محاربة الفساد ،ولو بتأجيل الانتخابات


    


رمضان مصباح الإدريسي

في موضوع سابق قارب الفعل الانتخابي، اقترحت أن يتم التركيز ،أثناء عمليات التقييم،الرسمية والأكاديمية،المواكبة والبعدية ،على الجانب السياسي الديداكتيكي ،أكثر من الجانب الكمي المُعتمد في التأثيث  الحزبي للمؤسسات العمومية المعنية:(الجماعات الحضرية والقروية،الغرف المهنية،البرلمان بغرفتيه).

أسست اقتراحي على اعتبار الانتخابات ،كما تجري في الديمقراطيات الراسخة،مدرسة قائمة بذاتها؛أهم مخرجاتها ليس ،فقط، الاختبار الكمي لحضور الأحزاب المشاركة في المشهد السياسي الوطني ؛وإنما اختبار الحضور ألمواطني ،من حيث المشاركة ونوعيتها.

إن النصوص التشريعية المؤطرة للانتخابات ،واشتغال المؤسسات المكلفة بتنزيلها،تنتج مستوى معينا من الأداء الانتخابي ،لا يتجاوز التكميم وتعبئة الخانات،وترسيم النتائج.

تربية المواطن الناخب مستوى آخر ،يستدخل كل التراكمات الانتخابية التي عرفها المغرب الحديث.

المفروض أن تكون هذه التراكمات قد أنتجت – إلى انتخاباتنا هذه – معارج سياسية متوالية الارتقاء؛وليس مهاوي سحيقة مطردة الإزراء،بمختلف المحطات التي يُدعى فيها المواطن لاختيار ممثليه.

لو أثار رئيس دولة ،من الديمقراطيات الغربية ،موضوع النزاهة في الانتخابات ،وقرع أحزابا،أو أفرادا ،بدعوى النيل من  التنافس الشريف و البناء،لعُد خطابُه نشازا متخلفا،و غير ذي موضوع ؛لأن المواطن –وهو العمدة في البناء الديمقراطي-  بلغ درجة من  السمو الانتخابي تعصمه من النقائص الانتخابية ،صغرت أم كبرت ؛ولا يمكن أن يُتوقع منه السكوت عن الفساد ،ولو صدر من هيئته السياسية ومرشحه.

ملك البلاد يصوت بعدم الرضا :

كل من عرف كيف يستمع إلى الخطاب الملكي ،بمناسبة عيد العرش(2016)،و عرف كيف يُعمل أدوات تحليل المضمون ،يخرج بنتيجة سياسة مرعبة:

 الملك يصوت بعدم الرضا على الأداء الحزبي،السياسي و الانتخابي.

هذا التصويت من جلالة الملك – وان كان لا يصوت – ثقيل الوقع على “خدام الوطن”، لأنه حمال مضامين  ،ومرسل إشارات ، في منتهى الخطورة،منها:

*بعد ستين عاما على استقلال البلاد ،لم تصل الأحزاب إلى مستوى الرشد السياسي.

*فساد التكوين السياسي للمواطن ،من فساد كل المدارس السياسية التي تردد عليها.

*العزوف السياسي ،والانتخابي ،لنسبة مهمة من المواطنين ،قائم على سند قوي ،ولا شِيةَ فيه.

*عدم الاطمئنان –إطلاقا- إلى إمكانية كسب رهان تسييس الشباب ،لبناء مواطنتهم؛والحال أن الأحزاب غير صادقة في الاهتمام بهذا الجانب الأساسي ،الذي يَرْسم ملامح مغرب المستقبل.

*عدم التعويل على الأحزاب في محاربة التطرف ،بتحريض الشباب على المشاركة السياسية ؛بل إغراؤهم بها.

*إعطاء المصداقية للخطاب الأصولي ألتيئيسي ؛الذي يُسطر مقدمات لتخريج مواطنين تكفيريين.

* تضرر مؤسسات الدولة جراء تصريحات حزبية،متهافتة، تُخرب المصالح العليا للبلاد،السياسية والتنموية.

*الاستغلال البشع واللامبرر ،واللامقبول مواطنيا ،للمؤسسة الملكية ،ولشخص الملك، في صراع انتخابي عقيم ؛استحق الإدانة ضمن متن خطاب العرش ،بكل وزنه التاريخي ،الذي يفهمه ،حق الفهم ،”خدام الوطن”.

*النيل ،ولو عن غير قصد،من الطرح المغربي ،المتعلق بصحرائنا، في المحافل الدولية.

*تقديم المبررات السياسية المنعشة للطرح الانفصالي.

من يَهُن يسهل الهوان عليه:

ما أصاب – عن حق- بعض الأحزاب ،التي اختزلت المشهد السياسي الوطني ، في كراسي حكم ؛هي أعز ما يطلب ،ولو بإقامة القيامة ،على حد التعبير الملكي؛ليس هينا .

انتظرت شخصيا أن أستمع إلى ردود فعل حزبية دفاعية ،وربما تبريرية لحالة التلبس السياسية  الافسادية التي ضبطها الملك في قمة اشتغالها الحزبي؛ كما ضبط المواطنون “خدام الدولة” وهم في ورش تشييد “ارم ذات العماد” بطريق زعير ،وليس باليمن السعيد.(يمن بلقيس).

وقبلها شطحات ذات النفايات ؛وكأنها وافدة علينا بذهب السودان القديم.

انتظرت ،ولم استمع إلا  الى وشوشات من صغار القوم،هنا وهناك ؛ترى أن المقصود بالتقريع ليس أنف الناقة ،بل ذنبها؛”ومن ذا يسوي الأنف بالذنب”؟.

على الأقل يملك قادتنا السياسيون فضيلة الرضى بواقع ،لا يرتفع.

هكذا وبعد عشرات المحطات الانتخابية ،القائمة على عشرات الدواوين السياسية الحماسية؛يجد ملك البلاد نفسه مضطرا –وفي خطاب العرش- لتقديم درس سياسي ل”النخبة” ؛وهي من مستوى مدرسة المشاغبين”.

وكأنها لم تستحي من  ركوبها على أصوات الناخبين ،في الجماعيات الأخيرة، لتنجز صفقات غريبة جعلت من صوت على زيد، عليه أن يرحب بعمرو رئيسا.

ألا يمكن تأجيل الانتخابات؟:

مادامت الأحزاب لم ترشد لها ؛ومادام المواطن لا يمكن أن يأتي فيها بأكثر مما يربى عليه.

ومادام المال يقع على الفقر-خصوصا في البوادي- موقع الحافر على الحافر؛بحيث يعجب منك المُعدم وأنت تحدثه عن العفة ،وليس عن القفة.ومن هنا “الهضرة ما تشري خضرة”.

وما دام خطاب العرش اختار أن يوثق وجود مستوى خطير من الفساد في البلاد.

وما دام سيل الفساد ،بشهادة الأحزاب المغربية الرقمية،وهي تشتغل خارج قانون الأحزاب ،وخارج المجاملات الكاذبة،بلغ – وفي ظل حكومة الدعوة- درجة ضجت منها حتى الفيلة في حديقة الحيوان ،فرفضت أن نتفرج عليها ؛وألقت علينا –كما المريخ – بأحجار.(ليس العيب في الفيل وانما في من مكنه من الحجر).

 ليس العيب في المواطن حينما يصرخ مغاضبا الفساد، وإنما في الفاسد الذي أخرجه إلى الشارع.

وما دام حزب الدعوة يهددنا بالقوة ،وقطع الرؤوس وتعليقها ؛إن نحن لم نقل فيه خيرا ،ولو زورا.

وما دام حتى شخص الملك ،المواطن والمحايد،غدا مزعوما لهذه الجهة أو تلك ؛وكأنها انتخابات يُساءَل فيها انتماء ،أو لا انتماء ،المؤسسة الملكية.

ومادام المواطنون بحاجة إلى فترة راحة ونقاهة ،من صخب رئيس الحكومة ،ليستردوا أنفاسهم المنهكة ،ويطهروا أسماعهم الملوثة ؛ ويكون أداؤهم الانتخابي في مستوى خلق الحدث الوطني الفارق؛الذي يجُبُّ ما قبله من اختيارات أهلكت البلاد والعباد.

حدث اختيار حكومة لا تستعين لا بالجنة ولا بالنار.لا بالملائكة ولا بالشياطين.

حدث اختيار رئيس حكومة مستحق للمغاربة ،في خريطة على مرمى حجر من الحداثة وأكاليل النهضة الأوروبية .

رئيس حكومة لا يطعن أحد في إقامة تمثال له ،أو تسمية شارع باسمه ،مستقبلا.

إن المغاربة أهل فضل ،ولا يمكن ألا يذكروا الفضل لأهله.

ألا يبدو من حسن السياسة تكليف حكومة تيكنوقراطية- من الصقورالحكماء -لمدة محددة ،تُهدئ الخواطر ،وتُحدث الرجة المطلوبة للقطع النهائي مع كل أشكال الفساد؛وفق ميثاق وطني،معلن، لاهوادة فيه.

أن نمضي كما نحن – بشهادة خطاب العرش- لننتج انتخابات كسابقاتها ؛وبمواطنين لم تسع الأحزاب لتأطيرهم ،التأطير الفعال والصادق ؛لأن فاقد الشيء لا يعطيه ؛لن يكون سوى كمن يمضي إلى معاودة حرب انهزم فيها ،بنفس أسلحة الهزيمة.

Sidizekri.blogvie.com

 

رمضان مصباح الإدريسي


 
 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles