Home»Correspondants»مراكز المساعدة الاجتماعية الذات ومركزية تقدير

مراكز المساعدة الاجتماعية الذات ومركزية تقدير

0
Shares
PinterestGoogle+

أحمد الجبلي

إن من أعظم التحديات التي تواجه المساعدين الاجتماعيين تكمن في كيفية جعل طفل ما أو امرأة ما، في وضعية صعبة ، تسترجع تقديرها لذاتها. ومهما كانت التدخلات من طرف المساعد الاجتماعي، و حتى لو كانت المؤسسة الإيوائية التي تأوي هذا الطفل الذي يعاني من مشكلات سلوكية واضطرابات نفسية، أو تأوي امرأة تعرضت للعنف أو الاغتصاب، أشبه بنزل من فئة خمسة نجوم، . فإن جميع التدخلات لن تؤتي أكلها إن لم تؤدي في أول المقام بهذا الإنسان إلى تقبل ذاته.

لأن الإنسان الذي لا يقبل ذاته سيضل تائها في هذه الحياة دون هوية ولن يتوقع منه أن يكون فاعلا أو مسؤولا أو منتجا، وسيظل دائما يبعث رسائل سلبية لنفسه تؤدي به إلى مزيد من الإحباط والانهزام النفسي والخوف من مواجهة الآخرين أو التواصل معهم.

إننا عندما نقرأ كتاب ”القوانين العشر من أجل إنسان أفضل” للدكتورة كاترين شيرا سكوت المساعدة الاجتماعية والمتخصصة في معالجة الأزمات النفسية العائلية، نجد أنها قد وضعت على قائمة هذه القوانين العشر، التي من خلالها يصير الإنسان ناجحا سعيدا ومتميزا في حياته، قانون « تقبل الذات ». والدكتور روبيرت أنطوني صاحب التحفة الشهيرة في تغيير الذات والتي سماها ب « الأسرار الكاملة للثقة التامة في النفس » ظل يعالج البشر طيلة أربعين سنة من حيث اعتقاداتهم ومناهج تواصلهم وتعاملهم، فوصل إلى نقطة أساس هي أن تقبل الذات لا يعد مسألة جعل النفس سعيدة وبعيدة عن الأزمات، بل هو الأساس الذي تبنى عليه الحياة كلها. وقد قام بتقسيم هذا التقبل للذات إلى قسمين إذ يقول:

فهو إما تقدير متدني سلبي للذات أو تقدير إيجابي لها. فإذا كان من أهم العوامل المساعدة على الاندماج في المجتمع والتفاعل معه الثقة بالنفس، فإن من أهم عوامل الثقة في النفس تقدير الإنسان لذاته ومعرفة أهميته الشخصية، والإنسان لن يكون أفضل من القدر الذي يحمله من التقدير لذاته. فالتقدير الإيجابي الذي يتحدث عنه روبيرت أنطوني وآخرون، كوليام جيمس ونيك موركان ودايل كارنيجي وتوفيق الناصر، ولم يختلفوا حوله، ليس تضخيما للأنا، أو هو متجل في نرجسية مقيتة، أو هو حب للنفس بالمعنى الذاتي الذي ينم عن الغرور. إنما هو إدراك الإنسان بأنه شخص متفرد وذو قيمة، وأنه ليس بحاجة ليثير إعجاب الآخرين، فالإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله في مقدمة كتابه النفيس الأشباه والنظائر يسرد تنبيهات عن كتابته لهذا الكتاب توحي للقارئ بأن الرجل قد أصيب بنوع من الغرور وتفخيم الذات وأنه من طينة خاصة، ولا يمكن لأحد أن يكتب أو يؤلف مثل مؤلفه هذا، وهو الذي قال عن نفسه: “رزقت التبحر فى سبعة علوم:التفسير والدين والفقه والنحو والمعانى والبيان والبديع” في حين فالإمام السيوطي أبعد بكثير من أن يكون بالصفات التي تم ذكرها..فهو الرجل الصالح الورع العالم المتواضع الذي قدم للأمة أزيد من 538 مؤلفا، ولقيمته عند الناس كانت جنازته يوما مشهودا رهيبا..ولو كان مغرورا وأنانيا أو متعاليا لما مشى أحد في جنازته ولا بقيت له ذكرى ليومنا هذا. وكثير من الجهال لم يحسنوا التعامل مع قول يوسف عليه السلام: ( قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) إن الأنبياء والرسل لو لم يتقبلوا ذواتهم على أنهم أنبياء فكيف لهم أن يقوموا بتبليغ الرسالة على أحسن وجه، فمن خلال التقدير الذاتي لشخصياتهم كأنبياء والإيمان بما هم عليه ترفعوا عن كل ما يجعل النفس في خنوع وخضوع وضعف، ولم يخضعوا لأي سلطة سواء كانت مالية أو معنوية أو دينية وثنية. ولذلك فما يصدر عن بعض الناس من تفاخر وغرور واستعلاء أو خضوع واستسلام أو انغلاق وتقوقع على الذات

فهو في حقيقته ينم عن انعدام وجود تقدير للذات. فتقبل الذات وتقديرها هو الذي يجعل الإنسان بعيدا عن الأزمات النفسية والعصبية، وبعيدا عن فكرة الانتحار والانهزام في مقارعة الخطوب والنوازل، كما يجعله بعيدا عن العزلة واجتناب الناس والنأي عنهم في زوايا مظلمة. كما أنه هو من يجعل الإنسان يرضى عن الله تعالى ويرضى بما قسمه الله له، فيقبل بأنه هو فلان الذي خلقه الله كما أراد لحكمة أرادها هو سبحانه أو لابتلاء ما، أو أنها المرأة التي تعرضت لامتحان حياتي عسير ففشلت في زواجها أو تعرضت لعنف جسدي قاس، مثلا.

إن التعامل مع المجتمع والإندماج فيه من جديد يتأسس ابتداء على استرجاع الشعور بهذه الذات لأن التعامل مع الآخرين والتواصل معهم من موقع تقدير الذات هو عامل أساس لتقدير ذوات الآخرين والاعتراف بوجودهم واحترام ما ينتج عنهم من أفكار ورغبات وطموح وأحلام. فالذات في حقيقتها هي الصورة الواقعية التي تعكس ما نراه في الآخرين وما نراه في الحياة عموما. وتتضح أكثر أهمية استحضار تقدير الذات في منضومة التربية والمساعدة الاجتماعية عندما يتعلق الأمر بعلاقة الأبناء بالآباء أو المربين، وغالبا ما تتخذ هذه العلاقة نموذجا واضحا عندما ينعدم تقدير الذات لدى الوالدين أو المربين في تعاملهم مع أبنائهم أو المستهدفين بالتربية. وهنا لابد أن نشير إلى أن تمة فرقا مهما بين الذات والسلوك الصادر عنها..وإذا علمنا هذا سنعلم أن لا مجال للوقوع في مطبة المقارنة بين ذات وذات وإنما بين سلوك وسلوك..كما سيكون من الحكمة بمكان أن ننتقد السلوك وألا ننتقد الذات. فتقدير الذات المتدني أو السلبي ينمو ويتطور من خلال التعرض للاستخفاف والتقليل من شأن الطفل أو الخاضع للرعاية الاجتماعية عن طريق المقارنة. فعندما يقوم الآباء أو المربون أو المساعدون الاجتماعيون بمقارنة أحد الأطفال بطفل آخر فإن شعور الطفل بالدونية والنقص وعدم القيمة سيتضاعف..وبالتالي ينمي فيه الشعور بالتدني في الذات أو عدم تقبلها. ومن خلال هذا الشعور

سيستمر الطفل في رؤية نفسه في مرآة الأطفال الآخرين مما يجعله يشعر بالإعجاب بهم..فيظن بأنهم يملكون ما لا يملكه من قوة وشجاعة وقدرة وثقة فتترسخ الدونية فيه وتتمكن. لو أن الآباء أو المرشدين الاجتماعيين لجؤوا إلى بلورة النقد، إن كان لابد منه، بعبارات مشجعة ومن شأنها أن تعزل السلوك عن الذات، مثل قولهم « أنت أذكى بكثير من أن تقع في هذا… » أو  » هذا الفعل لا يفعله الأذكياء مثلك » وهنا نحن فصلنا بين الذات والسلوك، فقمنا بتقبيح السلوك وبتزكية الذات وتقديرها، وهو أسلوب من شأنه أن يحول دون البرمجة السلبية للطفل كما أن من شأنه أن يجعله يتقبل ذاته بأنه أقوى وأذكى، ومن القوة والذكاء حسن الاستفادة من الخطأ الذي تم التنبيه عليه من طرف الآباء أو المربين أو المساعدين الاجتماعيين بطريقة تزكي فيه النظرة الإيجابية لذاته..فإذا كان هذا النمط مطلوبا في التعاطي مع الأطفال الأسوياء الذين يعيشون وسط أسرهم وقد أحيطوا بكامل العطف والرعاية، فمن المؤكد أن التعاطي مع الأطفال في المؤسسات الإيوائية بهذا الأسلوب، يكون أدعى وأقوى نظرا للوضعية الصعبة التي تفرض على المساعدين الاجتماعين انتقاء أساليب خاصة لكونهم يتعاملون مع أناس من ذوي الاحتياجات الخاصة. دون نسيان ما للجانب الديني في حياة الفرد من دور أساس في بعث التوازن المعنوي في الذات وتقبلها كما يقول توفيق الناصر في كتابه الخداع الذاتي ومفترق الطرق. فالإنسان عندما لا يقبل ذاته يصير الشك منهاج حياته والوساوس هي الهواء الذي يعكر صفو تفاعله واحتكاكه وتواصله مع الآخرين..

إن الإنسان، عموما، عندما لا يقبل ذاته، كما هي، يصبح شديد الحساسية تجاه رفض الآخرين له..وسيعتبر كل صيحة عليه، وكل ريح تهب في اتجاهه، سيراها متآمرة أو همازة لمازة عليه. إن الإنسان عندما لا يقبل ذاته فإنه يقوم بذبح كل قدراته هدرا ويكرس الضعف الساكن فيه ليبقى ضربة لازب لصيقة به..عندما لا يقبل ذاته، سيظل طول حياته يستجدي الحب الضائع الذي يتصيده عند الآخرين. عندما لا يقبل ذاته،

فإنه سيقضي حياته في ردود أفعال تفرغه من طاقاته فيبتعد أكثر عن أفضل ما لديه. عندما لا يقبل ذاته، سيعيش أبدا وحيدا معزولا وسيشعر بأن وجوده مع الآخرين لا طائل من ورائه. عندما لا يقبل ذاته، سيعيش على بقايا الأحلام الجميلة في ماضيه ويفوت أجمل الفرص ليعيش طعم اللحظة التي يعيشها في حاضره. عندما لا يقبل ذاته، يصير أعدى أعدائه ذاك الذي يراه في المرآة عندما يستيقظ كل صباح. عندما لا يقبل ذاته، فإنه لن يجد مكانا يسعه، أو زمنا يعيش فيه، أو مجتمعا يتفاعل معه فيؤثر فيه ويتأثر به.

إن تقبل الذات شيء مطلوب سواء عند الأسوياء أو عند غيرهم ممن يمتازون بخصوصيات محددة، لأن قبول الذات يعد أعظم شيء يمنحنا ما نريد وهو الوضع الوحيد الذي نستطيع من خلاله تحقيق أي شيء نريده.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *