Home»International»السايعنيم أو عملاء إسرائيل النائمون

السايعنيم أو عملاء إسرائيل النائمون

0
Shares
PinterestGoogle+

المصطفى حميمو

نشاهد هذه الأيام بألم شديد ومرير وعلى مدار الساعة تجويع وتقتيل المدنيين الأبرياء من رُضع وأطفال ونساء وشيوخ، المحاصرين منذ سنين بقطاع غزة المنكوب. ونمتعض أكثر من التأييد الكامل والتحيز الأعمى ومن دون رحمة للعدو الصهيوني الوحشي من طرف حكام وإعلام الغرب. فصرنا نصاب بالغثيان لمجرد سماع أصوات هؤلاء وهم ينددون بعملية المقاومة المشروعة لما يصفونها بالعملية الإرهابية. وقد تعودنا من كل محتل ظالم وكل عنصري غاشم على التضليل المكشوف بوصفه للمقاومة الشريفة والمشروعة بالإرهاب. وحسبنا في ذلك المقاومة الفرنسية نفسها التي ظل الاحتلال النازي يصفها بالإرهابية طيلة الحرب العالمية الأخيرة. الشيء نفسه بالنسبة للمقاومة بجنوب إفريقيا الجنوبية التي كان بطلها نيلسون منديلا وكان يصفها نظام الميز العنصري المقيت أيضا بالإرهابية

.

والمقرف والمقزز هو إلحاح هؤلاء المتحيّزين للكيان الصهيوني الغاشم والشرس على طلب إطلاق سراح بضع عشرات أسراهم ورهائنهم الآمنين بيد المقاومة المسلمة والشريفة، في حين لسان حالهم نراه يشي بأنهم يبتهجون ويتلذذون في الوقت نفسه بالانتقام من الشعب الفلسطيني المظلوم والمحاصر بغزة وحتى بالضفة منذ عشرات السنين، والذي يتساقط شهداؤه وجرحاه بالعشرات في كل يوم تحت القصف الوحشي لسلاحهم الفتاك على يد جيش العدو الصهيوني. وكأن دم الصهاينة أزرق وأغلى وأقدس من دم الفلسطينيين الأحمر كدم باقي البشر

.

هذه الوحشية كنا نعتقد، بكل سذاجة، أنها قد ولّت مع النازيين والفاشيين إلى غير رجعة من بعد الحرب العالمية الثانية. لكن في الواقع ومع الأسف الشديد لم يتغير شيء، بل ازداد سوءا مع حكام وإعلام هذا الغرب الذي لا يزال يجرؤ على ادّعاء تفرده بقيم الحضارة وعلى تشدقه في كل وقت وحين بالدفاع عن حقوق الإنسان حيثما انتُهكت على وجه الأرض. أما وقد بُهت الضال والمضلل في حق شعب غزة وسقطت عنه ورقة التوت، فمن الآن فصاعدا لن يصدّقه أحد، على الأقل في العالم العربي والمسلم، متى ما زعم أنه يدافع عنها ولو بحق. لأنه حينها وباستحضار ما يحصل اليوم معه من تحيز أعمى للعدو الظالم في مذبحة غزة سيتذكر بأنه منافق وأنه ما كان يلوح بتلك الورقة النبيلة إلا لابتزاز الحكام الذين كان غير راض عنهم. أما من يرضى عنه فلا شأن له به إن هتك حقوق الإنسان ما دام ليس بأبيض ولا من الغرب

.

وينبغي استثناء شعوب الغرب قاطبة من كل ذلك الظلم في حق الفلسطينيين، وذلك حتى في حال ما تكون ضحية التضليل والتلاعب بمشاعرها. فما خلت يوما ولن تخلو أبدا من النساء والرجال العدول شبابا وشيبا وما أكثرهم، والذين بحسّهم الإنساني النبيل لا يزالون يخرجون بعواصم بلدانهم وبكبريات مدنهم في مظاهرات حاشدة مع إخوانهم من العرب والمسلمين، منددين بالظلم الصهيوني وبكل من يدعمه. وذلك بالرغم من التهديد والوعيد بالاعتقال والسجن حتى في حق طلبة المدارس. وقد رُفعت البطاقات السوداء هذه المرة وخارج الملاعب، في وجه كل اللاعبين الكبار الذين عبروا عن مشاعرهم مع المظلومين وضد الظالمين. وحسبهم وفق هذا الإرهاب الفاشي أن يتألموا ويتوجعوا مما يرون وهم صامتون، بل حتى مع الابتسامة الصفراء على مضض. Souffre et meurs sans parler كما يقال بالفرنسية. إرهاب ودعوة صريحة لإعادة إحياء محاكم التفتيش في ضمائر الناس الأحرار، ولا سيما في فرنسا بلد إعلان حقوق الإنسان والمواطن. ومع كل ذلك الاضطهاد السافر يبقى خير دليل على الحس الإنساني النبيل عند كل شعوب الغرب تصاعد أعداد وأحجام تلك المظاهرات الحاشدة بعواصم بلدانهم وبكبريات مدنهم، ومن دون ولو مظاهرة واحدة صغيرة، على حد علمي، تقف في صف تحيز حكامهم وتضليل إعلامهم

.

وقد كنت من بين الذين يتصورون أنه لا بد من أن يكون من وراء ذلك التضليل الماكر وما ينتج عنه من تحيز أعمى أخطبوط استخباري مّا من عملاء المساد الإسرائيلي، والذي ما كنت أعرف عنه شيئا ملموسا في الواقع. وبالبحث وجدت أن الأمر يتعلق فعلا ومنذ زمن طويل بما يُسمى بالسايعنيم Sayanim. فهم يهود الشتات الذين يتعاونون بوازع ديني أو قومي مع الموساد الإسرائيلي في مجال التجسس والتضليل الإعلامي.

وقد شكلوا الموضوع الرئيسي في كتاب يعقوب كوهين Jacob Cohen اليهودي المغربي المكناسي من مواليد سنة 1944. حصل كوهين على شهادة في القانون من كلية الحقوق بالدار البيضاء [هكذا من المصدر]. ثم درس العلوم السياسية بباريس وهاجر إلى مونتريال وبرلين. وعاد إلى المغرب عام 1978 حيث أصبح أستاذا مساعدا في كلية الحقوق بالدار البيضاء إلى غاية عام 1987. واستقر أخيرا في باريس ككاتب فنُشرت له خمس روايات حتى الآن.

وبمناسبة نشر روايته الأخيرة تحت عنوان « ربيع السايعنيم » Le Printemps des Sayanim أجرى معه موقع Investig’Action مقابلة باللغة الفرنسية بتاريخ 5 نونبر 2011، خلال زيارته إلى بروكسل. وذلك بخصوص شبكة التأثير الخفية هذه، وكذلك حول الوضع آنذاك وتطوره في الشرق الأوسط. ولتعميم الفائدة أوردت في هذه الورقة باختصار شديد وبتصرف أهم ما جاء في مضمون تلك المقابلة. أوله تعريف السايعنيم ثم أساس حاجة الصهيونية إليهم ودورها في نشأتهم وأخيرا نصيبهم في دعم دولة إسرائيل.

تعريف السايعنيم
باللغة العبرية كلمة « سايان » جمع « سايعنيم » تعني المساعد، وتطلق هنا على اليهودي الذي يحب إسرائيل ويتعاطف معها ويتعاون مع الموساد من باب الوازع الديني ولا سيما الوازع القومي. وذلك إما في مجال التجسس أو في الدعاية والتضليل الإعلامي وغيرها. والسايعنيم حيث ما وجدوا في العالم هم، على حد قول الكاتب كوهين، متوزعون على جميع طبقات مجتمعاتهم المحلية. بذلك يخترقون كل المجالات الحكومية والبرلمانية والاقتصادية والإعلامية، ومختلف باقي الأنشطة المهنية. ويعطي الكاتب كوهين مثال عميل الموساد الذي يحتاج إلى مخبئ في دولة مّا فيلجأ إلى مساعدة ميكانيكي من السايعنيم هنالك الذي يجده على استعداد كي يوفر له المأوى الآمن.

وليس للموساد صعوبة في العثور على السايعنيم لتجنيدهم. فمن بينهم أعضاء المنظمة الماسونية اليهودية بناي بريث، التي تضم حوالي نحو خمسمائة ألف عضو حول العالم. كلهم من الطبقة البرجوازية المتوسطة إلى أعلى مستويات المجتمع والمؤيدون بشكل أعمى لإسرائيل. فيكفي منهم لخدمة أسرائيل عُشر عددهم فقط. عددهم بكل فرنسا في حدود خمسة آلاف، وثلاثة آلاف في مدينة لندن وحدها.

أساس حاجة الصهيونية للسايعنيم
يقول الكاتب كوهين أن إسرائيل منذ نشأتها عام 1948 لا تريد السلام. وذلك كمبدأ لا رجعة فيه. ولا ترى سوى قومية واحدة تسكن بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط وهي القومية اليهودية. في البدء اعتبر الإسرائيليون أن هؤلاء العرب جاءوا من الأردن ومن سوريا وأن عليهم فقط العودة إلى هناك، ولا يوجد ما يبرر تعلقهم بالأراضي الفلسطينية. لكنهم فشلوا في تحقيق ذلك الحلم. وفي نهاية الثمانينات صاروا على استعداد للتخلي لهم عن علم، وعن بعض الكانتونات في ظل ما يشبه الحكم الذاتي وما إلى ذلك.

والدليل الملموس على أنهم لا يريدون السلام، هو عدم التوقف عن الاستيطان بالضفة الغربية. وحتى إسحاق رابين، الذي تم تقديمه كرجل سلام، ومهندس الاتفاقيات مع الفلسطينيين، كان قبل كل شيء صهيونيًا قحا وحتى النخاع. فما سمي باتفاقية السلام، مكنته من فتح علاقات دبلوماسية وتجارية مع عدد من الدول المهمة كالهند والصين، التي كانت مترددة في السابق في التعامل مع إسرائيل، وذلك مقابل التنازل للفلسطينيين عما يشبه الاستقلال مع ما يتبعه من عدد قليل من السيارات الحاملة للوحات ترقيم رسمية. فصورة « العربي » في نظر الإسرائيليين كارثية. ومن عاداتهم السائدة هنالك أن يُلصقوا ملصق « الموت للعرب » على الجزء الخلفي من سياراتهم. إسرائيل دولة عنصرية، يقول كوهين، لا ترغب في السلام مع فلسطينيين الذين تحتقرهم بشدة وتعتبرهم مجردين من إنسانيتهم. عنصرية فاحشة وسافرة ما عاد بالإمكان تمريرها من بعد النازية من دون قوة تضليلية خفية وناعمة من حول العالم ولا سيما لدى القوى الغربية.

دور الصهيونية في نشأة السايعنيم
يقول كوهين أن الصهاينة، كتنظيم إيديولوجي سياسي، كانوا قبل عام 1948 أقلية متطرفة في المجتمعات اليهودية. يتذكر هو كطفل في المغرب قادة جاليته اليهودية لما كانوا يحذرنهم من الصهيونية. بل كان الصهاينة أقلية حتى في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. كان يُنظر إلى الصهاينة على أنهم مجانين إلى حد ما. بل حتى في فلسطين لم تكن الصهيونية منتشرة على نطاق واسع، لما كان المتطرفون ينكلون هنالك باليهود الذين يوظفون العرب. حتى أنهم اغتالوا زعيمًا للجالية اليهودية المحلية الذي كان يعارضهم.

وفقط بعد عام 1948 تمكن الصهاينة من وضع أيديهم على التجمعات اليهودية بالعالم وإنشاء ذاك الرابط التلقائي بينهم وبين ودولة إسرائيل. استعانوا في ذلك بنشر الخوف بينهم من حصول إبادة جماعية ومجازر وما إلى ذلك مرة أخرى في حال تخليهم عن دعم وجود إسرائيل. ومن ذلك مثلا، الوزير الإسرائيلي الذي كان يقول أن مجرد العودة إلى حدود عام 1967 ستكون بمثابة الذهاب إلى محرقة جديدة. فيتم تقديم إسرائيل على أنها قلعتهم المحاصرة. في فرنسا مثلا يتم الترويج بين أفراد الجالية اليهودية للانطباع القوي بأن لا شيء يسير على ما يرام، وللتحسيس بأن العالم كله يكرههم، فيتم بينهم الانطواء على الذات مع الاندفاع إلى تعزيز العلاقات بإسرائيل. ويمكن للطلاب اليهود الفرنسيين الدراسة بسهولة في إسرائيل لمدة ثلاث أو خمس سنوات، مع الاستفادة من منح لتغطية جميع نفقاتهم.

ويقول الكاتب كوهين أنه لا داعي للمقارنة بباقي الدول التي لها أيضا جاليات بالخارج تدعمها كذلك بالوازع الديني والقومي. فهناك اختلافات عديدة. تتميز إسرائيل عن باقي الدول بكونها في حالة حرب دائمة كدولة احتلال. ويتميز ارتباط الجاليات اليهودية بالكيان الصهيوني بكونه أقوى من ارتباط غيرهم ببلدانهم.

نصيب السايعنيم في دعم وجود إسرائيل
يقول كوهين أن إسرائيل كما هي عليه اليوم من قوة فبفضل دعم جاليتها في الشتات. دعم معنوي ومادي. وما كانت لتصل إلى هذا المستوى من التطور في كل المجالات من دونه. ومن ذلك مثلا التأثير الإعلامي، من مثل وصف أي شخص ينتقد السياسات الإسرائيلية بأنه معاد للسامية. هذا واضح في العالم الأنڴلو-ساكسوني. ويبدو أن الأجواء في فرنسا مثلا تتطلب شيئا من التستر خوفا من التعرض للانتقاد. فيتم مسبقا اختيار المتعاونين مع الموساد من أعلى هرم المؤسسات الإعلامية. الصحفيون الذين يشغلون فيها المناصب الرئيسية يتظاهرون بالسير في اتجاه النظام القائم، لكنهم في الواقع لا يتبعونه. والذين لا يمتثلون للتوجه المطلوب يتم طردهم بكل بساطة. ويستشهد كوهين بحالة إذاعة فرنسا الدولية (RFI)، التي طردت ثلاثة رؤساء تحرير أو أجبروا على الاستقالة بسبب تعبيرهم عن آراء غير مرضية لإسرائيل فيما يتعلق بصراعها مع الفلسطينيين. ويعرف حالة صحفية من قناة أوروبا 1، التي تحاشى ذكر اسمها، والتي عانت من الكثير من الانتقادات القاسية بعد أن كتبت عن الأطفال الفلسطينيين، لدرجة أنها فضلت ببساطة عدم الحديث عنها مرة أخرى.

ومن ذلك أيضا كمثال ملموس، يورد الكاتب كوهين الطريقة التي تم بها نشر صورة واسم ذلك العريف الإسرائيلي النكرة الذي كان أسيرا بقطاع غزة. وهو ڴلعاد شاليط الذي لا يوجد بلد في أوروبا وأمريكا لا يُعرف فيه اسمه وعمره. فهذه الحالة نفسها، يقول كوهين، توضح تأثير جماعة السايعنيم في مجالات أخرى، ولا سيما الدبلوماسية والسياسية وما إلى ذلك. فوالِدي ذاك الجندي البسيط تم استقبالهما من قبل جميع حكومات القوى العظمى كالمستشارة الألمانية ميركل التي استقبلتهما خمس أو ست مرات وساركوزي عدة مرات وبوش وأوباما والبرلمان الأوروبي. أبوه الذي فرشت له السجادة الحمراء حظي بمعاملة لا تحظى بها حتى أسرة جنرال بإحدى هذه البلدان. فمن وراء كل ذلك مجموعة من السايعنيم، لأن الأمر يتطلب موارد مالية ودبلوماسية كبيرة. ولا تستطيع أسرة جندي إسرائيلي بسيط أن تحشد مثل هذه الموارد بمفردها. لكنه جندي بالجيش الإسرائيلي المحتل لفلسطين.

ويقدم كوهين كمثال ثالث على دعم السايعنيم لسياسات إسرائيل الانتخابات الفلسطينية التي فازت بها حماس بطريقة ديمقراطية. فما أن ظهرت تلك النتائج حتى ارتفعت الأصوات من كل مكان وفي انسجام تام، قائلة إنه لا ينبغي التفاوض مع حماس. وذلك بالرغم من أن المنطق يُملي على البرلمان الأوروبي مثلا أن يقول للفلسطينيين: « حسنا، لقد قبلنا اختياركم، وسوف نتفاوض مع الممثل الذي اخترتموه بشكل ديمقراطي ». فلم تمض بضع أيام حتى انحني المجتمع الدولي لهذه الإملاءات المجنونة كما يصفها الكاتب كوهين، والمؤيدة لموقف إسرائيل. هكذا ظل السايعنيم يقومون بكل ما في وسعهم لمنع تمرير كل ما أرادت إسرائيل تجنبه. وذنب حماس هو كونها غير فاسدة على حد قول الكاتب كوهين.

وقد ساق مثلا آخر حصل في الثمانينيات بمناسبة الاتفاق على إنشاء محطة للطاقة النووية بالعراق. فجاء الطلاب العراقيون للدراسة في مركز ساكلاي Saclay للدراسات الذرية. وكان على الموساد الحصول على كل المعلومات الممكنة المتعلقة بهؤلاء الطلاب، وإمكانية التلاعب بهم، وما إلى ذلك. وفي العادة تتطلب مثل هذه المهمة من الأجهزة السرية، تخصيص عدة أسابيع للاختراق وجمع المعلومات. لكن بالنسبة لعملاء الموساد الأمر كان أبسط بكثير. كانوا قادرين على الاعتماد على مساعدة أحد السايعنيم من داخل المركز، والذي تم الاتصال به فقام خفية بتصوير الملفات المطلوبة، وأعادها إلى مكانها، وسلم النسخ إلى الموساد. في حين أن فرع الكي جي بي السوفياتي كان سيحتاج للقيام بنفس المهمة إلى بضع مئات من العملاء على الأقل.

وفي أخر المقابلة سُئل الكاتب كوهين عن مآل الدولة العبرية مستقبلا. فقال إنه كان يعتقد حينها [وقت المقابلة في 5 نونبر 2011] أن إسرائيل ستزج بنفسها أكثر فأكثر في مأزق الاحتلال الذي سيسود إلى حد يؤدي إلى أزمة كبيرة، وبخاصة مع الاتحاد الأوروبي الذي لن يعود قادرا على تجاهل الوضع في الشرق الأوسط. ومن المرجح أن تكتسب مواقف مواطنيه المعارضة أهمية كبيرة فتمارس ضغوطًا على القادة. ومن الصعب تكهن ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك. فيخشى أن يؤول الوضع إلى مأساة دموية، أو تغيير في موقف القوى العظمى. وفي نهاية المطاف، إذا دعم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إسرائيل اليوم، فمن الممكن أن يتغير ذلك في غضون عشر أو خمس عشرة سنة. وفي هذا السيناريو يعتقد كوهين أن حل الدولة الواحدة قد يكون ممكنا، مع اضطرار الإسرائيليين إلى التفاوض والاستسلام. فعلى المدى الطويل، لا يمكن سوى التحرك نحو حل الدولة الواحدة. ويأمل شيئًا واحدًا وهو ألا يكون الأمر دمويًا.

واليوم 22 من شهر أكتوبر 2023 صرنا نرى فعلا تآكل تأثير أخطبوط السايعنيم رأي العين. وذلك بسبب تأخير الاجتياح البري لقطاع غزة المقاوم من شدة رعب جيش الاحتلال من عواقبه. فيعوضه بالقصف الجوي الفتاك والمدمر على مدار الساعة وعلى مرأى ومسمع من كل شعوب العالم. قصف وحشي تتناقل صور ضحاياه الأبرياء كل وسائل الإعلام العالمية بما فيها الغربية. فصارت معه شوارع العواصم وكبريات المدن تغلي بالمظاهرات الحاشدة والمتصاعدة منددة بهول ذبح شعب غزة البريء. والشيء نفسه على مواقع التواصل الاجتماعي من كل حدب وصوب وبكل اللغات. الأمر الذي فضح حكام الغرب المتواطئين مع الكيان الصهيوني وعرى سوءة إعلامهم المضلل. فاضطروا معه للتخفيف من لهجتهم الهجومية باحثين بلهجة ديبلوماسية عن مخرج من الأزمة التي تورطوا فيها.

فهل ستحقق فعلا نبوءة الشيخ الشهيد أحمد ياسين الزعيم الروحي لحركة المقاومة حماس لما قال منذ ربع قرن في برنامج شاهد على العصر أن سنة 2027 هي سنة نهاية الكيان الصهيوني؟ وهي النبوءة المتوافقة مع ما يُعرف عند الصهاينة بلعنة العقد الثامن الذي لم يتعداه عمر الممالك العبرية السابقة. وعليه فمآل هذا الصراع الذي طال خمس وسبعون سنة سينتهي فعلا ومهما طال الزمن بحل الدولة الواحدة. لكنها دولة فلسطين العربية التاريخية بمسلميها ومسيحييها ويهودها، بدلا من إسرائيل العبرية العنصرية. مثلها في ذلك مثل دولة الجزائر العربية والحرة اليوم من بعد مائة وثلاثين سنة من زيف الجزائر الفرنسية l’Algérie française، التي رحلت برحيل أحفاد المعمرين الفرنسيين الأوائل منذ سنة 1830.

وشماتة ومأزق تلك الهجرة المعاكسة والجماعية للمستوطنين الصهاينة عائدين إلى ديارهم ومواطنهم الأصلية هي التي بلا شك يخشاها عموم الغرب اليوم أمام شدة بأس مقاومة الشعب الفلسطيني بدلا من حروب الجيوش النظامية العربية التي تعوّدت على قهرها بدعمه المطلق لجيش الاحتلال. فيخشى أشد خشية من حتمية وشماتة مشهد المستوطنين الصهاينة هاربين من فلسطين كمشهد الهروب من جنوب الڤيتنام سنة 1975 ومن كابول عاصمة أفغانستان مؤخرا. لكنه مع ذلك، سيتخلص أخيرا ومعه باقي العالم من تحمل عبء ذلك الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين. وقد يكون لا قدر الله ثمن حرية وانعتاق الشعب الفلسطيني من نيْر المحتل الغاشم دمويا وباهظا كما خشي من ذلك الكاتب اليهودي المكناسي كوهين. لكن إن حصل ذلك كما هو حاصل اليوم فتلك هي سنة الحياة. ونسأل الله أن يفرج على إخواننا بفلسطين بسلام وينعم بالعودة بأمان على كل من بخارجها بمخيمات اللجوء ومن يرجو ذلك بالشتات.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *