Home»Correspondants»معالجة معضلة تسريب امتحانات الباكالوريا بين الشمول والاختزال

معالجة معضلة تسريب امتحانات الباكالوريا بين الشمول والاختزال

0
Shares
PinterestGoogle+

معالجة معضلة

تسريب امتحانات الباكالوريا بين الشمول والاختزال

ذ. محمد مامو

ما حصل مؤخرا من تسريب لموضوع الامتحان الوطني للبكالوريا، في مادة الرياضيات للعلوم التجريبية بمسلكيها، ولمسلكي الكهرباء والميكانيك التقنيتان، عُد حدثا خطيرا ومدبّرا، ومرتكبوه غير « وطنيين »، مما نتج عنه حصول أحداث عنف بعدد من المدن، الامر  الذي كاد ان يكون شرارة لردود افعال  لا يعلم مداها الا الله. فبكل تأكيد هو  مؤشر قوي من المؤشرات الدالة على فساد وافساد الذمم وبؤس القيم وانحطاط مبدأ الكفاءة بمفهومها الشامل كمدخل لإسناد المسؤولية، وعدم الاكتراث والاستهتار المقرف وغياب الشفافية و ضعف الاحساس بالمسؤولية والتذمر وفقدان الثقة، وتغول الانانية وطغيان الرغبة في الجشع والاستئثار والاستحواذ؛  ان الامر لا يقف عند مجرد تسريب لموضوع امتحان تم تداركه، فهدأت الخواطر  وعادت المياه الى مجاريها، فهو مؤشر ايضا على ما بلغته الامور من كهربة واحتقان تجاه تراكمات سلبية  ووقائع وخدوش وثغرات وضربات طالت مبدأ تكافؤ الفرص ومنظومة التقييم برمتها في منظومة التربية والتكوين عموما، والامتحانات الاشهادية خصوصا، ان اي متتبع او مشارك او مراقب او ملاحظ  او مشرف على سيرورة تمرير واجراء هذه الامتحانات الإشهادية؛ سواء أكانت جهوية أو وطنية، ليلاحظ التوتر والقلق والحيطة والحذر والاحتقان والمشادات، التي تسبق وتصاحب وتخيم على عملية الاجراء  والتمرير  لهذه الامتحانات، مما يجعل ايامها وساعاتها ودقائقها الطوال تمر  ثقيلات عسيرات، تحيلها جحيما لا يطاق  لكل  المشاركين في  العملية، ان ما اصبحنا نجابهه من اشكال وصنوف للغش في امتحانات البكالوريا ليس وليد اللحظة بل هو تسريب جاري ومعمول به وثقافة ترسخت كنتيجة لعدة عوامل منها:

·        ضعف البرامج والمناهج

فضعف البرامج والمناهج وغلبة الكم على الكيف فيها، والتقويم المبني على الاسترجاع لا التحليل والتركيب، وغموض النماذج التربوية المطبقة والفراغ البيداغوجي والقيمي في النسق التربوي السائد…؛ كلها مظاهر واعراض لأزمة منظومة غير متماسكة ومتعبة، تفرز مواقف واحكاما مسبقة صادرة من المجتمع ككل والطلبة والتلاميذ خاصة، مضمرة أو/و بادية،  تجاه المدرسة ومترتبة عن فقدان الثقة في المؤسسة التعليمية، ان مبعث  هذه « الثقافة الغشية »، فضلا عن كونها تعكس ردود افعال على تبخر الثقة السالف ذكره، فهي تعود الى البدايات الاولى من السنوات الالزامية للتعلم، حيث يدرك الاباء ان معدلات ابنائهم لا تعكس مستوى تعلماتهم في ضل غياب روائز موضوعية لتقويمها، تكون معيارية، وضابطة، وفي ضل تعطيل الاليات والموارد المؤسساتية والمستقلة، الكفيلة بتقييم مدى ومستوى تحققها، لذالك فهذه التعلمات والمكتسبات الوهمية غير المحققة، تمثل تسريبا ودجلا وتلفيقا وتزويرا للقدرات والكفايات الفعلية لأبنائهم، سواء تعلق الامر بالقطاع الخصوصي او العمومي، كل هذا ينتج عنه ترسيخ لحق باطل في الغش، نغرس بدرته مند امتحانات السادس ابتدائي ضمانا لنسب انتقال سلسة من مستوى الى آخر  حتى لا تنزعج السياسة التعليمية المرسومة مركزيا وجهويا، ولا تضطرب توقعات الخريطة المدرسية وحتى ترتاح البنية التحتية القاصرة والمغشوشة والفاسدة، وحتى يعفي الطاقم التربوي والاداري (وهذا امر هام) بالمؤسسة نفسه سيكولوجيا من سؤال المردود والأداء فيما يخص التعلمات والتقويم التكويني والعلاجي.

·        المراقبة المستمرة بالخصوصي

الذي يستثمر معدلات المراقبة المستمرة للسنة الثانية من سلك الباكالوريا بالمؤسسات الخصوصية يلاحظ ان لا تعالق ولا ارتباط (Pas de corrélation)، الا ما نذر   بينها وبين النقط المحصل عليها في الامتحان الوطني والجهوي ونجد نفس الهوة والبون الشاسع بين نفس الصنفين من المعدلات، فيما يخص نقط التلاميذ اللذين يستفيدون من الدروس المؤدى عنها والمسداة من طرف بعض اساتذتهم رغم الحظر الاخير، اذ ان الحالات التي تتم بواسطة مجموعات  ((des groupes)) أو بشكل فردي في المنازل  او غيرها، ويصعب رصدها، تعد من العيوب التقويمية، يعتبر هذا ايضا تسريبا من نوع خاص، لكونه يتميز بالسبق والنخبوية ويخدش في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص من حيث الاعداد القبلي لامتحانات البكالوريا؛ تسريب لأنه يقتصر على فئة خاصة من التلاميذ القادرين آباؤهم على الدفع وابتياع المعدلات وكذا لأنه يمثل عنصرا مبيدا للفعل البيداغوجي والتربوي والقيمي داخل الاقسام وبالمؤسسات (الاكتظاظ عامل من العوامل ايضا)، انه تسريب يتميز بالديمومة وتكمن بشاعته في كوننا تعايشنا معه،  فصرنا نعيد انتاجه مما عجل بقطع دابر مبدإ تكافؤ الفرص.

·       المركز الوطني للامتحانات

هو بنية من البنيات المركزية وبه كفاءات فردية محترمة، حظيت بتكوين عال، هذا المركز يسهر على اعداد الامتحانات والمباريات ومنها الاشهادية، ورغم اننا نحترم الافراد العاملين بهذه المؤسسة ومنهم من سبق ان تعلمنا على ايديهم، لكن لا بد ان هذه المؤسسة وليس الافراد، اصبحت متجاوزة وعتيقة من حيث التجديد والابداع والابتكار ومواكبة التكنولوجيات الحديثة وأصبحت تلهث وراء تلاميذ مشاكسين، وغيرهم يشككون في مصداقية ما تشرف عليه من مهام، وتتعرض للقصف الرقمي من طرف المشاغبين والمتربصين، يلعبون بأعصابها واعصاب التلاميذ، طيلة الامتحان الوطني، فبخصوص هذه النازلة، لاحظ الجميع مدى بيروقراطية هذه المؤسسة وتقادم اليات اشتغالها، فتسريب موضوع الامتحان ثبت انه حصل وظهر رقميا على الساعة الثانية صباحا من  يوم الامتحان المعني، وكان حريا بهذه المؤسسة ان يكون لها خلية حراسة ومراقبة ومداومة لا تتوقف، وتتابع ليلا نهارا ما ينشر رقميا حول امتحانات البكالوريا الجارية، لا أن تغط في نوم عميق بينما وصل البلل الى الاهذاب، حيث كان بالإمكان سحب المسرب وتعويضه بالاحتياط من موضوع الامتحان، قبل نشوب الحريق وضعضعة المصداقية،  انها مؤسسة تحتاج الى اعادة هيكلة وتطوير وشفافية وتخليق.

·       خوصصة المرحلة الإلزامية من التعليم تسريب هو الآخر وفعل مشين

فهي خطوة لا انسانية، وتعتبر تسريبا هي الاخرى، حيث يتم (بقصد او بغير قصد) استغلال حاجات الناس الضرورية للتعلمات الاساسية التي تستهدف الفئة العمرية اقل من 15 سنة، والمكفولة وطنيا ودوليا، والتي لا غنى عنها، بخلاف التعلمات التكميلية والتخصصية بالسلك الثانوي والتعليم العالي، تكمن حساسية هذه المرحلة بالنسبة للبلدان التي تستثمر في العنصر البشري بحق، في كونها مقدسة وسيادية، حيث يتعين ان تتميز بالتوحيد والتعميم والمجانية مع الجودة والجاذبية، ونظرا لكونها تمثل حاجة ضرورية وماسة للمواطنين فيلاحظ انها لا تخوصص في معظم البلدان، خاصة المتقدمة منها، فتعليم هذه المرحلة يتعين ان يكون مجانيا وجذابا وجيدا ومتوفر ا، يضمن الحد الادنى من التعلمات الاساسية والتي وان انقطع التلميذ عن الدراسة بعدها يكون قد حاز القدر الاساسي والضروري منها، ليبقى على قيد الحياة الحضارية والثقافية والتواصلية ليكون قادرا على اعادة الكرة مرة اخرى، ان هو أراد ان يعود للتعلم، في هذه المرحلة عندما نضع  الناس امام الامر الواقع، فنجبرهم  على شراء وابتياع المعارف والقيم نكون قد ارتكبنا فعلا جبانا، بمقياس التنمية الاجتماعية والاقتصادية وأدرنا عجلة اعادة انتاج الفروقات الاجتماعية بأقصى سرعاتها، انه تسريب ايضا لأنه يستغل حاجة الناس الى التعليم في هذه المرحلة العمرية والتي لا غنى لهم عنها، فهي تعادل حاجتهم الى الماء والهواء، كان من الاجدى والانسب التركيز على خوصصة التعليم العالي والتكوينات المهنية بعد البكالوريا « ان كان ولا بد »، لان هذا عين ما تقوم بها الدول الراشدة تنمويا واقتصاديا، على سبيل المثال الدول الانجلوساكسونية، وحتى فرنسا التي يعتبرها بعض بني جلدتنا نموذجا تعليميا ناجحا يحتذى به.

ان الحساسية المفرطة لامتحانات البكالويا، والتي ما فتئت تتعاظم على حساب التعلمات والتكوينات التي تسبقها ويفترض ان تكون تتويجا لها، ونظرا للتسريبات والاخطاء التي لازمت بعض مواضع امتحاناتها، في  فترات سابقة او شابت عمليات اجرائها وتصحيحها، بالإضافة الى التقدم المحرز في وسائل الاتصال الحديثة، ومع تزايد اعداد المترشحين اليها ونظرا لكون المجتمع برمته اضحى يراقب عن كتب، اكثر فاكثر مجرياتها، باعتبارها مقياسا لمبدأ تكافؤ الفرص، ونظرا لما طال مصداقيتها من تآكل متزايد، بسبب العوامل السالفة الذكر، ولعوامل أخرى لا تسمح طبيعة المقال بالإتيان عليها وبسطها جميعها، فان اشكالية معالجة مصداقية الامتحانات الاشهادية المدرسية والجامعية منها، اضحت اكثر من أي وقت مضى، تقتضي المسارعة بإعادة النظر في منظومة التقويم والاشهاد برمتها؛ لا البحث عن اكباش فداء لهذه النازلة او الهروب الى الامام،  ورب ضارة نافعة كما يقال،  فهذا الحدث التسريبي الاخير قد يكون بمثابة الشجرة التي تخفي وراءها غابة، لذا وجب ان يكون مدعاة لفتح نقاشات وطنية يشرف عليها باحثون وخبراء في المجال بما يفضي لوضع حلول ناجعة لمعضلة التقويم والاشهاد بالنسق التعليمي وفق مقاربة شمولية لا اختزال فيها.

ذ. محمد مامو

مفتش التعليم

اليوسفية، 17/06/2015

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

  1. ahmed
    20/06/2015 at 13:35

    chokran

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *