متى بدأتم الإصلاح، للدعوة إلى مواصلته؟ 


     1


بغير قليل من الحياء ودون مروءة الأتقياء، أبى “عباقرة” حزب العدالة والتنمية، إلا أن يختاروا شعار: “صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح”، لحملتهم الانتخابية برسم استحقاقات السابع أكتوبر القادم، دون تجشيم أنفسهم عناء الكشف عن طبيعة هذا الإصلاح وحصيلة الحكومة، التي كان يرأسها أمينهم العام عبد الإله ابن كيران، وعما تحقق طيلة الخمس سنوات الماضية، من برنامجهم الانتخابي السابق تحت شعار: “صوتك فرصتك ضد الفساد والاستبداد”، إبان الانتخابات البرلمانية ل: 25 نونبر 2011.
فالإصلاح لا يتأتى بنحت الشعارات البراقة وبيع الأوهام للناس، فهو العمل الجاد والمسؤول على التغيير نحو الأفضل، وتطهير المجتمع من مختلف مظاهر الانحراف والفساد، القضاء على اقتصاد الريع والامتيازات والممارسات السياسية الظالمة، والسهر على سيادة القانون والنزاهة والشفافية والمنهجية التشاركية في اتخاذ القرارات، وإشاعة العدل بين الناس وتقليص التفاوتات المجالية والاجتماعية، والنجاعة في الإنجاز وكفاءة الإدارة، الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، الارتقاء بالخطاب السياسي ووضع استراتيجيات واضحة… وقد ورد لفظ الإصلاح في القرآن الكريم بعدة سور، مثل قوله تعالى: “والله يعلم المصلح من المفسد”، وقوله مخاطبا فرعون: “إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض، وما تريد أن تكون من المصلحين”. أما إحداث تغييرات جزئية بسيطة وانتقائية، بدون معنى ولا قيمة لها إلا في أذهان صانعيها، فهي مجرد ذر للرماد في العيون ك: دعم الأرامل والمطلقات، صندوق التماسك الاجتماعي والرفع من منح الطلبة، وتظل “إصلاحات” مبتورة  ولا تندرج ضمن مفهوم  الإصلاح، لأن الإصلاح الحقيقي يقتضي القيام بتغييرات جذرية عميقة شاملة ومستديمة دون المساس بالمكتسبات.
فكيف لحزب لم يستطع أمينه العام، منذ أن حملته رياح “الربيع العربي” إلى رئاسة الحكومة، تلبية انتظارات الشعب والالتزام بوعوده، أن يعود في آخر ولايته التشريعية داعيا الناخبين دون خجل ولا وجل إلى التصويت لصالح “المصباح” لأجل مواصلة “الإصلاح”؟ فعن أي إصلاح يتحدث؟ يجوز أن يكون القصد هو مواصلة إصلاح أحوال قيادييه وأعضاء ذراعيه الدعوي والنقابي… أما أبناء الشعب، فلم تزدد أوضاعهم إلا تدهورا، وما تنامي الحركات الاحتجاجية والإضرابات القطاعية والوطنية والعامة، إلا أحد أبرز مظاهر السخط والاستياء من السياسة المعتمدة.
وإذا كان ابن كيران وأتباعه يرون في ما أقدم عليه من قرارات جائرة، إجراءات شجاعة وجريئة، من قبيل “إصلاح” صندوق المقاصة ونظام المعاشات المدنية، فإن المواطنين يرونها استفزازا وتسلطا على جيوبهم، وإلا كيف يمكنهم استساغة ما ظلوا يتعرضون إليه من ضرب لقدرتهم الشرائية واقتطاعات عن أيام الإضراب…؟ ذلك أن ما يعتبره إنجازات غير مسبوقة، هي انصياع مكشوف لإملاءات المؤسسات المالية الدولية. وقد باتت حكومته متشبعة بالعقيدة الليبرالية المتوحشة أكثر من أي شيء آخر. وأصبحت في مجال تحرير الأسعار، غير قادرة على التصدي للوبي موزعي المحروقات، الذي بات حرا في تحديد أسعار التوزيع على محطات الوقود، دون الخضوع لتقلبات سعر البرميل في الأسواق الدولية، فضلا عن أنها لم تعمل على توجيه مبالغ الدعم المحذوفة ومساعدات دول الخليج، في اتجاه مساندة الأسر المعوزة والفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
ثم أين نحن من محاربة الفساد، إذا ما علمنا أن الحكومة فشلت في مكافحة الجرائم المالية، واتخاذ قرارات صارمة في حق المفسدين من ناهبي المال العام ومهربيه؟ وهل الإصلاح، هو نشر لوائح المستفيدين من رخص النقل واستغلال مقالع الرمال وامتيازات أخرى، دون اللجوء إلى التوزيع العادل؟ وما معنى انتظار الوقت الضائع لتنزيل استراتيجية محاربة الرشوة، بعد أن رصدت لها ميزانية ضخمة قدرت بأكثر من مليار درهم، بينما هي في واقع الأمر خطة تواصلية ماكرة، لتلميع صورتها عبر وصلات إشهارية، قبل وإبان الحملة الانتخابية لتشريعيات7  أكتوبر 2016. ووضع خطة للتشغيل هزيلة، لا تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لآفة البطالة، التي وعدت بتخفيضها إلى 8%، حيث كان معدلها يصل 8,9 % سنة 2011، ليرتفع إلى%  9,7 عام 2015 ، ويقفز لدى الشباب بين 25 و34 سنة إلى 21,1 %، بعد أن كان مستقرا في 19,1 % خلال سنوات2011/2010/2009 .
وأي إصلاح ترجى مواصلته، والمجال الاقتصادي والاجتماعي لم يعرف تحسنا، أمام تزايد أعداد الفقراء لارتفاع الأسعار مقارنة مع ضعف القدرة الشرائية، وتفاقم حجم الدين العمومي بنسبة 82 % من الناتج الداخلي الخام وانتقال دين الخزينة من 430 مليار درهم عام 2011 إلى 629 مليار درهم عند متم سنة 2015. والأفظع، أن جزء من هذا الدين خصص لتسديد حاجيات التسيير، بينما الاستثمار الوطني لم يستطع خلق مناصب شغل كفيلة بامتصاص بطالة الشباب، ليصبح بذلك كل مواطن مغربي مدينا للدول المانحة بنحو 24 ألف درهم. كما استمر انخفاض معدل النمو إلى أن بلغ سنة 2016 إلى 1, 5 %. فأين نحن من نسبة 7 %، التي وعد بتحقيقها الحزب الحاكم؟ فضلا عن أن قطاعات التعليم والصحة والسكن مازالت غارقة في مشاكل عويصة…
كان من الممكن أن يكون شعار “صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح” ذا مصداقية، لو أن ابن كيران أوفى بوعوده في محاربة الفساد وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وحرص على تمتيع المواطنين بكافة حقوقهم الدستورية… وبما أنه ليس كذلك، فليتحمل الناخب مسؤوليته أمام الله وضميره.
اسماعيل الحلوتي

اسماعيل الحلوتي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

1 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. وجدي
     

    لن أعلق على المقال بل سأحيل صاحب المقال إلى مقال ( حديث الجمعة ) للسيد محمد شركي في نفس الصفحة و اليوم تحت عنوان .

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*



 

Big Sidebar

 

yahoo

 

Facebook + buzz

 
 

Derniers articles

Derniers articles