قضايا وإشكالات تنزيل بيداغوجيا الإدماج


     5


عبد العزيز قريش
مفتش تربوي

معطى الانطلاق:
انطلاقا من إشرافي على مدرسة من مدارس تجريب بيداغوجيا الإدماج بنيابة تاونات وما حصلت من ملاحظات علمية ميدانية، واتصالا بزملائي المشرفين على مدارس التجريب الأخرى في إطار الاجتماعات التواصلية والتداولية مع خبير” المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب ” في مشاكل هذه البيداغوجيا ميدانيا. وانطلاقا كذلك من معطيات التكوين في بيداغوجيا الإدماج لهيئة التدريس وما يثيره من مشاكل وإشكالات مختلفة. تنبعث هذه الورقة ساعية إلى طرح بعض القضايا وصياغة مجموعة أسئلة إشكالية في وجه هذا المركز لأجل تقديم حلول و أجوبة عليها أو على الأقل إثارة حوار خبراء حولها تحت إشراف الخبير الدولي المعتمد لدى المركز كزافيي روجيرس  xavier Roegiers من أجل التطوير والتحبير.

وهذه القضايا تهم المبادئ والأسس والمنطلقات التي أسس عليها الطرح المغربي. وكذلك الإشكالات المرتبطة بالمفاهيم والمصطلحات التي تطرح التباسا في مستوى الفهم والتطبيق. وهي قضايا وإشكالات ومشاكل مطلوبة لذاتها من ناحية وظيفيتها في تصحيح وتطوير الطرح المغربي في هذه البيداغوجيا، ومن ناحية تجاوز طبيعتها المعوقة التي تحول دون تحقيق أصول بيداغوجيا الإدماج، ودون تحقيق نجاعة تصريفها في الفعل التعليمي داخل الفصل الدراسي، خاصة ونحن ذاهبون إلى تعميمها على مستوى الوطن الحبيب. ولا يجوز في اعتقادي التعميم قبل التنقيح والتعديل والتصحيح لأننا أخذنا بمبدأ التجريب أو بالسترجة التجريبية في بيداغوجيا الإدماج، حيث التجريب يسمح بالوقوف على الأخطاء والاختلالات في الطرح مقابل إتاحة الفرصة لتصحيحها ومعالجتها وتنقيح مداخلها لأجل نجاعة وجودة وفاعلية الطرح.

وهذا الشأن يطلب التحليل النقدي للنتائج المحصل عليها من التجريب. وقد أثبت تجريب بيداغوجيا الإدماج جملة من القضايا والمشاكل والإشكالات، يجب أن نقف منها بمنطق النقد لا بمنطق الانبهار. وأفضل وأحسن موقف نتبناه هنا الاستماع والتقبل ثم الدراسة والتحليل والمعالجة! فذلك سبيل توطين هذه البيداغوجيا في ثقافتنا التربوية والمهنية، وما أحوجنا إلى مراجعة هذه الثقافة ذات المكبح المشغل منذ الانطلاقة والبداية؟! وهو ما نعانيه في التكوين نتيجة الأحكام المسبقة والمواقف المبدئية تجاه هذه البيداغوجيا، والتي كثيرا ما تكون سلبية قائمة على كلام عام لا يرقى في شيء إلى الكلام العلمي المؤسس على الحجة والبينة العلمية! ونفتقد فيها إلى التفكير العقلاني التمحيصي، الذي لا يمكنه القبول بأي مقولة إلا بعد تناولها بالدرس والفحص والتحليل والمنطقة والعقلنة.  
بعض القضايا والإشكالات الواقعة في بيداغوجيا الإدماج حسب الطرح المغربي:
    ومنها على سبيل المثال:

أ ـ يدخل التدريس ببيداغوجيا الإدماج المتعلم في سياق تعليمي منسجم في سيرورته وآلياته وخطواته وأدواته، ومتكامل في محطاته. حيث لا يشعر المتعلم في إطاره بأي انتقال مفاجئ أو بأية قطيعة في زمنه أو حدثه أو منهجيته أو مضمونه. وهو ما يؤدي بالمتعلم إلى الثقة بالنفس من جهة أولى، ومن جهة ثانية إلى التحكم في منهجية الأداء التعلمي وأدواته وزمنه ومضمونه ومنتوجه. وبيداغوجيا الإدماج من خلال هذا المعطى النظري تحاول أن تتخذ في تصريف وتدبير وبناء التعلمات والأنشطة أو ما يصطلح عليه فيها بالموارد نهجا واضحا منسجما مع المقاربة بالكفايات. وهو نهج يعتمد على الوضعيات في تحقيق الكفايات تطبيقا لمبادئ المدخل النظري لهذه البيداغوجيا. التي تقول بالوضعية المشكل ـ الديداكتيكية، والتي تكون منطلق تعليم وبناء الموارد، والوضعية الإدماجية التي تكون منطلق التقويم. حيث ( في المقاربة بالكفايات، وخاصة في ما يتعلق بالتحويل أو الاستثمار، يحتل مفهوم ” الوضعية ” أو ” الوضعية ـ المشكلة ” مكانة مركزية في هندسة التكوين بصفة عامة،     نظرا لأن عدة التكوين أو المنهاج يستعمل، من البداية إلى النهاية، الوضعية كإطار أو وعاء لتعبئة المكتسبات، سواء كان ذلك في تعلم التحويل أو في تقويم القدرة عليه أو في تحديد أو تقويم درجة التحكم في الكفايات. يمكن القول بأن الوضعية إطار سياقي يجعل المتعلم يحس بأنه في وضع مألوف، غير أن هذا الإطار يضعه أمام عائق جديد ومركب. وهذا العائق، الذي يتم تصوره كمشكل يجب حله أو كمهمة يكلف إنجازها في كل مرة جهدا أكبر، يتطلب تعبئة انتقائية ومدمجة لموارد أو معارف تم اكتسبها في السابق. ويساهم تعدد الوضعيات التي تتميز بتصاعد وثيرة متطلباتها على المدى القريب في بناء معارف ومهارات جديدة، وعلى المدى المتوسط أو البعيد في التحكم التدريجي في الكفايات ).

وهنا؛ اقتناص المقام لأجل المقال شرط استغلال المناسبة لتوجيه الانتباه إلى أن الوضعية المشكل ـ الديداكتيكية التي تعتمد مدخلا للدرس المدرسي، هي بطبيعتها التكوينية والوظيفية مدخل إلى التعليم والتعلم وليست سيرورته، وتحفيز للمتعلم على التعاطي مع التعلمات الجديدة مع طرح مجموعة أسئلة عن الموارد الجديدة المطلوبة في حلها، لأنها تشكل عائقا للمتعلم. ولا تحمل في ذاتها تلك الشروحات والتفاصيل البنائية للموارد الجديدة، وإنما توجه إلى ضرورة اكتسابها والتمكن منها، وهي درجة أقل في مراقي بناء المعرفة، وتنحو في وظيفتها منحى الاستثارة السيكولوجية والتهييئ الفكري والتقبلي عند المتعلم أو ما يسمى بالدافعية التي تشكل أحد مكونات هذه الوضعية، ما يعبر عنه بـ ( انخراط التلميذ، المتعلق بحافزيته في اقتحام الوضعية ـ المسألة ). ولا تحمل كذلك بالضرورة التعلمات الجديدة المستهدفة بكل تفاصيلها وبنائها المعرفي والمنهجي والتطبيقي. وهنا؛ يطلب الموقف التعليمي وضعية جديدة مخالفة للوضعية السابقة أسميها الوضعية البنائية، وهي التي يتمكن من خلالها المتعلم من بناء واكتساب الموارد الجديدة وتخزينها ريثما يسترجعها ويستثمرها في وضعيات الإدماج. والوضعية البنائية هي التي أجدها توسم بـ ” الوضعيات ـ المسائل << الديداكتيكية >> ” عند كزافيي روجيرس نفسه، حيث ( هي الوضعيات التي يعدها المدرس لفائدة جماعة القسم، في سياق تعلم جديد: معرفة أو معارف جديدة، مهارة أو مهارات عملية جديدة ). وأعتبر غياب هذه الوضعية عن سيرورة الأداء الصفي ببيداغوجيا الإدماج وفق المقترح المغربي، وفي طرحها المنهجي هفوة في بنية هذه البيداغوجيا إن اعتمدت عليها فقط في مدخل الأداء الصفي دون سيرورته. حيث يجب استدراكها، والعمل على إنشاء وضعيات خاصة بالموارد الجديدة تستهدف تمكين المتعلم من هذه الأخيرة.

والوضعية التي تشكل سياقا تعليميا وتعلميا مألوفا للمتعلم على المستوى النظري، تغيب عن المقاربة الحاضنة التي تبناها الطرح المغربي للاشتغال بها في إرساء الموارد في المرحلة الانتقالية الحالية التي تعيشها المدرسة، والتي يمر منها كذلك المدخل الديداكتيكي للدرس المدرسي. وهو ما جلب الهدف التعليمي إلى هذه المقاربة بالاستفادة من بيداغوجيا الأهداف لتوطين الموارد الجديدة. وهذا الطرح من شأنه أن يخلق قطيعة منهجية وأدائية على الأقل إن لم نقل قطيعة على مستوى التفكير والمناولة الدماغية بالنسبة لسيرورة بناء الكفايات من خلال مرحلتي إرساء الموارد والإدماج! وقد أثبتت المعطيات الميدانية في مدارس التجريب وجود انتقال مفاجئ لدى المتعلم يربك تعاطيه مع الوضعية الإدماجية وينعكس سلبا على أدائه التعلمي عند تحليل الوضعية وحلها. وذلك ناتج عن وجود سياقين للتعليم والتعلم مختلفين تمام الاختلاف! سياق إرساء الموارد ويتم عبر الهدف التعلمي على اعتباره يشكل ممارسة قدرة على محتوى. وهو سياق يختلف عن سياق الوضعيات، وبالتالي تقدم الموارد بالطريقة العادية عمليا في القسم، ولا يتعاطى المتعلم في هذا السياق مع الوضعيات سواء أكانت ” مشكل ـ ديداكتيكية ” أو ” بنائية “. وإنما يتعاطى مع مادة مدرسية منفصلة في سياق تعليم تقليدي يرتكز على المحتوى دون القدرة، ما يطرح مشكل مألفة السياق لديه، وهو ما يركزه لديه البعد الزمني في الإرساء، الذي يتم عبر ستة أسابيع؛ يفقده مواجهة التركيب المؤثث في الوضعيات للتعاطي مع التحديات والصعوبات والإشكالات التي تبني المعرفة مقابل بناء القيم والمهارات والتركيم المتصل والتفاعلي للخبرة وللتجربة في تناول المركب. وسياق آخر هو سياق الإدماج سواء في شقه الأول: ” تعلم الإدماج ” أو في شقه الثاني ” تقويم الإدماج ” الذي يمتد على طول أسبوعين، وهو سياق يختلف عن الأول من حيث طبيعة وظيفته وغايته وأثره. فانتقال المتعلم من سياق يتعاطى فيه مع التعلمات خارج إطار الوضعيات إلى سياق يتعاطى فيه مع استثمار تلك التعلمات في الوضعيات يؤثر في مقاربة الوضعيات سلبا. وهو ما أكدته نتائج الأسبوع الثاني من الإدماج في المرحلة الأولى من السنة الدراسية 2009/2010 في مدارس التجريب. ما أدى بي إلى طرح تناول ينطلق من الكفاية الأساس في ارتباط بالكفاية المرحلية مرورا بالوضعيات المقررة لهذه الكفاية المرحلية، حيث يتم قراءة الوضعيات قراءة تحليلية استكشافية للموارد المطلوبة ومن تم بناؤها عند المتعلم في أسابيع الإرساء. وهكذا يخفف أثر الانتقال من سياق إلى آخر، والحد من درجة مفاجأة الانتقال. كما أطرح هنا سيناريو آخر للمناولة. حيث يمكن استغلال محطة تكوين هيئة التدريس على إنتاج وضعيات مكافئة في إقدارهم إبستيميا وتقنيا وعمليا ومهنيا على إنتاج وضعيات لإرساء الموارد في أسابيعها. والتخلي عن المقاربة الحاضنة المعمول بها، لكي نضع المتعلم في استمرارية سياق الوضعيات.

وقد يرد البعض هنا، بأن التنوع في السياق يؤدي إلى إغناء تجربة المتعلم وتمكينه من أكثر من سياق تعليمي يستفيد منها جميعا، وتتنوع عنده منهجيات التعلم. فالذهاب إلى هذا القول يهدم المدخل النظري لبيداغوجيا الإدماج ويسقط الترتيبات المنهجية المقررة فيها، وهو ما سيدخلها في التساؤل عن جدواها وعن تماسكها الإجرائي فضلا عن منتوجها الديداكتيكي عند الأستاذ ومنتوجها التعلمي عند المتعلم. ويسألها عن أهم خصائصها، وهي: السياقية والتركيب! ويمكن هنا صياغة أسئلة إشكالية من قبيل:
* أتقتضي المرحلة الانتقالية في المدخل المنهجي ضرورة وحتمية تجاوز المعطى النظري لأجل إرساء التغيير في الواقع التعليمي للدرس المدرسي؟ وما قيمة هذا الاقتضاء في الأخذ بالسترجة التجريبية؟
* ألا يعد الانتقال من سياق إلى سياق داخل الفعل التجريبي عاملا متغيرا مستقلا تتبعه عوامل تابعة؟ وبالتالي تؤثر في نتائج التجريب. وبذلك؛ ألا يعد مجازفة في السيرورة الديداكتيكية؟
* أيمكن الحديث عن بيداغوجيا الإدماج خارج الوضعيات؟ وإلى أي درجة يمكن الاشتغال على الكفايات خارج الوضعيات؟
* ما المسوغات النظرية والموضوعية المبررة لهذه المفارقة التي يشتغل بها الطرح المغربي لبيداغوجيا الإدماج؟  
* إلى أي حد يمكن للمتعلم استغلال الانتقال من سياق لآخر لصالحه؟ وما الصعوبات التي يطرحها هذا الانتقال عليه؟
* إلى أي حد تمثل بيداغوجيا الإدماج نمذجة لرفع الالتباس الديداكتيكي الحاصل في الدرس المدرسي تنزيلا للمقاربة بالكفايات؟ وبالتالي تجيب عن أسئلة التنزيل.

ب ـ قاعدة ثلاثة على ثلاثة في التقويم بدرجتين، الأولى للتحكم بالحد الأدنى باثنين على ثلاثة، والثانية للتحكم بالحد الأعلى بثلاثة على ثلاثة في المستويين العمودي والأفقي فضلا عن إضافة معيار الإتقان بدرجتين فقط هما الصفر أو الواحد وبلغة أخرى: التحكم في معيار الإتقان أو عدم التحكم فيه. ولن أذهب هنا إلى التفصيل فيما ورد عند كزافيي روجيرس ومناقشته، بل المطلوب هو مناقشة مبدأ أساسي في التقويم، وهو أن التقويم يكون عبر ثلاث وضعيات كاملة وليس عبر وضعية ذات ثلاث فرص أو أسئلة على الأصح؟! فالمتعلم الذي يتمكن من حل ثلاث وضعيات يكون قد تمكن من الكفاية بحد الإتقان لأن 1/3 هو للإتقان، و2/3 هو للتحكم الأدنى. في حين لم يقتصر الطرح المغربي على وضعية واحدة لنفي الصدفة عن حل المتعلم للوضعية. وهنا نكون أمام عائلة من الوضعيات المتكافئة التي تشتغل على نفس الكفاية. ولا نكون أمام وضعية واحدة تشتغل على كفاية واحدة من خلال ثلاث فرص عبارة عن أسئلة. وهو ما سيذهب بنا إلى مساءلة هذه القاعدة أو المبدأ الأساس في الاشتغال على الكفايات بمنطوق قول كزافيي: ( الوضعية المستهدفة ] وضعية إدماج [ هي وضعية ينبغي أن يكشف فيها التلميذ عن قدرته على تعبئة عدة موارد داخل وضعية. وإذا فككنا الوضعية بكيفية تجعل التلميذ يجيب عن أسئلة فرعية أو ينجز مجموعة من المهام الصغرى التي سبق استيعابها، فإننا نجانب ما كنا نسعى إليه )! حيث يذهب هذا المنطوق إلى عدم تجزيء الوضعية إلى أسئلة فرعية أو مهام صغرى. فماذا نقول عن ثلاث فرص التي ذيلت بها الوضعيات المقررة؟ فمثلا: الوضعية الأولى من كراسة المتعلم للمستوى الأول في مادة اللغة العربية الموسومة ب ” الهاتف “، ومضمونها يحتوي على رنين هاتف المنزل وإجابة البنت ” المتعلمة” عن الهاتف من خلال صورتين الأولى لشخص راشد يتحدث في الهاتف والثانية لبنت تجيب في الهاتف وتتصور مخاطبها. ومذيلة بتعليمة واحدة تنطلق من الصورتين، بها ثلاث فرص هي:
1 ـ قدمي التحية للرجل، واطلبي منه اسمه؛
2 ـ قولي له من أنتِ، واسأليه عما يريد؛
3 ـ أخبريه متى سيعود أبوك، وودعيه.

ألا تدخل هذه الفرص في تجزيء الوضعية؟ ألا تشكل أسئلة فرعية داخل مكالمة هاتفية وإدارتها؟ ألا يمكن أن تكون المهمة في هذه الوضعية هي إدارة مكالمة هاتفية، فتكون مشكلة بالنسبة للمتعلم/المتعلمة؟ ألا تعد هذه الأوامر فقط تطبيقات تكرر تعلمات سابقة كالتحية والاستفهام عن الاسم وموضوع الاتصال وكلمة الوداع؟ وما نوع الإدماج الذي سيقوم به المتعلم / المتعلمة هنا؟ إنها أوامر لا تشكل للمتعلم مشكلا في اعتقادي خاصة إذا تمرس في إرساء الموارد عليها! فهذه الوضعية ومثيلاتها لا تشكل وضعية مشكل أولا ولا وضعية إدماج ثانيا بالصيغة والشكل المطروحة بهما، لأن ( الوضعية/المشكل تفيد دائما عملية بنائية يقوم فيها المتعلم بالإدماج بين تعلمات مختلفة لحل مشكل معين، فإذا طلبت من تلميذ أن ينشئ جملا تتضمن النعت أو الحال، فإن هذه الوضعية تعتمد على تطبيق إجراءات فقط، ولا تمثل مشكلا بالنسبة للمتعلم ). هذه مجرد مجموعة أسئلة؛ إذا دققنا فيها تحيلنا على سؤال جوهري وكبير. ألا وهو: هل هذه الوضعية بشكلها ومضمونها وتفصيلها تعتبر وضعية؟ ألا يناقض الخبير الدولي نفسه حين يصادق على هذه الوضعيات؟ مجرد أسئلة أثيرها لأجل فتح حوار تربوي ومجتمعي غني ومتجدد ومتطور حول ما يسمى بالوضعيات الإدماجية المصادق عليها بحضور الخبير الدولي بغية المشاركة في بناء ما يهم أبناءنا.
    والعدول عن تبني ثلاث وضعيات إلى تبني ثلاث فرص في وضعية واحدة يحيلنا على جملة أسئلة مشروع طرحها، وضرورية مقاربتها، من قبيل: ما المسوغات الموضوعية والتقنية والمنهجية التي فرضت تبني وضعية واحدة ذات ثلاث فرص؟ وهل للمتعلم المغربي والأستاذ فيها نصيب؟ وهل للسياق التربوي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي دخل في هذا العدول؟ ألا تشكل هذه الوضعيات بصيغتها الشكلية نمطية تتعدى على بنية الوضعية ذاتها؟. يعمق السؤال عنها وفيها فعل الوصف، أكثر الأفعال ورودا وترددا في وضعيات اللغة العربية بالمستوى الأول! وهو تنميط ما بعده تنميط؛ يحجر على الفكر واللسان توظيف أساليب أخرى !

ج ـ سؤال جودة بيداغوجيا الإدماج يطرح بنفسه سؤالا آخر هو سؤال الخبرة. وهو سؤال يقول: متى يصبح الفاعل التربوي خبيرا؟ أيكفيه سويعات تكوينية ليصبح خبيرا؟ أم يلزمه الإلمام العميق بمجال خبرته فضلا زمنية طويلة ممتدة فيه تمده بالتجربة والخبرة وتعمق فعله في مجاله؟ أيكفي أن تكون مستقبلا لمجال الخبرة من خبير أو من خبراء في مجاله أم أن تكون ممارسا متمرسا فيه؟ أسئلة تجذر سؤال الخبرة في الطرح المغربي انطلاقا من الإشكاليات الواقع فيه، والتي يعبر ويفصح عنها واقع التكوين! فهل يمكن تجاوز محتوى كلمة ” خبير ” ؟ التي ( تعني تمكن الفرد وقدرته وإلمامه بالمكونات المعرفية النظرية منها أو التطبيقية، إذ بكلمة أخرى أن من يطلق عليه خبير يفترض استيعابه النظري، وشمولية معرفته، أو توافر المهارات اللازمة لإنجاز أمر من الأمور التي قد لا يستطيع عليها عموم الناس، أو لا يلمون بها ). فالخبير التربوي كل شخص له دراية ليست لغيره من الفاعلين التربويين. وهنا؛ فالخبير ببيداغوجيا الإدماج هو من له دراية واسعة بها نظريا وتطبيقيا تسعفه في إبداء الرأي في إشكالاتها وقضاياها، وتمكنه من إيجاد الحلول للمشاكل التي تعترض تطبيقها سواء ما تعلق بذاتها أو ما تعلق بخارجها.

د ـ مشكل التنقيط بالنسبة للتقويم عامة والتقويم الإشهادي خاصة. وهو ما يثير الكثير من الأسئلة، مثل: ماذا سيقدم الأستاذ لولي التلميذ كمؤشر على تقويمه؟ أيقدم له نقطة أم درجة إتقان المعايير؟ وما هو المعيار الرئيس والأساسي من بين المعايير الأربعة المعتمدة؟ أهي المعايير على قدر من المساواة أم هناك تفاوت بينها بناء على قيمتها في بناء التقويم؟ وما المعيار المعبر عن درجة نماء الكفاية أكثر من المعايير الباقية؟ وما القراءة الصحيحة لشبكة التصحيح: الأفقية أم العمودية أم الشمولية؟ كيف يمكن ترجمتها إلى نقطة؟ أبواسطة نسبة مائوية أم ماذا؟ وما الحيثيات التفصيلية والموضوعية والعلمية التي ستحدد هذه الترجمة ـ وقد حصلت في مكناس ـ؟ … أسئلة كثيرة مشروعة يشتد طرحها عند قراءة الخلفية النظرية التي بنى عليها كزافيي روجرس بيداغوجيا الإدماج منهجية لتصريف وتدبير المقاربة بالكفايات حسب الطرح المغربي. وهنا يمكن مراجعة ما قدمه.  لكي نقف عن مدى مطابقة ما جاء به نظريا مع ما هو مطروح في المصوغة عامة وشبكات التصحيح خاصة. ومنه؛ يحق مساءلة ما هو موجود في مصوغة التكوين وما يطرحه تجريب بيداغوجيا الإدماج في الميدان عن انضباطه لما يقول به كزافيي روجرس في بيداغوجيا الإدماج؟ أم هناك من الأسباب ما يؤدي إلى التعديل في المطروح نظريا أو عمليا؟ فمثلا؛ حين تقول شبكة التصحيح الخاصة بوضعية: ” لا تنقطع عن الدراسة ” في المعيار الثالث الخاص بانسجام المنتوج:
” ( يحصل المتعلم على 3 نقط ” 3/3″ إذا:
ـ حصل الانسجام بالنسبة للمنتوج المتعلق بكل فرصة “1/1″
ـ كان منتوجه في شموليته خاليا من الحشو والتناقض”1/1″
ـ استعمل أدوات الربط بين الأفكار بشكل سليم”1/1/” ).
وتكتب المصوغة ملحوظة تقول: ( يحصل الانسجام إذا كان هناك تسلسل منطقي في الأفكار الواردة في المنتوج وإذا أضافت كل جملة معلومة أو معلومات جديدة ” غياب التكرار والحشو ” ).

   فهي تلبس على المكون القراءة؛ حيث في غياب قراءة الملحوظة، نكتشف أن جملة ” حصل الانسجام بالنسبة للمنتوج المتعلق بكل فرصة “1/1″” معيار وليس مؤشرا!. وبالتالي فإدراج الملحوظة لا محل له لأننا بصدد تحديد المؤشرات، وهو ما كان يجب فعله هنا. إذ يمكن إدراج الملحوظة كاملة في المعيار الثالث وحذف الجملة السابقة وهذه مسألة تقنية. وبالرجوع عند كزافيي روجرس نجده يقول بالانسجام الدلالي  « cohérence sémantique »! وهو ما يفتح السؤال على إشكالات لغوية عميقة في الدراسات اللسانية الحديثة، خاصة منها لسانيات النص.  كما أن استعمال أدوات الربط بين الأفكار بشكل سليم تطرح تساؤلا جوهريا وهو:متى يكون النص منسجما؟ وما الآليات والمنهجيات التي تمكننا من الحكم على نص بكونه منسجما؟ وهل استعمال أدوات الربط في اللغة تفيد ربطا بين الأفكار حتما؟ وما هي الأدوات التي تربط بين الأفكار بشكل سليم؟ وهل البناء المنطقي والمنهجي للموضوع يحددان الربط بين الأفكار؟ أم هناك حيثيات أخرى تحدد لنا الربط بين الأفكار؟ أي من هذه الأسئلة يدخل في مصطلح الاتساق(Cohésion) ؟ وأي منها يدخل في مصطلح الانسجام(cohérence) ؟ وهي أسئلة لا يمكن تجاوزها لأن التقويم مرتبط بها، ومنه يرتبط بها مصير المتعلم. وهي تدخلنا في إشكالات معرفية ومنهجية كبرى، فمثلا: متى يكون التكرار مشينا للمنتوج الأدبي؟ ومتى يكون الحشو حشوا؟ ومتى يحصل الانسجام الدلالي؟ … خاصة؛ ونحن نجد من بين مظاهر الانسجام التكرار والتدرج! ثم أن إيراد المؤشرات التي توصف بالدقة وبالقياس وبالنوعية والكمية وغيرها يكون من أجل رفع التقويم إلى الموضوعية وتقليص الذاتية منه أو حذفها مداخلها. غير أنها إذا لم تقيد وتحدد من داخل النص تسمح بمساحة ذاتية للمصحح ولإسقاطاته الذاتية على النص. ومن هنا نجد تفسيرا للاختلاف بين المصححين للنماذج المنتوجة التي تشتغل عليها المصوغة. وتقلص المدى بين أعلى نقطة وأدنى نقطة بمسافة نقطية قليلة. وهو ما يستوجب المراجعة.

   إن معيار الانسجام يطرح جملة إشكالات بين المواد الدراسية أولا ثم داخل المادة الواحدة نفسها. فلو أخذنا مثلا مادة اللغة العربية؛ فالانسجام فيها في مستوى التبسيط ينحو نحو البناء الدلالي من حيث تماسك المعلومات والمضامين والأفكار والعلاقات البينية بينها، وتسلسلها ومنطقيتها لأجل توليد دلالة مستمرة عبرها. ( ويقوم الانسجام النصي عن طريق تحقق العديد من العلاقات الدلالية بين أجزاء النص مثل:
أ – علاقات الربط: الوصل والفصل، والإضافة، والعطف.

ب – علاقات التبعية: الإجمال والتفصيل، والظرفية، والسببية، والشرط والجزاء، والعموم والخصوص ).
وأما إذا أخذنا بقول الأستاذ الدكتور محمد خطابي أنه ( ليس هناك نص منسجم في ذاته، وغير منسجم في ذاته باستقلال عن المتلقي، بل إن المتلقي هو الذي يحكم على نص بأنه منسجم، وعلى آخر بأنه غير منسجم )، وهو قول صحيح باعتبار اللغة مؤسسة اجتماعية وجودها مرتبط بوجود الإنسان. فإننا سنبتعد كثيرا عما نتوخاه من الانسجام، من عدالة بيداغوجية في التقويم وموضوعية فضلا عن تكافؤ الفرص بالنسبة للمتعلمين. وبالتالي تتعقد قضية الانسجام في مادة اللغة العربية خاصة أنه مبحث من مباحث اللسانيات النصية. فيه ما فيه من التضمينات والتصريحات.

فالانسجام قضية لغوية أجد بعدها الأنطولوجي الحقيقي في بنية النص، والذي يسمح للمصحح الانتقال من ذاته إلى ذات النص بما يحقق موضوعية التصحيح. في حين أجد بعدها الأنطولوجي الافتراضي من خارج بنية النص، والذي يسمح للمصحح الانتقال من ذات النص إلى ذاته، أي بحكم نظري، الذي بمقتضاه يفترض المصحح أنطولوجية الانسجام ويحللها وفقا لمعطى ذاتي، ثم يقوم بالتصحيح بناء عليه. وهنا التصحيح ذاتي لا موضوعي. وهذا القول يحتمه الدرس المدرسي لا الدرس اللساني. ومن ثمة؛ فالانسجام في مادة اللغة العربية يجب أن يدقق بمؤشرات من كينونته.
وقد اطلعت مؤخرا على المذكرة الوزارية رقم 74 بتاريخ 9 أبريل 2010 موضوع: ” مشروع بيداغوجيا الإدماج ـ التقويم والامتحانات بالتعليم الابتدائي ـ ” حيث ألفيت فيها ما كنت أتوقعه! وهو الخلط بين درجة التحكم في المعيار ـ درجة التحكم في الكفاية ـ والتنقيط. ذلك أن المذكرة 74  ذهبت إلى اعتبار درجة التحكم هي النقطة الأولية الممنوحة في الجدول التالي مع إضافة ( نقطة واحدة لكل تلميذ تحكم بنسبة الثلثين في كل معيار من معايير الحد الأدنى ” تحقيق عتبة 3/2 لكل معيار ). وهذا خلط كبير بين درجة التحكم والنقطة. وهنا قد ينتقل وينجح من لم يتحكم في الكفاية رغم أن الكفاية الأساس توجب التحكم فيها من أجل النجاح والانتقال إلى المستوى الموالي.

 
    هل التلميذ متحكم ؟    النقطة الممنوحة      
    معيار الحد الأدنى 1 *    معيار الحد الأدنى2    معيار الحد الأدنى3    مستوى التحكم    النقطة الأولية    النقطة الإضافية    معيار الإتقان**    النقطة النهائية      
التلميذ1    3/2    3/2    3/2    متحكم    9/6    1    1/0    10/7      
التلميذ2    3/2    3/1    3/2    متحكم    9/5    1    1/1    10/7      
التلميذ3    3/3    3/3    3/0    غير متحكم    9/6        1/1    10/6      
التلميذ4    3/1    3/3    3/1    غير متحكم    9/5        1/1    10/6     
* معايير الحد الأدنى للتحكم: 1. معيار الملاءمة   2. معيار الانسجام   3. معيار الاستعمال السليم للموارد.

** معيار الإتقان: التقديم الجيد لمنتوج التلميذ ( ة ).
    هذا؛ ونحن نعلم أن تقويم الكفاية يضم تقويم الموارد. والموارد ليست مستهدفة لذاتها بينما الكفاية هي المستهدفة من خلال الموارد. ونعلم أن المقاربة بالكفايات جاءت لتمحور المتعلم مركز الفعل التعليمي التعلمي، وألغت المنهاج المتمركز حول المادة المدرسية. لكن مع الأسف أحيت المذكرة 74  المنهاج المتمركز حول المادة المدرسية حين خصصت تقويم الموارد بنسب: 60% و 50% و40% والكفاية بما تبقى من نسبة مائة في مائة!؟ ونحن نعلم أن الموارد التي يمكن للمتعلم توظيفها في حل الوضعيات قد تكون موارد غير مدرسية، بمعنى أنه قد يستدعيها من خارج السياق المدرسي. والموارد هي موارد مختلفة ومتنوعة لا تحصر فقط فيما هو مدرسي. وبالتالي هذا المذهب في التقويم يتناقض مع أبجديات المقاربة بالكفايات ومعطيات بيداغوجيا الإدماج التي تستهدف النسقية. ويزيد الطين انجرافا سيول تقديم الموارد في بيداغوجيا الإدماج منفصلة وبالمقاربة الحاضنة وخارج الوضعيات. بمعنى أن تقويمها يتحدد بموضوع المادة المدرسية، فمثلا بالنسبة للسنة الأولى ابتدائي تقويم الموارد يكون في: ( اللغة العربية ـ الرياضيات ـ النشاط العلمي ـ التربية الإسلامية ـ التربية الفنية ).
    وعلى العموم؛ فالتعديل الذي أجراه كزافيي روجرس على بيداغوجيا الإدماج لتوافق المعطى المغربي، يمكن أن نتوقع منه الخروج عن أدبيات هذه البيداغوجيا. وهو أمر عاد في موضوع الملاءمة بين المعطى النظري والمعطى الواقعي. وهذا ينعكس على المداخل النظرية والمفاهيم والأدوات بل ويربك في بعض الأحيان.

هـ ـ تطرح المعالجة عدة قضايا تعليمية تعلمية. أهمها التشخيص الدقيق لأخطاء المتعلمات والمتعلمين، والذي يتم من خلال قراءة منتوجهم بواسطة شبكة التصحيح وفي إطار المعايير المقررة فيها. فالخطأ معروف، لكن السبب هو الذي يقع في خانة الاحتمال. وبالتالي فتدقيق التشخيص مطلوب لرفع الاحتمال عن السبب حتى لا نشتغل في محيط السبب بدل الاشتغال في مركزه. فقد أفاد التكوين طرح مجموعة من الاحتمالات في الخطأ الواحد نفسه، وهو ما يؤدي إلى طرح مجموعة سيناريوهات للمعالجة ضمن الصيغ التقنية المقترحة في مصوغة التكوين. والمعالجة تطرح صعوبة لدى هيئة التدريس في ظل غياب تكوين أساس عميق يركز البعد الإبستيمي بالحقل المعرفي المدرس ويوسعه وجلي دقائقه وخفاياه لأجل تمكين المدرس من مقاربة أسباب الأخطاء مقاربة مركزة ومباشرة، مما يسهل معه وضع هندسة للمعالجة تناسب الخطأ وأسبابه. فمثلا: ( تدريب المتعلم على استخراج الكلمات المفاتيح mots clés ). يتطلب من الأستاذ معرفة عميقة بتحليل المضمون وبالخطاب البرقي Télégraphique على الأقل، وهو ما لا نجده في التكوين الأساس لهيئة التدريس، وقس على هذا الشيء الكثير.

  وهنا؛ ومن منطلق التجربة الميدانية لبيداغوجيا الإدماج، ينتج واقع التجربة خطابا إبستيميا موازيا للخطاب الرسمي يكشف ويسائل وينتقد أطروحاته خاصة في استقبالها كمسلمات يقينية يروج لها بنجاحها في هذا البلد أو ذاك. بينما الواقع المغربي يفيد أنه ليس هذا ولا ذاك! بدليل أن الصياغة التعريفية للمعالجة في المصوغة تفيد بأنها ( جهاز بيداغوجي: يتم أساسا بطريقة بعدية ). دون أن نجد من يتساءل: لماذا الإلحاح على إيراد معلومة من طبيعة الشيء دون أن يكون لها قيمة إضافية إبستيميا؟ فمتى كانت المعالجة قبلية؟! أليست الوقاية هي القبلية والمعالجة هي البعدية؟ ومنه الاستقبال الفوقي للطرح، قد يعمي بعض الحقائق الواقعة فيه. ومنها صعوبة هندسة المعالجة دون الدخول في احتمالية الأسباب والقبول بأغلب ما جاءت به المصوغة دون مساءلتها!              
و ـ مدة التكوين تطرح سؤالا كبيرا حول أثره؟ خاصة مع استحضار هذه القضايا والإشكالات المطروحة. أتكفي ثلاثون ساعة لتعميق التكوين بما يسمح لهيئة التدريس التدقيق في مداخلها النظرية والإمساك بتقنياتها وأدواتها؟ ألا يمكن إدراج مصوغة التكوين تحت السقف الزمني المخصص لها وظروف وشروط تدبيرها في إطار الإخبار والتحسيس؟ ماذا تقول أساسيات تكوين الكبار في شأنه؟ وهذه المشكلة لا تطرحها الورقة بقدر ما يعبر عنها المكونون في صيغة طلب الزيادة في أيام التكوين، والرفع من ساعات التكوين في المصوغة.

ز ـ سؤال مصير الوضعيات المقررة بعد سنة أو سنتين من التدريس في الحد الأقصى مطروح بحدة، وهو يستدعي التفكير في تأسيس بنك وطني للوضعيات. حيث تقدم كراسة المتعلم للوضعيات الإدماجية نفسها رفيقا للمتعلم، فتقول: ( عزيزتي المتعلمة، عزيزي المتعلم، هذا دفتر الوضعيات الخاص بك. سيرافقك طيلة السنة الدراسية كأداة مملة للكتب المدرسية المقررة. وفيه وضعيات مشكلة مستوحاة من حياتك اليومية وبيئتك ). وهو ما يطرح مشكلا في الواقع العملي للأداء الصفي، أيمكن الأستاذ المتعلم من الكراسة أم يحتفظ بها؟ والصواب؛ رغم أنها تقدم رفقتها للمتعلم، فيجب حجبها عنه. لأن تمكينه منها سيؤدي إلى حله للوضعيات قبل أوانها وبذلك تفقد الوضعيات الإدماجية جدتها، وتستهلك وتصبح غير ذات جدوى أو دور أو فاعلية مما يفقد عملية الإدماج هدفها وغايتها. الأمر الذي يتطلب معه وضع وضعية أخرى جديدة. وهذا غير وارد الآن وفق الإرشادات القائمة في الميدان. وعليه يمكن للمدرس اعتبار الكراسة كدفاتر للتطبيقات لا يمكن المتعلم منها إلا في حصص التطبيق ( في أسبوعي الإدماج ).

  والتفكير بجدية في هذا الموضوع مطروح بشدة، يستهدف تجاوز استهلاك الوضعيات مع طول الزمن. وهنا أطرح العمق المعرفي والتقني والفني في تكوين هيئة التدريس مدخلا مهنيا لتأسيس بنك للوضعيات محلي خاص بالمؤسسة التعليمية ينجزه المجلس التعليمي بتأطير  وإشراف المفتش التربوي. يتساوق هذا البنك والمعطى المحلي للمؤسسة التعليمية في مختلف مناحيه ومجالاته وخصوصياته، لكي يفد المتعلم منه، وتحتفظ الوضعيات بتجددها المستمر فضلا عن جدتها بالنسبة للمتعلم. وتعطي معنى ودلالة لتعلماته لأنها من محيطه المحلي أولا، وثانية تمكنه من تحريك الكفايات نحو وضعيات من خارج البنك المحلي للوضعيات. فدلالة ومعنى التعلم عند المتعلم، هو ما يتأتى له من خلال الوضعيات، يعد أهم أساليب التعليم والتعلم لأن ( عمليات التعلم ذي المعنى تتمتع بأفضلية لأنها تعطي نواتج أكثر ثباتا ويعود سبب هذا إلى:
1 ـ أنها عملية تختزل حجم المعلومات المطلوبة تذكرها لأداء مهمة تعليمية ومن ثم يقل العبء على الذاكرة فالمتعلم بحاجة لتذكر العلاقة الجوهرية بدلا من تذكر محتوى كامل وسلسلة من المعلومات اللفظية العشوائية.
2 ـ أن التعلم ذي المعنى يلتحم ويرتبط بالمادة المتعلمة التي تم إرساؤها مسبقا بعلاقات شاملة ووثيقة في بنية المتعلم المعرفية.
    وللاختصار فإن التعلم ذا المعنى يعد أسهل وأكثر اقتصادية وأقل عبئا من التعلم الصمي من حيث الوقت والجهد كما أنه أكثر قابلية للتوظيف والاستخدام في التعلم الجديد وحل المشكلات ). ومنه نرى أصوبية التفكير في البنك المحلي للوضعيات على الأقل في غياب إقدار المدرس على إنتاج وضعيات خاصة بقسمه أو ما أسميه البنك القسمي للوضعيات.         
في طريق الختم:

  إن الوعي الإبستيمي بهذه القضايا والإشكالات والمشاكل لمدخل حقيقي إلى الإمساك الإبستيمولوجي والمهني ببيداغوجيا الإدماج، المؤهل لهيئة التدريس لممارسة صفية مضبوطة ومعقلنة ومحكمة ومهندسة.
    وتأمل الورقة وهي تؤجل التعاطي مع المفاهيم والمصطلحات أن تجد مخاطبا وقارئا يتقبلها بعدا نقديا غايته الأساسية فتح حوار وطني يقارب الواقع انطلاقا من النظري، ويحاكم النظري انطلاقا من الواقعي ليتكامل البناء والتشييد للمدخل الديداكتيكي للمنظومة التربوية والتكوينية. ولا يعتبر هذه الملاحظات طعنا في كفاءة أحد، فما بذل يعد بالعطاء الكثير والجهد المضني الذي لا يمكنه أن ينتفي بجرة قلم، بل لابد أن نقف عنده بكل إجلال واحترام وتقدير. وأن نطوره ونبني عليه الجديد خدمة لأبنائنا ومستقبلهم ومن ثم مستقبل البلاد والعباد. وإن خانني التعبير في موطن أو آخر، فأجد سماحة القارئ والمهتم والمعني أكبر من خطئي، غير المقصود طبعا. فرجائي التكرم علي بالعفو والصفح، حيث ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد). والله الموفق.
عبد العزيز قريش
مفتش تربوي
المراجع:

ـ وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب، دليل المقاربة بالكفايات، الرباط، المغرب، دجنبر 2009
ـ  كزافييه روجيرس، الاشتغال بالكفايات: تقنيات بناء الوضعيات لإدماج التعلمات، ترجمة الحسين سحبان وعبد العزيز سيعود، سلسلة المكتبة التربوية، مكتبة المدارس، الدار البيضاء، المغرب،2007
xavier Roegiers, La pédagogie de l’intégration en bref, Rabat, Mars 2006ـ

ـ وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب، كراسة الوضعيات الإدماجية: كراسة المتعلم المستوى الأول  من التعليم الابتدائي، الرباط، المغرب، ط 2009.
ـ  د. عبد اللطيف الفاربي، المقاربة بالكفايات: المفاهيم والممارسات، جريدة الصباح، الدار البيضاء، المغرب، 24/11/2004، عدد: 1442.
ـ  د. عبدالرحمن الطريري،من هو الخبير؟،http://www.aleqt.com/2008/04/29/article_12283.html.
ـ وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب، مصوغة تكوين أساتذة التعليم الابتدائي في بيداغوجيا الإدماج، الرباط، المغرب.

ـ  وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب، مصوغة تكوين أساتذة التعليم الابتدائي في بيداغوجيا الإدماج.
ـ د. أسامة عبد العزيز جاب الله، نظرات في مصطلحات اللسانيات النصية، http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?36861.
ـ  د. محمد خطابي ، لسانيات النص ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب، 1991.

ـ  المادة 26 من المرسوم رقم 376. 02. 2 صادر في 6 جمادى الأولى 1423 ( 17 يوليو 2002 ) بمثابة النظام الأساسي الخاص بمؤسسات التربية والتعليم العمومي.

ـ  د. إلهام علي الشلبي، أثر استخدام استراتيجية الخريطة المفاهيمية في تحصيل طلبة الصف التاسع للمفاهيم العلمية في مادة الأحياء ودافع الإنجاز لديهم وقدرتهم على التفكير الإبداعي، مجلة العلوم التربوية والنفسية، جامعة البحرين، البحرين، 2010، المجلد 11، العدد2.
ـ مديرية التقويم وتنظيم الحياة المدرسية والتكوينات المشتركة بين الأكاديميات، المركز الوطني للتقويم والامتحانات، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المذكرة  بتاريخ 9 أبريل 2010، الرباط، المغرب.

عبد العزيز قريش مفتش تربوي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

5 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. متتبع
     

    تحية أخوية للزميل والمفكر السيد عبد العزيز قريش هذه مجموعة من الملاحظات التي وددت تقاسمها مع أخوتكم في هذا الموضوع قصد الإغناء والتتبع:
    1ـ إن بيداغوجيا الإدماج في صيغتها الحالية لا تعنى بالوضعية المشكلة الديداكتيكية حيث إن روجرس كزافيي بوصفه الخبير المعتمد لدى المركز الوطني للتجديد يقول بأن من حق الأستاذ أن يتبنى طرقه التقليدية في إرساء الموارد!! وهذا ما سبب الكثير من الغموض لدى الممارسين حيث يقرن معظمهم هذه البيداغوجيا بالدعم التربوي
    2ـ إن مصطلح التحويل الذي استعملتموه (كما يستعمله غيركم) قد يوحي بأن المعارف والمهارات موجودة بصورة تشبه الجسم الموضوع في مكان ما والذي يمكن نقله وتحويله إلى مكان آخر في سياق آخر وهو ما يطرح بدوره مشكلا في تصورنا للكفاية عموما وللعلبة السوداء التي تجري فيها العمليات العقلية
    3ـ إن الكتب المدرسية المعمول بها حاليا لا يمكن لها أن تحقق ما هو مطلوب من الأستاذ إذا نحن أخذنا بعين الاعتبار أ العديد من المدرسين يلتزمون بالكتب المدرسية المقررة وهو ما يجعلهم يقومون بأسبوعي الإدماج كيفما اتفق
    4ـ إن جعل مهمة التدريس مهمة تقنية وتقنوية صرفةلمن شأنه أن يبعدنا عن حقيقة الفعل التربوي والديداكتيكي فالتكوينات التي نقوم بها مع الأساتذة لتوصيف وتدقيق طريقة التعامل مع أسابيع الإدماج لهي بمثابة وصفات مغرقة في التدقيق الذي يجعل من المدرس مجرد منفذ حرفي لا غير
    5ـ إن الكفايات الأساس التي تمت صياغتها بغض النظر على الأخطاء الواردة في ذات الصياغة تسائل جدوى أن يركب المتعلم في نهاية السنة نصا من جملتين أو ثلاث جمل أو ثمانية فلماذا جملة وجملتان وثمانية بالضبط؟ ماذا لو أن تلميذا يقدر على تركيب عشرين جملة دون أخطاء؟ لن يتجاوز زميله المتعثر إلا بنقط قليلة وفق معايير التقويم التي تقترحها هذه البيداغوجيا
    6ـ لماذا كفايتان في السنة بالنسبة للغات مثلا؟؟ لماذا الكفايات الأساس أصلا مادامت أروبا تتجاوزها إلى الكفايات المفاتيح les compétences clés
    والتي تنأى عما نحن بصدده في دول شمال إفريقيا ودول إفريقيا السوداء لدرجة التطابق بين دلائل الإدماج في هذه الدول ؟ ليبزغ هنا سؤال محير لماذا بيداغوجيا الإدماج هنا جنوب المتوسط ولا أثر لها في شماله؟
    7ـ إن هذه البيداغوجيا ترتبط ارتباطا وثيقا بالكفايات الأساسية والمعارف الأساسية هذا المصطلحان الذان ما فتئا يتكرران في الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبرنامج الاستعجالي كأننا بصدد محو الأمية فقط في القراءة والكتابة والحساب وهي المجالات التي كانت موفقة أكثر من غيرها بالنسبة لمن صاغوا الكفايات الأساسية فيها بعكس التربية الإسلامية والاجتماعيات التي عانت ما عانته أثناء تحضير الكفايات الأساس والعاملون حينها على هذا الموضوع أعلم مني بحقيقة الأمور

    8ـ أحييكم على إثارة مصطلح الخبير والخبرة والتي صارت وصفا لمن حضر تكوينا مع الخبير الدولي كأن الخبرة صفة توهب لمن حضرواوتسقط عمن غابوا وفي هذا أيضا من الخطورة الشيء الكثير فالخبرة بهذا المعنى إيهام للخبراء الوطنيين أنفسهم مع احترامي لهم جميعا بأنهم سيقودون مشعل التغيير وأن الأمر فقط يتعلق ببلادنا في القدرة على التغلب على المقاومة التي يبديها رجال التعليم بمختلف تخصصاتهم التربوية والإدارية لأنهم جاهلون بالخير العميم الذي ستحققه هذه البيداغوجيا لدولة مثلنا
    9ـ إن التقويم في إطار هذه البيداغوجيا إضافة إلى ما تفضل به أخي المحترم عبد العزيز بتوضيحه سيثير تساؤلات كثيرة عن المرجعيات الوطنية التي ستؤسس في مجالي التقويم والجودة وعن مصدرها الحقيقي وأبعادها
    10ـ إن المعالجة أو وظيفة العلاج في التقويم بالصيغة المتضمنة في هذه البيداغوجيا تفترض مسبقا كون المتعلم سيرتكب أخطاء ولا تتحدث هذه البيداغوجيا عن حفز المتفوقين وطرق ذلك بل تنطلق من مسلمة الكارثة وعدم التمكن
    !!

    11 لماذا التركيز فقط على ما هو محلي ومعروف بالنسبة للمتعلم؟؟؟
    أجدد الشكر والامتنان للأخ عبد العزيز قريش على تناوله للموضوع بكيفية علمية تتوخى معرفة إيجابيات وسلبيات الموضوع وما ذلك بغريب على رجل مثله
    المجد والخلود للشرفاء في هذا البلد والمجد للتعليم المغربي الذي كان بالأمس القريب نموذجا يحتدى به

     
  2. عبد العزيز قريش
     

    أخي الكريم المتتبع لأحييك على إغنائك الموضوع بملاحظاتك الجديرة بالتقدير.
    إن ما أوردته من تساؤلات تستحق المقاربة، وأجد أخي الخروج عن أصول أي بيداغوجيا لا نكون داخل تلك البيداغوجيا، وإنما نكون خارجها. لذا لا يمكن الحديث عن الكفايات خارج الوضعيات. فالكفايات تدعي النسقية، والكلية بينما التدريس وفق الطرق التقليدية ـ وفي غالبه الأعم ـ لا يفيد حتما النسقية والكلية باعتراف خبراء الوزارة أنفسهم. لذا يجب التساوق مع طبيعة الأشياء إذا أردنا جني أثرها في الاتجاه الموجب والإيجابي.
    أخي إن ما ذهبت إليه من مصطلحات ، هي في الحقيقة مصطلحات متداولة في هذه البيداغوجيا أدبيا، وسيكون لي وقفة معها إن شاء الله تعالى. وأنا في مقالي هذا أفتح نقاشا وطنيا لا محالة ستغنيه أقلام مثل قلمك مشكورا سأسفيد منها وأستنير بها في مقاربتي لهذه البيداغوجيا.
    لك مودتي واحترامي

     
  3. ibrahimi
     

    أريد من القراء الكرام و على وجه الحصوص منهم السادة المفتشين أن يقارنوا بين ما يكتبه السيد عبد العزيز و ما يكتبه بعض الشطاحين من معيار و تفهات
    و الله يا سي قدوري و بدون مجاملة لو اردت لموقعنا ان يسمو إلى مصاف المواقع العلمية الراقية فعليك بالالتزام بنشر مثل هذا المقال و في المقابل ان ترحمنا من تخاريف و شتائم بعض الناس الذين لا يحسنون إلا فن المعيار

     
  4. enseignant
     

    En matières scientifiques (math-physique-chimie-SVT-sciences de ingénieurs) On a besoin de professeur qui ont une large culture scientifique et possèdent des compétences dans la résolution des problèmes.
    Toute formation académique des enseignants en pédagogie est sans grande importance si leur vision du monde se limite à la règle de trois.
    Malheureusement presque tout le monde cherche à réformer en passant par des théories pédagogiques ( qui normalement est une affaire des chercheurs en sciences de l ‘éducation) et abuser du power-point pour ne présenter que du copier-coller en étant incapable de dépasser le seuil de la règle de trois…
    Que peut faire un théoricien maladroit en pédagogie qui ne réfléchit qu’en terme de la règle de trois? Si ce n’est que de l’arnaque.

     
  5. مفتش
     

    لا فض فوك يا استاذ أنا متفق مع السيد ابراهيمي على السيد قدوري أن لا ينشر إلا مثل هذه الكتابات الراقية و المفيدة اما كتابات المعقدين الذين لا يخرجون من افواههم إلا ما يغضب الله فليكتبوا لانفسهم و ليتركوا لنا موقعنا الذي هو موقع نزيه عن الخصومات و الانحرافات الخليقية

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Prix voyage

Billets d'avion

 

yahoo

 
 

Facebook + buzz

 
 
 

Derniers articles

Derniers articles