أهازيج في عز القيظ

محمد شحلال

في مثل هذه الأيام من حلول الصيف التي تتزامن مع موسم الحصاد،
كنت ومجموعة من الزملاء المنحدرين من البادية،نتحلل من متاعب التحصيل الذي كان سبيلا اوحد للخلاص والانفلات من قساوة البادية،لننخرط في متاعب أخرى تعيدنا قسرا إلى ،،الأصل،، حيث نلبس جبة الفلاحين لتعود أصابعنا إلى خشونة نتقاسمها صاغرين مع الأهالي
. كنا نتوزع بين تيارين من الهواجس،وهكذا،كنا نتخيل زملاءنا من ابناء المدينة وهم يتهيأون لقضاء العطلة في الشواطىء والاسفار لنلتقي في الموسم الدراسي ونحن نغبط هؤلاء الزملاء على حصيلة الاستمتاع بأجواء العطلة،بينما لا نملك إلا رتابة لا تستحق الخوض في أسرارها.
كانت الأيام القلائل الاولى كافية لنتاقلم مع،،تمارا،، بكل أشكالها ومظاهرها حتى ليخيل إلينا وكأن علاقتنا بالدراسة قد انقطعت فجأة،وعلينا أن نروض النفوس على الاندماج في حياة متوارثة يصرفها أهالينا كما حكمت بذلك الاقدار التي كتبت لهم العيش في هذه الفضاءات التي يفرض فيها الواقع سلطته.
وبالرغم مما يرافق موسم الحصاد من متاعب،فإن الأمر لم يكن في الواقع شرا كله،ذلك أن الحصادين الذين يتحدون وهج الشمس،كانوا قد ابتدعوا اشكالا من المقاومة التي ترغم معاناة الحصاد على أن تتحول إلى متعة حقيقية تغري بالانخراط في صفوفهم من أجل الانتشاء بالأهازيج التي يبتكرها هؤلاء البسطاء من اجل التغلب على الملل وتجديد طاقة العمل، خاصة حين ترد بعض النساء بزغرودة التفاعل فيصيح الجميع مرددين عبارات الإعجاب ،فتشتد المنافسة، وتصبح السنابل تحت رحمة مناجل أكثر شراسة !
كانت أغاني الصيف مختلفة عما يسود في غيره من الفصول،حيث يرتجل الموهوبون من الرجال زجلا عفويا لا يخطىء طريقه الى القلب ،مما يجعل النساء يرددن مقاطع التفاعل المناسب.
كان بعض الأشخاص معروفين بجودة أصواتهم وابداعهم في الارتجال،لذلك كان العارفون بخبايا الحصاد يستدعون الحصادين المأجورين إدراكا منهم بأن وتيرة العمل ستكون متصاعدة بفضل المقاطع الغنائية الرائعة التي يبرع فيها الموهوبون من الحصادين .
كان الحصادون يصيخون السمع حين تنطلق حناجر المغنين البارعين،فيتابعون باهتمام حتى تستقر المعاني والمقاصد في اذهانهم،ثم يحفظونها لتغني ذاكرتهم،إلى درجة أن هناك شعرا مرتجلا يردده الناس منذ عقود بل ويذكرون مبدعيه بحسرة بعدما توقف الابتكار لتحقا.
.
وللامانة التاريخية،وبالرغم من اشتهار اشخاص عديدين على مستوى البلدة بابداعهم في الغناء،فإن أحسن المغنين خلال موسم الحصاد،هم الاشخاص المنحدرون من قبلية،،بني شبل،،المجاورة،ذلك ان هؤلاء،قد حباهم الله بحناجر استثنائية
وأصوات رخيمة لا تنافس ،
فعلت الصناعة فعلتها،ولم تستثن البوادي،حيث غزتها الالة،وتراجع دور البهائم والدواب خلال موسم الحرث،واختفى الحصادون تدريجيا بعدما حلت الات الحصاد محلهم،وتقلصت فترة،،تمارا،،،،الى ابعد الحدود،وكان من الطبيعي ان تختفي أهازيج الصيف في الحقول،وبذلك نفتقد كل ما كان يحول المشقة الى انتشاء، الى درجة أن العديد من وسائل العمل والانتاج التقليدية في البادية قد اختفت،بل ان لحظات التواصل المباشر خلال موسم الحصاد،قد اختفت بدورها وانتقلت الحقول من سنفونيات الحصادين الى هدير الات تعجل بطي صفحة تراث كامل لصالح شروط حياة جديدة تطبع جيلنا بكثير من الحنين الى حقبة لن تعود ابدا،ومع ذلك نسال الله أن تتوالى اعوام الخصب..



Aucun commentaire