المجتمع؟و كيف ينال المشعوذون قبولا في المجتمع؟ و كذلك المغنون  في مواضيع ساقطة أو تافهة و الراقصون و التافهون لهم مكانتهم المصونة؟ و الغشاشون و الفاسدون المتملقون و المرتشون و شاهد الزور و الوسطاء في الدعارة و استغلال الأطفال لهم قيمتهم الاعتبارية….بينما لا نقبل كاتبا مبدعا يساهم في تنمية الثقافة و إعلاء الحس القرائي،و الدفع بالمجتمع إلى مصاف المجتمعات التي تحترم الإبداع. ومن يدري قد تكون هذه الرواية فاتحة خير على صاحبها فتنال جوائز عالمية كما حدث للكاتب  المصري المرموق نجيب محفوظ الذي كافأه المجتمع  الدولي والعالمي بجائزة نوبل للآداب عن روايته (أولاد حارتنا)..و و كافأه بعض من المجتمع المصري بمحاولة اغتياله،تلك القضية  التي جعلت حياة الأديب المصري الكبير بين فكي عفريت  وهويتعرض للتصفية الجسدية من طرف محاكم التفتيش الظلامية المتعصبة  في بلده ، ومن جماعة  هي من تحاكم المفكرين و أصحاب القلم  و تحاسبهم على ما يكتبونه، تحت مبرر تهمة  ازدراء الأديان. وكذلك الأمر صار مع الكاتب المصري و الصحفي و المفكر المعروف   (فرج فودة) ، الذي  تعرض للتصفية الجسدية،  و نصر حامد أبو زيد الذي توبع هو الآخر و هدد بالتصفية الجسدية لولا هجرته المبكرة إلى ديار الغربة (هولاندا) التي بقي فيها إلى أن وافته المنية…و دائما كانت الأفكار هي التي تحاكم و كذلك الفكر… و نتذكر جميعا ما حدث للأديب طه حسين  في وقت سابق من خلال كتابه (في الشعر الجاهلي) مع فقهاء الأزهر،و كذلك المفكر السوري (صادق جلال العظم) مع كتابه (نقد الفكر الديني)، بدون نسيان الدارس للفكر العربي و الإسلامي صاحب الكتاب الموسوعة (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية) للدكتور حسين مروة  الذي تعرض للاغتيال و التصفية الجسدية رغم كبر سنه ،و ربما كان يحدث نفس المصير للمفكر المغربي المعروف الدكتور عابد الجابري الذي اتهم  بالمروق  و الخروج عن العقيدة الدينية هو الآخر.هذه نماذج فقط تشهد أننا لسنا أهل فكر و لا محاجة و لا إقناع و لا حوار و لا مفاوضات،بل نحن أهل سيف ومقصلة تقطع الأعناق التي حان قطافها…

إن من واجب الدولة حماية هذه الكنوز الفكرية(مثقفيها) لا أن تساهم في إقبارهم وهم أحياء يرزقون بالسجن و الذعائر، و الحكم عليه  بالتعويضات لأناس نالوا من الكاتب  قصاصهم ما نالوا، بينما  لم تنل منهم المحكمة  وهم المتعدون على حرمة إنسان كل تهمته أنه ألف كتابا في الرواية الواقعية… إنها رواية  تطعم المكتبات و تغني الساحة الفكرية، وهي التي تبوئ المجتمع مراتب بين الأمم الراقية و المنتجة للثقافة، و ليست قيمة المجتمع يصنعها أهل الغناء السطحي و التافه،فليس  هم من يجلبون للوطن القيم الفكرية العالية و الغالية  و السمعة الطيبة أيضا…

فهل فعلت فرنسا مع كاتبها (إميل زولا) نفس الشيء عندما عرى على الواقع الفرنسي في تلك الفترة التي ألف فيها رواياته، وأمثال (إميل زولا)و (سيمون دو بوفوار) و(جون بول سارتر) و (ألبير كامو) … وغيرهم … و  هناك الآلاف .

 

 

صايم نورالدين


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

2 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. Lecteur
     

    لا مجال هنا للمقارنة فمقارنة حرية التعبير و حرية الفكرة و الفكر و التفكير في فرنسا مع الدول العربية إهانة لدولة الأنوار العريقة بل و كأنك تقارن (الضو مع الظلمة). تحياتي للأستاذ صايم.

     
  2. ص نورالدين
     

    شكرا لمن نعت نفسه بالقارئ على الملاحظة .الملاحظة في محلها.نسيت ان كتابا في العهد العباسي قطعت اطرافهم وهم احياء يرزقون(ابن المقفع مثلا) و اتهم ابن رشد بالزندقة واحرقت كتبه. ونحن في حاجة الى مؤرخ ومدون يحصي لنا شهداء الفكرة و الكلمة.اكرر شكري لك و لهذا المنبر

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles