Home»International»التواضع من رسوخ القدم في العلم والتعالي من ضيق الأفق فيه

التواضع من رسوخ القدم في العلم والتعالي من ضيق الأفق فيه

0
Shares
PinterestGoogle+

التواضع من رسوخ القدم في العلم والتعالي من ضيق الأفق فيه

محمد شركي

المنتسبون إلى الحقل العلمي والمعرفي صنفان، يفرق بينهما ضدان هما : التواضع ،والتعالي. أما التواضع ، فيكون منقبة في  رسخت قدمه في العلم والمعرفة  ، بينما يكون التعالي  معرة وسبة فيمن ضاق به الأفق فيهما . وقد يلحق كثير أهل العلم والمعرفة بمن  تضيق آفاقهم  فيهما إذا ما بجحت إليهم نفوسهم ، وصاروا يرى الناس دونهم مكانة وقدرا ، فهم حينئذ في منزلة من لا علم ولا معرفة لديهم .

 والراسخون  في العلم كما وصفهم الله عز وجل في محكم التنزيل، هم من حسنت أخلاقهم ، و أتقنوا علمهم ومعرفتهم حق الإتقان، ووعوهما جيد الوعي ، ولا يخامرهم أدنى شك أو ريب في إتقانهما ، وهم أعلم بأنفسهم ممن يطرون عليهم ، فيخلعون عليهم الألقاب المطربة للنفوس من قبيل العلامة ، والفهّامة ، والبحر المحيط  ، والثبت ، و المتكن الأمكن ، والقطب ، ووحيد زمانه ، وقاهر أقرانه ، وهو من عقمت النسوان أن تلد أمثاله … وهلم جرا ، وكلها ألقاب وصفات لا تطرب المتواضع من العلماء  ، بينما يطرب لها  المتعالى  منهم ، فيزداد زهوا بنفسه ، ويزداد تعاليا على الخلق ، ويشي لسانه بما  يدور بخلده من استصغار لشأن الخلق ، وما يداخله من عجب وزهو .

ومما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،أنه سئل عن الراسخ في العلم ،فقال :  » من برّت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام به قلبه ، وعفّ بطنه وفرجه ، فذلك الراسخ في العلم  » ، وعند التأمل في قوله عليه الصلاة والسلام ، نجد الصفات التي وصف بها الراسخ القدم في العلم من إمضاء لليمين ، وصدق اللسان ، واستقامة القلب ، وعفة البطن والفرج ، يستحيل معها التعالي، والعجب  والزهو.

إذا كان الله عز وجل قد جعل للمؤمنين رسوله صلى الله عليه وسلم إسوة وقدوة  في تواضعه ، ولين جانبه ، ونزهه عن الفظاظة والغلظة  ، وهما من التعالي ، ن فأولى الناس اقتداء به هم  ورثته من أهل العلم ، قبل غيرهم من عامة الناس ، إلا أننا لا نرى أحيانا أثرا لهذا الاقتداء عند بعض المنتسبين إلى حظيرة العلماء الذين يركبهم غرورهم ، فيزدرون الخلق استعلاء عليهم ، ولا تفارق ألسنتهم عبارات الفظاظة والغلظة إذا ما تحلق الناس حولهم للنهل مما علمهم الله ، فتخالط علمهم  عبارات الاستخفاف بهم ، ويعيرونهم  بالجهل، والقصور ، والكسل ، والتطفل على العلم ، والخبط ، الخلط في المعارف … وغير ذلك مما يفسد أو يخرم مروءتهم  بأساليب سوقية وفجة ساخرة .

ومما يخشاه المتعالون من المنتسبين إلى العلم أن يسود هذا الأخير الناس، لأنهم يريدون الاستئثار به دون غيرهم . ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي على أوسع نطاق ، وتحميل أمهات مصادر مختلف المعارف والعلوم فيها مما كان  هؤلاء يعتبرونه حكرا عليهم ، ويخزنونه في خزاناتهم ، وفي خزانات تكون تحت تصرفهم ، اشتد حنقهم على تلك الوسائل ، واتهامهم لمن يرتادونها ، ووصفهم بالجهل مع أن الناس  على علم تام بغث  وسمين ما تنشره تلك الوسائل التي سهلت الوصول إلى المعلومات ، وقد كان دون الوصول إليها شد الرحال ،وخرط القتاد .

فمن ذا الذي يمكنه اليوم أن ينكر أن العديد من أمهات المصنفات العلمية قد صارت محملة رقميا في تلك وسائل ، فضلا عن المعاجم الضخمة  ، وتفاسير القرآن الكريم ، وكتب الحديث ، و كتب مختلف المعارف والعلوم مما لا يشكك في صحة تحميلها  إلا جاهل أو مكابر أو متعال قد تجاوزه عصر  » الرقمنة  » ، وهو يخشى أن ينزل عن عرش  تربع عليه ،ويتوهم ألا زوال له.

ولقد فطن كثير من أهل العلم والمعرفة إلى استخدام وسائل التواصل من أجل توسيع دائرة معارفهم ، بينما ظل من يخشون على  ريادتهم  المتوهمة في العلم  ينتقدون من سبقهم إلى استخدامها حتى فاتهم قطارها ، وتعلقوا بغباره ، ورضوا باستخدامها  بعد ذلك مجبرين ، وقد  كانوا من قبل يعيبون من  يستخدمونها ، وشق عليهم كثيرا أنهم قد سبقوا إليها ، وما عطلهم عن قصب السبق إلا غرورهم وتعاليهم . ولا زال بعضهم على تشكيكه فيما يحمّل من علوم ومعارف في  تلك الوسائل ، ويحذرون منها ، خوفا على ما يتوهمونه من كاريزمية في أنفسهم ، لا قبل لغيرهم بها أو لا سبيل إليها إلا  الذي سلكوه  هم، والناس عنه غافلون .

ومن صفات المتعالين بخلهم بما تحت أيديهم من كتب ومؤلفات  حين يقصدهم طلاب العلم طلبا لها عندهم ، فيصدونهم صد اللئام حيث يجب الكرم حتى إذا غادروا هذه الحياة، قيل عنهم أنهم قد وقفوا خزانات كتبهم في سبيل الله ، وكأن تلك السبيل لم تكن في حياتهم  ممهدة سالكة .

ومن صفاتهم أنهم يقربون من طلبتهم  المتزلف ، والمحابي ، والمادح ، والمطري ، حرصا على صيانة أبرجهم العاجية ، و تعاليهم ، ويصدون عنهم كل من بدرت منه عزة نفس ، أو لمحة ألمعية، لأنهم يخشون أن يفسد  وجوده بينهم  طباع قطيع المتزلفين  الذين يهانون ويسهل الهوان عليهم .

ومن صفاتهم أنهم يكيدون لكل ذي قدم راسخة في العلم ، ويخشون أن يجاورهم  في محيطهم ،  فينافسهم ، وتبور سلعتهم  أمام سلعته ، ويسلكون كل سبل الكيد لصده ،مع أنها لا تخفى عنه ، ولا عن عامة الناس بل  عن خاصتهم .

ومن صفاتهم أنهم لا تدوم مودتهم لأحد ،حيث يتعاملون من معارفهم على قدر ما تكون عليه ظهورهم ذلولة ، فإذا صعبت، زهدوا فيهم ، وأطلقوا في أصحابها ألسنتهم بالسوء ،كأن لم تكن بينهم مودة قط .

 ومن صفاتهم أنهم لا يقبلون أن تهدى إليهم عيوبهم ، ومن أهداها إليهم غيرة عليهم، ضاقوا به ذرعا ، وأساءوا به الظن ، وسددوا إليه من سهام قالة السوء ما تنثره كنائنهم .

ومن صفاتهم السخرية ممن تناله سهام اغتيابهم، وهم يتسلون بذلك ويسلون به من يحضرون  مجالسهم  الخاصة ، ويتفكهون بذلك ، وهم في وحل الغيبة غارقون.

وخلاصة القول أن من أراد به الله تعالى خيرا من أهل العلم ، هو من كان كمن وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم برا بيمينه ، وصادق اللسان ، ومستقيم القلب ، وعفيف البطن والفرج.

وصدق الشاعر إذ يقول :

 إذا زاد علم المرء قل ادعاؤه         وإن قلّ يوما علمه ضلّ وادّعى

كذا الغصن أيام الثمار تنـــاله         فإن صار معدوم الثمار ترفعـــا  

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *