القرآن الكريم في سياقه الحضاري *


    


الدكتور عبد القادر بطار

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعيين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الحمد لله القائل في محكم كتابه﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ الزمر: 23  ” وقوله عز وجل﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾  الإسراء:9 وقوله أيضا ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾  الإسراء: 83

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُهُ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ”   أي له أجر القراءة وأجر المشقة التي قد تحصل له لسبب من الأسباب.

 لا يخفى عليكم أيها الإخوة المؤمنون أن القرآن الكريم كلام الله تعالى، نزل باللغة العربية، وشاء الله تعالى أن يحفظه غير العرب من الأمازيغ والأعاجم وغيرهم، وأن يترجم إلى لغات الدنيا. والقرآن الكريم هو معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الباقية الخالدة، التي تحمل معها براهين دالة على صدق الرسالة المحمدية إلى يوم الدين.

والقرآن الكريم باعتباره دستور المسلمين، وعماد الدين، وهو أولا وقبل كل شيء كتاب هداية مصداقا لقوله عز وجل﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾  الشورى: 52 فقد اهتم اهتماما كبيرا بتنظيم شؤون الحياة في أدق تفاصيلها، تنظيما يشمل جميع مناحي الحياة: عقيدة وشريعة وأخلاقا … والقرآن الكريم بأحكامه العادلة، ومعانيه القيمة يسمو على القوانين الوضعية، إذ أحكامه تضمن للمؤمن السعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة، ومنهجه في تحقيق هذه المقاصد الشريفة الحكمة والبرهان كأسلوب للإقناع، والتربية والتعليم من أجل إرشاد الخلق إلى ما فيه سعادتهم معاشا ومعادا.

لقد اشتمل كتاب الله العزيز على حكم بالغة، وتشريعات عظيمة، تهم تنظيم علاقة الإنسان بخالقه عز وجل، وبالجماعة التي ينتمي إليها، وبعلاقته بمحيطه ومجتمعه، لتجعل منه مواطنا صالحا فاضلا لا يؤذي أحدا من خلق الله. بل ينفع الناس جميعا باعتبارهم عيال الله، لقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ” الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ ، فَأَحَبُّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ” وقوله صلى الله عليه وسلم أيضا: “خير الناس أنفعهم للناس.”

ومن بين الأحكام التي اشتمل عليها القرآن الكريم: العبادات: فقد أمر القرآن الكريم بالفرائض كلها، أمر بالصلاة، وأمر بالزكاة، وأمر بالحج، وأمر بالصيام، وأمر بالصدقات… والعبادات في الإسلام جاءت لتهذيب النفوس، وتوثيق العلائق الاجتماعية الفاضلة، انسجاما مع وظيفة الإنسان في هذه الحياة، ألا وهي عبادة الله عز وجل، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ الذاريات :56

كما اهتم القرآن الكريم بتنظيم المعاملات المالية العادلة المباحة، والأساس في الإباحة بالنسبة للمعاملات المالية أمران حض عليها القرآن الكريم في آية واحدة: أولها: منع أكل أموال الناس بالباطل، والثاني: التراضي، قال تعالى﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”﴾ النساء: 29

كما بين القرآن الكريم بشكل مفصل ودقيق أحكام الأسرة، وذلك لمكانتها في بناء المجتمع الصالح، فقد فصل القرآن الكريم أحكام الزواج وفصل أحكام الطلاق، واعتبر الزواج ميثاقا غليظا. وحمى الإسلام الأسرة في عرضها وعفتها وطهارتها ونسبها فشجع على الزواج ومنع من الاختلاط بين الرجال والنساء المفضي إلى فساد الأخلاق، وجعل لكل فرد من أفراد الأسرة دورا ينهض به، فالآباء والأمهات مهمتهم الرعاية والتربية الإسلامية، والأبناء عليهم السمع والطاعة وحفظ حقوق الآباء والأمهات على أساس من المحبة والتعظيم والتقدير، قال تعالى﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الإسراء:23

كما بين القرآن الكريم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في أي إطار كانت هذه العلاقة، سواء في نطاق دولة، أو جمعية، أو هيئة … وتقوم هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم على المبادئ الآتية:

العدل: وقد صرحت آيات كثيرة به منها قوله تعالى﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ النساء: 58  وقوله عز وجل:” ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ النساء:135

الشـــــــورى: وقد أمر القرآن الكريم بالشورى وترك ذلك لتقدير الناس حتى يسلكوا أحسن الوسائل وأقوم الطرق، التي تحقق المقصود على الوجه المطلوب، ذلك أن وسائل الشورى تختلف باختلاف الأعراف وباختلاف أحوال الناس وباختلاف العصور.

والمسلم الحق هو الذي يجمع بين الإيمان بالله عز وجل والرفق بالمؤمنين والأخذ بمبدأ الشورى ثم العزم والتوكل على الله سبحانه وتعالى، قال تعالى مخاطبا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ آل عمران: 259.

كما دعا القرآن الكريم إلى التعاون على البر والتقوى، وحث على الصلح بين المؤمنين، وبث روح المودة والتآخي بينهم وبث مع التآخي والمودة الرحمة والرفق، قال تعالى﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ  وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ المائدة:2 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:” اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي أمر أمتي فرفق بهم فارفق به”.

 معاملة غير المسلمين:

ومن أعظم الأمور التي تضمنها القرآن الكريم الاهتمام بتنظيم علاقة المسلمين مع غير المسلمين، معتبرا أن بني آدم جميعا يستحقون التكريم الإلهي مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم، إذْ كلهم من آدم عليه السلام، قال تعالى﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ الإسراء:70.

وغير المسلمين في القرآن الكريم ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ذميون ومعاهَدون:  وأهل الذمة هم المعاهَدون من النصارى واليهود ، ممَّن يُقيمون في البلدان الإسلامية، وسُمُّوا بذلك لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم، وهؤلاء يعاملون بمثل ما يعامل به المسلمون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وقد أمر القرآن الكريم المسلمين بالوفاء بالعهد، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ سورة المائدة:1 وقوله عز وجل: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا”﴾ الإسراء، الآية:34. وقوله عز وجل﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾  النحل:91

القسم الثاني: مُستأمَنون: وهم رعايا الدول غير الإسلامية الذين يقصدون البلدان الإسلامية بغرض التجارة أو السياحة أو غير ذلك، وهؤلاء يجب حمايتهم وضمان حقوقهم طيلة المدة التي يتواجدون فيها بالبلدان الإسلامية، ودماؤهم وأموالهم حرام. وسواء كانوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى أم من غيرهم .

القسم الثالث: غير المسلمين الذين ليسوا بمعاهدين وليسوا بمستأمنين، وهؤلاء تجب لهم حقوق كثيرة منها:

العدالة الاجتماعية: لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ النساء: 135

 وقوله تعالى ﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الممتحنة:8

وهذه الحقوق التي يتمتع بها غير المسلمين في ظل الدول الإسلامية والتي أقرها القرآن الكريم هي التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أحاديث كثيرة، فقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن استقر بالمدينة المنورة وثيقة خالدة تضمن بعض الحقوق الواجبة  لغير المسلمين، منها:

  • حماية من أراد العيش مع المسلمين من غير المسلمين، مسالما متعاونا، والامتناع عن ظلمهم والبغي عليهم.
  • لغير المسلمين أموالهم لا يجبرون على دين الإسلام ولا تؤخذ منهم أموالهم.
  • لا يؤخذ إنسان بذنب غيره.
  • حرية الانتقال داخل الدولة.
  • لا حماية لآثم ولا ظالم.

وهذه المبادئ العامة تحقق في نهاية المطاف أمرين اثنين: الأول: الأمن والسلامة للجميع، الثاني: شمولية الأمن لغير المسلمين.

وأساس  ذلك كله هو العدل، قال تعالى﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ المائدة:8

إن القرآن الكريم هو محور الحياة الإسلامية، ومنه انبثقت مختلف العلوم، وهو أساس تقدم الأمة الإسلامية وازدهارها، وأن الحضارة الإسلامية إنما نشأت وتطورت في أحضان القرآن الكريم، وأن إسهام المسلمين في تطوير الحضارات الإنسانية كان من منطلق قرأني، وأن استئناف الحياة الإسلامية اليوم رهين بعودة المسلمين إلى القرآن الكريم، للنظر في معانيه، والاستفادة من توجيهاته وأحكامه.

والحمد لله رب العالمين

*  خطبة الجمعة ألقيتها بالمركز الثقافي الإسلامي بكيبك بكندا بتاريخ 3 شوال 1437هـ الموافق لـ 8 يوليوز 2016.



 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles