الأمن الذي يريده الإسلام…


     1


د. عبد القادر بطار

يقول الله تعالى في كتابه العزيز﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ سورة النحل: 112 ويقول أيضا: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ سورة الأنعام:82

من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على عباده، نعمة الأمن والأمان، ومن مادة الأمن اشتق الإيمان، الذي هو أعظم ركن في الإسلام، ومن أسماء الله الحسنى: الـمؤمن، قال تعالى:” ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون﴾الحشر: 23

واسم المؤمن يرجع حسب اشتقاقه اللغوي إلى معنيين: الأول التصديق، ضد التكذيب، والثاني الأمان، ضد الخوف. فإذا فسرنا الإيمان بالتصديق، فالله سبحانه وتعالى مؤمن، أي مصدق لنفسه، كقوله عز وجل ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ آل عمران: 18 ومصدق لرسله عليهم أفضل الصلاة والسلام، وذلك بإظهار الـمعجزات الدالة على صدقهم على أيديهم، وهو سبحانه وتعالى مصدق لعباده المؤمنين ما وعدهم. أما إذا حملنا اسم: الـمؤمن على الأمن، بمعنى إزالة الخوف، فالله سبحانه وتعالى مؤمن، أي جعل عباده آمنين من المكروهات، وهذا الوصف يصدق على أحوال الدنيا وعلى أحوال الآخرة كذلك. والمؤمن الحق هو الذي ذاق طعم الإيمان، ويسمو بشعوره وينعم بالسعادة والطمأنينة والأمان في الدنيا والآخرة.

يقول الإمام الغزالي في كتابه ” المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى عن اسم المؤمن: “هو الذي يعزى إليه الأمن والأمان فإفادته أسبابه، وسده طرق المخاوف، والمؤمن المطلق الذي لا يتصور أمن وأمان إلا ويكون مستفادا من جهته وهو الله تعالى … فلا أمن في العالم إلا وهو مستفاد بأسباب هو منفرد بخلقها والهداية إلى استعمالها.”

 أجل، إن أعظم أنعمة أنعم الله بها على عباده عد نعمة الإيمان والإسلام: نعمة الأمن والأمان، وهذه النعمة العظيمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها، وذاق مرارة فقدانها. إن ما يجرى اليوم في بعض البلدان الإسلامية من قتل وترويع للمسلمين على يد شرذمة ممن لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، حيث اختارت هذه الشرذمة الشر طريقا لها، والفتنة منهاجا لحياتها، وجعلت القتل شريعة لها وشوهت الصورة المشرقة للإسلام، وأحلت الخوفَ والرعب في نفوس الناس محل الأمن والإيمان… لدليل قاطع على أن هؤلاء الفتانين هم من علامات الساعة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة.

جاء في الحديث الصحيح قوله الله صلى الله عليه وسلم: “هلاك أمتي على يد أغَيْلَمة سفهاء” صحيح البخاري كتاب الفتن.

إن مجرد حمل السلاح في وجه المسلم حتى ولو كان على سبيل الـمُزاح لا يجوز، بل يعد ذلك جريمة نكراء، في الشريعة الإسلامية الغراء. جاء في الحديث الصحيح:” من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه”.

وفي هذا الحديث النبوي الشريف التأكيد على حرمة المسلم، والنهيُ الشديدُ عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه، سواء كان هذا هزلا ولعبا، أم لا، لأن ترويع المسلم حرام في جميع الأحوال، ولعن الملائكة له يدل على أنه حرام.

جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا” وورد في الحدث الصحيح أيضا:” من سل علينا السيف فليس منا.”

ومن مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها تحقيق الأمن الذي هو أساس سعادة المسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا”

ومعنى هذا الحديث أن الذي يصبح آمنا في سربه، أي في أهله وعياله، وقيل: في مسكنه وطريقه، وقيل: في بيته، فهو آمن من أن يعترض طريقه أحد بسوء، أو يسرق بيته، أو يعتدي على عرضه.

ومن أولويات السياسات العمومية في عالمنا المعاصر أن الدول تهتم اهتماما كبيرا وأكثر من أي وقت مضى بأنماط من الأمن التي أشار إليها الحديث النبوي الشريف، فهناك الأمن الروحي، والأمن الغذائي والأمن الصحي والأمن الاجتماعي…

وقد تردد لفظ الأمن في القرآن في حوالي سبعة وعشرين موضعا، وهو يرجع إلى ثلاثة معان: الأمانة ضد الخيانة، والأمن المقابل للخوف، والمكان الآمن. كما ربط القرآن الكريم بين العبادة والعيش الكريم والأمن بمفهومه الواسع، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ سورة قريش:4 فلا عبادة ولا عيش كريم في ظل الخوف، فحيثما توفر الأمن توفر العيش الكريم، وحيثما فقد الأمن فقد العيش الكريم.

إن الإسلام برئ كل البراءة من أي سلوك يستهدف ترويع الناس وإخافتهم وإرهابهم بشتى الطرق، ولذلكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق،: «فليس منا» أي: ليس على طريقتنا، أو ليس على نهج الإسلام، لأن الإسلام يعتبر الاعتداء على الأنفس الآمنة من الجرائم النكراء، وهذا أمر مقرر في جميع الشرائع السماوية، قال تعالى﴿منْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ سورة المائدة:23

إن الحق في الحياة العزيزة  الكريمة في الإسلام حق مقدس، لا يجوز الاعتداء عليه بأي شكل من أشكال الاعتداء، فيجب على ولي الأمر حماية هذا الحق من كل اعتداء، وسواء كان الـمُعْتدَى عليه مسلما أم غير مسلم. ومن  مقتضيات الحق في الحياة، أن حمى الإسلام حرية الفكر والرأي، وحريةَ العمل، وحريةَ الإقامة،  كما أن المسلم الحق في ميزان الإسلام هو الذي يسعى بجميع الوسائل إلى إحياء النفوس وإسعادها، فيساهم مثلا في حمالات التبرع بالدم ويساعد المرضى والمحتاجين، لقوله صلى الله عليه وسلم : ” الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ ، فَأَحَبُّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ” وقوله صلى اله عيه وسلم أيضا: “خير الناس أنفعهم للناس” والمسلم إن  هو فرط في شيء من ذلك فقد عرض نفسه للهلاك.

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم “اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي” رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم.

لقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع الإسلامي على مبادئ سامية أساسها العدل والأمن والسلام، وهذه المبادئ هي التي تضمنتها الوثيقة النبوية التي كتبها رسول الله صلى الله عليه بعد هجرته إلى المدينة المنورة، ومن بين المبادئ الكونية التي تضمنتها تلك الوثيقة التاريخية الخالدة:

  • وحدة الأمة من غير تفرقة بينها.
  • تساوي أبناء الأمة في الحقوق والكرامة.
  • حماية من أراد العيش مع المسلمين من غير المسلمين، مسالما متعاونا، والامتناع عن ظلمهم والبغي عليهم.
  • لغير المسلمين أموالهم لا يجبرون على دين الإسلام ولا تؤخذ منهم أموالهم.
  • لا يؤخذ إنسان بذنب غيره.
  • حرية الانتقال داخل الدولة.
  • لا حماية لآثم ولا ظالم.

وهذه المبادئ العامة تحقق في نهاية المطاف أمورا كثيرة منها: تحقيق الأمن والسلامة للجميع، فضلا عن شمولية الأمن لغير المسلمين، وأساس  ذلك كله هو العدل، قال تعالى﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ المائدة:8

الدكتور عبد القادر بـطار


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

1 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. قارئ ملتزم بوجدة سيتي
     

    ما رأيك أيها الشيخ الجليل في الحكومات الخليجية (السعودية على الخصوص) التي تقطع الرؤوس علنا و جهارا امام الناس،و تجلد الناس لاتفه الاسباب. الا يجب من هذا المنطلق ان يعيد الناس النظر في الاسلام كدين بعد ان تشوه في عهد الامويين و العباسيين و من اتى بعدهمزو جعلوا الدين في خدمة السلطان حتى لو كان جائرا خدمة للاية اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم ( بدون معرفة من هو الحاكم الذي تجب طاعته و ما هي اوصافه من حيث التقوى و العدل و الصلاح ت

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles