مشاعر الحب عند ابن حزم


    


بقلم د. محمد بالدوان

bouddiouan76@gmail.com

اختلف العلماء والناس في مشروعية الحب، فمنهم من حصره في حب الله أو الحب في الله، ومنهم من تعدى إلى استدماج الحب الانساني الخالص. فهل يجوز لرجل و امرأة أن يتحابا ويبوحا بمشاعرهما قبل الزواج؟ أم أن ذلك محظور شرعا وينبغي صرف نوازع العشق إلى حب الله الخالص؟

يقول محقق رسائل ابن حزم أن رسالة “طوق الحمامة” جمعت “قدرا صالحا من شعر ابن حزم مما قاله حتى سن الخامسة والثلاثين ولعل قسما كبيرا منه سقط بفعل ناسخ النسخة التي وصلتنا”[1]، ثم يكتشف في هذا الشعر جانبا دقيقا يسميه (الجانب الباطني)، كان ابن حزم “يهرب إليه أحيانا من قسوة الظاهر وَحِدّته” [2].

كانت تلك قراءة إحسان عباس لجنوح ابن حزم إلى الباطن وهروبه من قسوة الظاهر، وهي قراءة فنية أدبية نفسية مقبولة من محقق مقتدر، ولا يمكنني ادعاء عدم استيعابه بعمق منهج ابن حزم. غير أنني أحبذ الانطلاق من التعبيرات الدينية والشرعية باعتبارها مُوَجهة لمنهج ابن حزم.

كان التزام عالمنا الظاهر (رغم قساوته) أولا للتمايز مع باقي الطوائف الغالية في التأويل كالشيعة والمعتزلة… وثانيا لإبطال القياس عند أهل السنة والجماعة، أما (هروبه إلى الباطن) ما كان ليحدث لو لم يدعه إلى ذلك باعث شرعي؛ بإيجاز: حيث يغيب النص يحضر عند ابن حزم الجانب العقلي والباطني والعاطفي.

اقرأوا ما أنشد بهذا الصدد:

متى جاء تحريم الهوى عن محمد
إذا لم أواقع محرما أتقي به
فلست أبالي في الهوى قول لائم
  وهل منعه في محكم الذكر الثابت
مجيئي يوم البعث والوجه باهت
سواء لعمري جاهر أو مخافت[3]

طالما لم يثبت تحريم للعشق والهوى، فإن ابن حزم يخضعهما للبحث والتجربة ويدعو إليهما بالسر والعلن ولا يبالي.

فتحدث وأنشد* عن الغرام، وعن علاماته، وما يعرض فيه بين العاشقين “قبل اشتعال نار الحب وتأجج حريقه(…) فإذا تمكن وأخذ مأخذه ترى الحديث سرارا، والإعراض عن كل من حضر إلا عن المحبوب جهارا”[4]

وتحدث عن آفاته ومنها الرقيب قائلا: “ومن آفات الحب الرقيب وإنه لحمى باطنة”.[5]

ويقحم المنهج التجريبي عارضا حادثة وقعت معه في هذا الباب لعاشقين “استحليا ما هما فيه من الخلوة، ولم يكن الموضع حِمى، فلم يلبثا أن طلع عليهما من كانا يستثقلانه” يقول: “فرآني فعلل إلي وأطال الجلوس معي، فلو رأيت الفتى المحب وقد تمازج الأسف البادي على وجهه مع الغضب لرأيت عجبا”.[6]

أثار الجزء الأول من المتن أعلاه مسألة خلوة الرجل بالمرأة ولم ينكر ابن حزم، وهو فقيه، هذا السلوك، فقلت ربما لكون “طوق الحمامة” كتاب أدب وليس كتاب فقه. فرجعت إلى كتابه الفقهي “المحلى” لأبحث عن طبيعة التصريح بخطبة امرأة في فترة العدة فوجدته يجيز للرجل التصريح لها “بما تفهم من أنه يريد نكاحها”[7]. كما وقفت على ذكره جواز النظر إلى المرأة قبل الزواج في قوله: “ومن أراد أن يتزوج امرأة حرة أو أمة فله أن ينظر منها متغفلا لها وغير متغفل إلى ما بطن وظهر”[8].

إضافة إلى أنه تطرق إلى حرمة خروج المرأة متبرجة وفي زينة، إذ ثبت عنده فيها نص، إلا أنه لم يذكر مسألة الخلوة، ولم يخصص لها مسألة كما خص الأحكام السالفة، ربما لأنه لم يصح عنده في الخلوة نص، لكنه ينبه إلى الانفلات الذي يمكن أن يحدث أثناءها. وسأعود إلى ذلك في مقالة قادمة للحديث عن الإضافات النوعية التي أراد ابن حزم ترسيخها في مجال العشق والغرام.

حين تقرأ تراث أمثال هؤلاء العظماء تدرك حقيقة مفادها أن ازدهار الحضارة الاسلامية لم يأت بفضل الفتوحات العسكرية، ولا بالرقي القيمي فقط، بل كان ازدهارا عمقه الصرامة العلمية والمنهجية والاقرار بالبعد الانسي في الحياة.

[1] – رسائل ابن حزم، تحقيق إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980.ج1، ص: 78.

[2] – المصدر السابق، ص: 79

[3] – المصدر السابق، ص: 98

* – لا تكاد تخلو صفحة من كتاب الطوق من أبيات شعرية.

[4] – رسائل ابن حزم، ج1، م س، ص: 103.

[5] – المصدر السابق، ص: 167.

[6] – المصدر السابق.

[7] – المحلى، تحقيق أحمد محمد شاكر، ج10، دار الفكر، (دون سنة)،ص: 35.

[8] – المصدر السابق، ص: 30-31.

د محمد بالدوان


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles