مفهوم المواطنة وحقوق المواطن -الجرء الأول ـ


     2


ملتقى مبادرات التواصل والإعلام والتوثيق فاس
المنتدى المتوسطي الدولي الثاني لجمعيات المجتمع المدني
المنظم تحت شعار:
" الكرامة الإنسانية هي الرأسمال الأساسي لوجود الإنسان "
فاس، أيام: 4 و 5 و 6 يوليوز 2008

مفهوم المواطنة وحقوق المواطن

إعداد الأستاذ: عبد العزيز قريش
يوليوز 2008
عناصر الورقة

ـ استهلال؛

ـ راهنية المواطنة؛

ـ ما المواطنة:

. المستوى اللغوي؛

. المستوى الاصطلاحي؛

. المستوى الإجرائي.

ـ من تاريخ المواطنة؛

ـ أهمية المواطنة؛

ـ بنية المواطنة؛

. مستوى البنية المادية للمواطنة؛

. مستوى دلالة بنية المواطنة؛

. مستوى وظيفة البنية.

ـ تمظهرات المواطنة؛

ـ حقوق المواطنة؛

ـ واجبات المواطن،

ـ ثقافة الموطنة؛

ـ على سبيل الختم.

استهلال:

لن يكون المدخل إلى المواطــنة ســوى اجتماعية الإنسان الطــبيعية والضــرورية، لأن ( الاجتماع الإنساني ضروري ) لطبيعته الاحتياجية للغير ولخدماته من أجل تحصيل منافعه؛ بحكم قصور قدرة الفرد وإمكاناته على تحصيل هذه المنافع. ذلك أنه ( لابد من اجتماع القُدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوتُ له ولهم؛ فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف. وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه ) . وهو الأمر الذي يستدعي تكوين مجتمع إنساني، ينخرط الإنسان فيه ضمن أطر اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية ودينية معينة. تستوجب على مستوى الأفراد إنتاج علاقات مختلفة فيما بينهم، مما يطلب خلق سلطة عامة مؤسساتية تدبر تلك العلاقات فيما بينهم، لأن ( الاجتماع إذا حصل للبشر … وتم عمران العالم بهم، فلابد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم ) . ولهذا ينتظم الفرد الإنساني في المجتمع ومؤسساته المختلفة الرسمية والمدنية بما ينقله من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية، التي بموجب ( هذا الانتقال من حال الطبيعة إلى حال المدنية أوجد في الإنسان تبدلا ملحوظا، إذ أحل، في سلوكه، العدل محل الوهم الفطري، وأكسب فعاله أدبا كان يعوزه من قبل. عند ذاك فقء إذ حل صوت الواجب محل الباعث المحرك الجسماني والحق محل الشهية، اضطر الإنسان، الذي ما كان إلى ذلك اليوم ينظر إلا إلى نفسه، أضطر أن يسير على مبادئ أخرى وأن يستشير عقله قبل أن يصغي إلى ميوله. إنه وإن يكن قد حرم، في هذا الحال، مزايا كثيرة استمدها من الطبيعة، فلقد اكتسب بدلا منها مزايا أخرى كبيرة: لقد انجلت قواه العقلية ونمت، واتسعت أفكاره، ونبلت عواطفه، وسمت نفسه كلها حتى إنه كان يجب عليه ـ لولا أنه تجاوز الحد وأسرف في هذه الحياة الجديدة، مما جعله أحط منزلة منه في الحياة التي خرج منها ـ كان يجب عليه أن يبارك، بلا انقطاع، الساعة السعيدة التي انتزعته من تلك الحياة إلى الأبد، والتي جعلت منه كائنا ذكيا ورجلا، بعد أن كان حيوانا بليدا محدود الفهم … إن ما يفقده الإنسان، بالعقد الاجتماعي، هو حريته الطبيعية، والحق غير المحدود الذي كان له على ما يستهويه ويجنيه ويمكنه الوصول إليه، وأما ما يكسبه فالحرية المدنية وملكية جميع ما يقتنيه … ) . كما تستوجب على مستوى السلطة العامة إنتاج علاقات بينها وبين الفرد في إطار تدبير تلك العلاقات البينفردية والبينجماعية، مما ينقل السلطة العامة للمجتمع على مستوى تدبير تلك العلاقة كطرف محايد إلى طرف فعلي وواقعي في هذه العلاقة قد يظلم هو الآخر، خاصة إذا شُخْصِنَتْ تلك السلطة العامة في الحاكم! فيصبح ( قهر الحاكم للمحكوم وخوف المحكوم من الحاكم، غدر بعضنا ببعض وتسلط بعضنا على بعض ) سمة مجتمعنا، ومن ثم يجب أن تنتظم هذه العلاقة في إطار قانوني يحدد ما للفرد من واجبات وحقوق وما للسلطة العامة التي تختزل في الدولة من حقوق وما عليها من واجبات.

والعلاقات في الفضاء المجتمعي والاجتماعي تفيد وجود وطن يحتوي هذا الفضاء؛ بما يعني أنه ( الحيز الجغرافي الذي تعيش وتعتاش عليه مجموعة بشرية معينة، حيث يتفاعل الأفراد مع بعضهم ومع الأرض التي يقطنون عليها، وذلك على مر الزمان. أي أن الوطن ليس علاقة عابرة، مؤقتة وقصيرة، بل هو مجموعة من العلاقات الإنسانية والعاطفية والثقافية والمادية، عموديا وأفقيا ) . التي تشكل بذاتها دواعي ضبطها؛ بخلق أطر قانونية تحدد مساحة تفاعلها ونتائج فعلها وثوابت وجودها سيما وأنها مرتكزات منطلق المجتمع نحو ذاته فهما وتنظيما وحراكا اجتماعيا، إذ أن المجتمع ( هو الإرادة الجمعية الحرة للمجتمع، التي يختار بها المجتمع منهج الحياة، وشكل البناء الاجتماعي، والعقيدة التي ينبثق منها البناء ) القائم على ( مجموعة من الأفراد، يربط بينها رابط مشترك، يجعلها تعيش عيشة مشتركة. وتنظم حياتها علاقات منتظمة معترف بها فيما بينهم. قد يكون هذا الرابط الأرض، وما يقوم عليها من مصالح مشتركة، كالمجتمع السويسري. وقد يكون الجنس والأصل، وما يتصل به من لغة، وثقافة، وتاريخ، ومبادئ، وهو المجتمع القومي، وقد يكون المبادئ السائدة والمعتقدات المشتركة، وما يتولد عنها من أفكار وعواطف وسلوك، وهو المجتمع العقائدي كالمجتمع الإسلامي ) . فالبناء هذا أخذ يتطور وفق ما اعتراه من مشاكل وقضايا، سعى التطور إلى معالجتها بخلق نظريات وممارسات تنفي عنه آثارها السلبية وانعكاساتها الخطيرة، ويخلص منها إلى التفاهم والشراكة والتشارك والانسجام والوحدة في إطار مفاهيم شاملة ومتجددة.

فتاريخ الإنسانية يشهد على التطورات الحاصلة في المجتمعات الإنسانية نتيجة أحداث كبرى وقعت فيها كالظلم والاستبداد والحروب والإقصاء والتهميش والاستئثار بالسلطة والشمولية في الحكم وغيرها، مما دفع بالإنسان إلى محاربتها ضمن مبادرات فردية أو جماعية بوسائل مختلفة ومتنوعة في الشكل والنتيجة. وتطلبت تحولات اجتماعية كبرى خصوصا على صعيد النظم الاجتماعية والقانونية للدول. الشيء الذي أدى إلى بلورة أفكار جديدة تحاصر كل فوضى أو كل قمع أو عنصرية ممارسة تجاه الإنسان داخل الوطن الذي يعيش فيه. وبذلك فالمواطنة لبس وليدة الصدفة وإنما هي نتاج تراكم تجارب وأحداث وأفكار، عملت في الأخير من أجل الخروج من الكوارث الاجتماعية والسياسية بما ينظم في الغالب البينية بين الدولة والفردـ في تجاه تحقيق ذاته من خلال حقوق وواجبات، وتحقيق ذات الدولة من خلال حقوق وواجبات كذلك.

فهذا المفهوم السحري ـ كما يحلو للبعض الإشارة إليه ـ هو من أحرز في ظل الديمقراطية قصب السبق في الحد من النزاعات المبنية على الاختلاف العرقي والإيديولوجي والعقائدي والقومي واللغوي والثقافي والاقتصادي داخل الوطن الواحد. الاختلاف الذي إذا لم يعالج ضمن إطار المواطنة والمشتركات الأخرى يهدد لحمة الوطن وتفتته. ونحن مازلنا أخيرا نعيش صدى هذا الاختلاف في لبنان. ومنه ألا يحق لنا التساؤل: ما المواطنة؟ كيف تطورت؟ ما أسسها؟ ما دورها في المجتمع خاصة منه السياسي؟ ما مكوناتها وتجلياتها؟ وكيف نغرسها ونحافظ عليها ونطورها؟
تلكم أسئلة مشروعة عند مقاربة المواطنة، ما دمنا أمام مجموعة من المفاهيم المتشاكلة والمتداخلة، التي تتبادر إلى الذهن عند المقاربة. وللمقاربة عناوين كبرى وأخرى صغرى تنتظم تحتها، لعلها تساعد على الفهم والاستيعاب بجانب التطبيق، الذي يشكل حجر الزاوية في ممارسة المواطنة. وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة لابد من إطلالة عن راهنية المواطنة.

راهنية المواطنة:

تشكل المواطنة في الوقت الحالي راهنية المواطنين والدولة على حد سواء، لما تعيشه المجتمعات الإنسانية في عصر العولمة من صراع داخلي بين الطبقات الاجتماعية والسياسية والعقائدية والثقافية والاقتصادية وصراع خارجي بين الدول خاصة في إطار محاولة استحواذ القطب الواحد على الشعوب والدولة وعولمة العالم وفق رؤاها وحيثياتها. الشيء الذي يؤدي إلى انتهاك حقوق الأفراد والدول.وهو ما يخلق اختلافات وخلافات واحتقانات بين الأفراد فيما بينهم، وبين الأفراد والدولة من جهة أخرى، وبين الدول فيما بينهم.

هذا الوضع المتشنج استدعى المواطنة كمرجع لحل تلك الإشكاليات، حيث في ظلها تدبر الاختلافات والخلافات، كما تدبر الحقوق والواجبات مما يخلق جو الارتياح والاطمئنان لدى المواطن والدولة. ومن ثم تتمركز المواطنة مركز الفكر الإنساني الحديث في مختلف مجالاته من كونها المدخل لاستقرار المجتمعات وتطورها ونمائها وترسيخ الديمقراطية بجانب ترسيخ ثقافة المؤسسات وفكرها. ذلك أنه ( يحتل مفهوم المواطنة موقعاً مركزياً في الفكر القانوني والدستوري المعاصر. إذ إن المواطنة، بما تشكل من شخصية اعتبارية لها حقوق وواجبات، وهي أحد الأعمدة الرئيسية للنظريات الدستورية والسياسية المعاصرة. إذ إن الفكر السياسي الحديث يعتمد في البناء القانوني للوطن على هذا المفهوم ويحدد له جملة من الإجراءات والاعتبارات. لذلك فإننا نعتقد أن تطوير واقعنا السياسي والقانوني اليوم، مرهون إلى حد بعيد على قدرتنا على المستويين النظري والعملي لبلورة هذا المفهوم كحقوق وواجبات في الفضاء الاجتماعي والوطني ) .

فالمواطنة تشكل حاليا موضوع الساعة بما تتضمن من تحديدات للعلاقة بين المواطن والدولة من خلال الواجبات والحقوق. وهي التي تعتمد حاليا من كل الفعاليات لرفع التمييز بين المواطنين الواقع باسم العرق أو المذهب أو الدين أو الجنس أو السياسة أو النقابة أو الثقافة أو أي اعتبار آخر، يدخل الفرد إلى خانة معينة ويحاصره فيها بشدة. وبذلك تكون المواطنة المدخل لممارسة الحقوق وأداء الواجبات لكن ضمن مفهوم لها واضح وغير ملتبس لأن ( الوعي بالمفاهيم مسألة في غاية الأهمية لإزالة الخلاف بين المتحاورين ، أو على الأقل تضييق دائرته ولا يخف على أحد لتحديد المعاني والألفاظ من فائدة ، فكثيراً ما يثور الخلاف بيننا في مسألة ما ويشتد الجدال ، ومرد ذلك يكمن في عدم تحديد الألفاظ. يقول ابن تيميه رحمه اللّه " إن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة " ) . فهي ليست خلا كلمات وألفاظ تلفظ على اللسان وإنما هي مضامين تحمل حمولات تؤثر على الفرد وسلوكه وأنماط عيشه بل هي تشكيلات شخصية تعبر عن نفسها من خلال مظاهر الفعل والقول والمشاعر. كما أنها للتمييز بين لأشياء والمواضيع وتحديد حدودها بدقة، فتداخل المفاهيم من خلال دوالها الاصطلاحية تلبس الموضوع والمنهج والنتائج. وعليه بداية لابد من تحديد المواطنة؟

1 ـ ما المواطنة ؟:

بما أن المنبت الحقيقي للمصطلح على المستوى اللغوي غربي وفق ما ذهب إليه أكثر من مختص في المواطنة وأكثر من باحث في شأنها، فقد اختلف فيه اختلافا كبيرا في التحديد والحصر غير أن أساسيات منطلقه البنيوية والمعنمية توحدهم فضلا الحمولة المفاهيمية التي تحيل عليها. والمواطنة تعتبر ( من المفاهيم الحضارية التي افرزها الفكر الحديث من خلال النتاج الفكري للإنسان والذي هو عماد وأساس هذا المفهوم وأيضا من خلال تراكم المنجزات الحضارية في الجانب العملي التطبيقي, عندما حَوّلَ المفاهيم المجردة إلى نظرية عمل تكللت هذه النظريات بمنجزات حية ساهمت في رفع شأن الإنسان وجعلته قيمة عليا. حيث الإنسان هو معيار الحضارة ) . وهذا المصطلح سيتم تحديده في مستويات ثلاث متلازمة هي: المستوى اللغوي والمستوى الاصطلاحي والمستوى الإجرائي.

1.1. المستوى اللغوي:

فالبحث في المعجم اللغوي العربي يفيد أن لفظة " المواطنة " واردة من مزيد الثلاثي الخام المعجمي ( و ط ن ) من خلال الثلاثي المزيد بالألف من وطن، حيث نقول واطن من وطن،و ( الوطن: المنزل تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله؛ وقد خففه رؤية في قوله: ( أَوْطَنْتُ وَطْناً لم يكن من وَطَني، لو لم تَكُنْ عاملَها لم أَسْكُنِ بها، ولم أَرْجُنْ بها في الرُّجَّن قال ابن بري: الذي في شعر رؤبة: كَيْما تَرَى أَهلُ العِراقِ أَنني أَوْطَنْتُ أَرضاً لم تكن من وَطَني وقد ذكر في موضعه، والجمع أَوْطان. وأَوْطانُ الغنم والبقر: مَرَابِضُها وأَماكنها التي تأْوي إليها؛ قال الأَخْطَلُ: كُرُّوا إلى حَرَّتَيْكُمْ تَعْمُرُونَهُمَا، كما تَكُرُّ إلى أَوْطانها البَقَرُ

ومَوَاطِنُ مكة: مَوَافقها، وهو من ذلك. وَطَنَ بالمكان وأَوْطَنَ أَقام؛ الأَخيرة أَعلى. وأَوْطَنَهُ: اتخذه وَطَناً. يقال: أَوْطَنَ فلانٌ أَرض كذا وكذا أَي اتخذها محلاً ومُسْكَناً يقيم فيها. والمِيطانُ: الموضع الذي يُوَطَّنُ لترسل منه الخيل في السِّباق، وهو أول الغاية، والمِيتاء والمِيداء آخر الغاية؛ الأَصمعي: هو المَيْدانُ والمِيطانُ، بفتح الميم من الأول وكسرها من الثاني. وروى عمرو عن أَبيه قال: المَيَاطِينُ المَيادين. يقال: من أَين مِيطانك أَي غايتك. وفي صفته، صلى الله عليه وسلم: كان لا يُوطِنُ الأَماكن أََي لا يتخذ لنفسه مجلساً يُعْرَفُ به. والمَوْطِنُ: مَفْعِلٌ منه، ويسمى به المَشْهَدُ من مشَاهد الحرب، وجمعه مَوَاطن. والمَوْطِنُ: المَشْهَدُ من مَشَاهد الحرب. وفي التنزيل العزيز: لقد نصَركُمُ اللهُ في مَوَاطن كثيرة؛ وقال طَرَفَةُ: على مَوْطِنٍ يَخْشَى الفَتَى عنده الرَّدَى،

متى تَعْتَرِكْ فيه الفَرائصُ تُرْعَدِ وأَوطَنْتُ الأَرض ووَطَّنْتُها تَوطِيناً واسْتَوْطَنْتُها أَي اتخذتها وَطَناً، وكذلك الاتِّطانُ، وهو افْتِعال منه. غيره: أَما المَوَاطِنُ فكل مَقام قام به الإنسان لأَمر فهو مَوْطِنٌ له، كقولك: إذا أَتيت فوقفت في تلك المَوَاطِنِ فادْعُ الله لي ولإخواني. وفي الحديث: أَنه نَهَى عن نَقْرَة الغُراب وأَن يُوطِنَ الرجلُ في المكان بالمسجد كما يُوطِنُ البعيرُ؛ قيل: معناه أَن يأْلف الرجل مكاناً معلوماً من المسجد مخصوصاً به يصلي فيه كالبعير لا يأْوي من عَطَنٍ إلا إلى مَبْرَكٍ دَمِثٍ قد أَوْطَنَه واتخذه مُناخاً، وقيل: معناه أَن يَبْرُكَ على ركبتيه قبل يديه إذا أَراد السجودَ مثلَ بُرُوكِ البعير؛ ومنه الحديث: أَنه نَهَى عن إيطان المساجد أَي اتخاذها وَطَناً. وواطنَهُ على الأَمر: أَضمر فعله معه، فإن أَراد معنى وافقه قال: واطأَه. تقول: واطنْتُ فلاناً على هذا الأَمر إذا جعلتما في أَنفسكما أَن تفعلاه، وتَوْطِينُ النفس على الشيء: كالتمهيد. ابن سيده: وَطَّنَ نفسَهُ على الشيء وله فتَوَطَّنَتْ حملها عليه فتحَمَّلَتْ وذَلَّتْ له، وقيل: وَطَّنَ نفسه على الشيء وله فتَوَطَّنَت حملها عليه؛
قال كُثَيِّرٌ:
فقُلْتُ لها: يا عَزَّ، كلُّ مُصيبةٍ
إذا وُطِّنتْ يوماً لها النَّفْسُ، ذَلَّتِ ) .

وقد أفاد المنجد في اللغة والأعلام من هذه المعاني ونقلها في قوله: ( وطن: يطن وطنا بالمكان: أقام به. وطّن نفسه على الأمر وللأمر: هيأها لفعله وحملها عليه / و ـ البلد: اتخذه وطنا. واطن ه على الأمر: أضمر أن يفعله معه. أوطن إيْطانا بالمكان: أقام به / و ـ واتطن واستوطن البلد: اتخذه وطنا. توطّن تْ نفسه على كذا: حملت عليه/ و ـ البلد: اتخذه وطنا. الوطن: ج أوطان: منزل إقامة الإنسان ولد فيه أو لم يولد/ مربط المواشي. الموطن ج مواطن: الوطن/ المشهد من مشاهد الحرب. المواطن: الذي نشأ معك في وطن واحد أو الذي يقيم معك فيه. الميطان: موضع ترسل منه الخيل في السباق/ الغابة ) ومنه فدلالة وطن متعددة؛ لكن تفيد في أغلبها مكان الولادة والإقامة والتحمل، وهذه تعني التواجد مع الغير في مكان واحد يستدعي المشاركة في تجليات تلك الإقامة والتحمل.

والمواطنة آتية من مزيد وطن بالألف " واطن " والذي يعني الموافقة والمصداقة على الأمر. الشيء الذي لم يذهب إليه بعض منظري المواطنة العرب، وقالوا بأن المواطنة قادمة من لفظة " وطن " بدل واطن. في حين ذهب بعضهم إلى عكس هذا المذهب، حيث ( لم ير أهل اللغة دلالة لهذا اللفظ على مفهومها الحديث إذ واطن في اللغة تعني مجرد الموافقة واطنت فلانا يعني وافقت مراده، لكن آخرين من المعاصرين رأوا إمكانية بناء دلالة مقاربة للمفهوم المعاصر بمعنى المعايشة في وطن واحد من لفظة " المواطنة " المشتقة من الفعل " واطن " فواطن فلان فلانا يعني عاش معه في وطن واحد كما هو ساكنة يعني ساكنه يعني سكن معه في مكان واحد ) . وهي لفظة على صيغة " مفاعلة " كمناقشة، وهي للمطاوعة والمشاركة . وقيل أن ( لغة " المواطنة " صفة بصيغة دالة على المطاوعة والمشاركة، وهي مشتقة مباشرة من اسم الفاعل " مواطن " المشتق بدوره من الفعل الرباعي " واطن " المطاوع المزيد من الثلاثي " وطن " أي قطن وامن في مكان على بقعة من الأرض ) . وأذهب إلى الطرح القائل بأن لفظة " مواطنة " مشتقة من مزيد وطن.

وقد استغرب الدكتور محمد عابد الجابري غياب لفظة " مواطنة " عن المعاجم العربية القديمة، وراح يتقصى جذورها اللغوية والدلالية، حيث قال: (ولاشك أن القارئ سيستغرب معي غياب هذا اللفظ في معاجمنا القديمة المتداولة: "لسان العرب" و"القاموس المحيط"، و"الصحاح"، و"تاج العروس"… الخ. أما في نصوص الكُتاب والأدباء فاللفظ غائب أيضاً، ولم أعثر له على أثر إلا في كتاب "خريدة القصر وجريدة العصر": للعماد الإصبهاني الذي عاش في القرن السادس الهجري (ولد سنة 519 وتوفي سنة 597 هـ) وموضوعه: أعيان وفضلاء عصره من الخلفاء إلى الشعراء… الخ، منطلقاً من بغداد… إلى المغرب والأندلس. وقد وردت كلمة "مواطنة" مرة واحدة في هذا الكتاب الضخم في رسالة نقلها يمدح فيها كاتبها بيت من يمدح بقوله عنها: "مكتسبة من الأشباح القدسيّة علاءً، ومنتسبة إلى الأشخاص الإنسية ولاءً، مترفِّعة عن مواطَنَةِ الأَغفال، ومقارنة أهل السّفال".

وواضح أن معنى "المواطَنة" هنا هو: المصاحَبة والعيش مع… ولم يسعفني الحظ بالعثور على غير هذا النص فيما أمكنني البحث فيه من الكتب. ويكفي أن تكون الكلمة غائبة في المعاجم التي ذكرت… أما كلمة "مُواطِن" (بضم الميم) فهي أقل حظاً، إذ لم أعثر لها على أثر في أي قاموس أو نص (قبل عصر اليقظة العربية الحديثة). لقد وردت كلمة وطَن والجمع أوطان. ومَوْطِن، والجمع "مَواطن" (بفتح الميم). كما ورد لفظ واطَن "واطَنَهُ على الأمْرِ: أَضمر فعله معه، فإِن أَراد معنى وافقه قال: واطأَه – لسان العرب"، كما ورد لفظ "وطَّن" (بتشديد الطاء) إذ يقال: "وَطَّنَ نَفسَهُ على الشيء وله، فتَوَطَّنَتْ: حمَلها عليه".

إذن، لفظ "مواطَنة" ونسيبه "مُواطِن" ليس فيهما من العربية غير الصيغة (مفاعَلة، مُفاعِل) وهي للمشاركة: مقاتلة/ مقاتل، مضاربة/ مضارب. وقد حاولت أن أتعرف على اللفظ الذي كان يستعمله العرب قبل "عصر اليقظة العربية" لأداء مفهومي "المواطَنة" و"المواطِن" كما نستعملهما اليوم في خطابنا المعاصر فلم أجد.
أما قاموس "المنجد" لمؤلفه لويس معلوف، والذي ظهر في ظل "اليقظة العربية الحديثة"، إذ صدرت الطبعة الأولى منه عام 1909، فإننا لا نجد في طبعته الخامسة عشرة التي ظهرت عام 1956، العام الذي بدأ معه العصر الذهبي للوطنية العربية مشرِقاً ومغرِباً، أقول: لا نجد عنده حول مادة "و. ط. ن" إلا ما يلي: "وطن بالمكان: أقام به. وطَّن نفسه على الأمر وللأمر: هيأها لفعله، وطَن البلد: اتخذه موطناً. واطَنه على الأمر: أضمر أن يفعله معه. الوطَن: ج. أوطان: منزل إقامة الإنسان ولد فيه أم لم يولد"، وأيضاً: "مربط المواشي". "المُواطِن: الذي نشأ معك في وطن واحد، أو الذي يقيم معك فيه". وواضح أن الألفاظ السابقة ومعانيها منقولة عن القواميس القديمة. باستثناء لفظين:

- اللفظ ما قبل الأخير أعني "وَطن" ففي تعريفه إضافة لا أصل لها في المعاجم القديمة، وهي قوله "ولد فيه أم لم يولد"؛ فهذا الجزء من التعريف منقول من لغة أجنبية. أما قوله: "منزل إقامة الإنسان" و"مربط المواشي" فهو المعنى الأصيل في اللغة العربية، وقد سبق أن ذكرنا هذا في مقال الأسبوع الماضي.

- يبقى اللفظ الأخير أعني "المُواطن" فهو منقول كله لفظاً ومعنى. ولا يمكن أن يقال هو من "واطَنه" على الأمر، لأن المعنى يختلف. والفعل "وَطَنَ به يَطِنُ وأوْطَنَ: أقامَ"، وصيغة اسم الفاعل منه "واطِنٌ" (مثل: قتل فهو قاتل)، وهذه الصيغة من المهمل وليست من المستعمل.

النتيجة: ليس في مخزون العرب، اللغوي وبالتالي الفكري والوجداني، ما يفيد "ما" يعنونه اليوم باللفظين: "المواطنة" و"المواطن". وكلمة "ما" هنا تفيد النكرة، وقد وضعناها بين مزدوجتين: لتقوية معنى النكرة فيها! ) . وبرر غياب ذلك بقوله: ( لماذا هذا الغياب؟ الجواب هو أن هاتين الكلمتين من الملَكات المترجمة. وليس العيب في أن تنقل لغة من لغة أخرى كلمات وعبارات وأمثالاً ومعارف وعلوماً. فجميع لغات العالم قائمة على الأخذ والعطاء. وقد نقل الأوروبيون كثيراً عن العربية عند ابتداء نهضتهم الأولى في القرن الثاني عشر الميلادي وما زالوا ينقلون (هم يستعملون اليوم كلمات عربية عديدة لأنهم لا يجدون لها مقابلاً في لغاتهم مثل كلمة "انتفاضة" والـ"جهاد" و"طوبيب" toubib أي "الطبيب" بالمعنى العربي الشعبي أي "المداوي" سواء بالعقاقير أو بالسحر؟ -قرأت في بعض النصوص الفرنسية حول هذه الكلمة ما ترجمته: "هذه الكلمة toubib التي دخلت اللغة الفرنسية عام 1898، كانت قد استعيرت من العربية الجزائرية "طْبيب" (بسكون الطاء) التي تدل بالضبط على الساحر sorcier").

ما أريد التنبيه إليه بهذا الاستشهاد هو لفت النظر إلى أن اللغة العربية لم يتم التأريخ لها، لا قديماً ولا حديثاً. وغياب التأريخ للغة من اللغات يؤدي إلى غياب الوعي بالتطور لدى أصحابها. وهكذا فلو توفر لدينا قاموس يضع بجانب كل معنى من معاني الكلمات تاريخ استعمال هذه الكلمة أو تلك، في هذا المعنى أو ذلك، لسهل علينا أن نعرف الآن متى دخلت لغتنا "كلمة "مواطَنة" ونسيبها "مواطِن"، وكيف تقلبت بها الأحوال… الخ ) . والمعجم اللغوي العربي ـ بذهابي إلى أن المواطنة مشتقة من واطن مزيد وطن ـ يفيد بالنسبة للمواطنة الإقامة بالوطن والتعايش فيه مع الآخرين واتخاذه موطنا فهو مواطن، وهو المعنى الذي ينسجم مع موضوع هذه الورقة. والوطن قد يكون أصليا بالمولد أو بالتوطن بالأهل، وقد يكون وطن إقامة بصفة مؤقتة أو دائمة. وقد ذهب الدكتور محمد عابد الجابري إلى التفصيل في
2.1. المستوى الاصطلاحي:

وأما المواطنة في المستوى الاصطلاحي، فإن تحديدها يختلف حسب الحقول المعرفية والتطبيقية التي تشتغل عليها. حسب الفهم الذي يكونه الباحث عنها أو يكونه الفرد عامة حولها، ولكن يوجد حد أدنى من الفهم لمضمون هذا المصطلح، الذي سيظهر مع إيراد بعض التعارف، حيث ( تعدت الرؤية حول مفهوم المواطنة فمنهم من رأى أنها المساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد، ومنهم من رأى أنها خلق المواطن الصالح، وآخرون قالوا أن المواطنة هي رد يف للديمقراطية، ومنهم من رأى حقه المشروع في إدارة شؤون الدولة والمشاركة السياسية وحق تقرير المصير، و ما لا يختلف عليه اثنان أن المواطنة هي جملة من القيم المعيارية تمثل حق الإنسان في الحياة الآمنة الكريمة وفي العدالة والمساواة في الحقوق الاجتماعية لكل فرد في المجتمع بصرف النظر عن جنسه أو دينه أو مذهبه، وكذا حقه في التعبير عن رأيه وانتخاب من يمثله على قمة السلطة السياسية في وطنه ) وأما ألأستاذ محمد المحفوظ فقول عنها في الحقل القانوني والدستوري:( يحتل مفهوم المواطنة موقعاً مركزياً في الفكر القانوني والدستوري المعاصر. إذ إن المواطنة، بما تشكل من شخصية اعتبارية لها حقوق وواجبات، وهي أحد الأعمدة الرئيسية للنظريات الدستورية والسياسية المعاصرة. إذ إن الفكر السياسي الحديث يعتمد في البناء القانوني للوطن على هذا المفهوم ويحدد له جملة من الإجراءات والاعتبارات. لذلك فإننا نعتقد أن تطوير واقعنا السياسي والقانوني اليوم، مرهون إلى حد بعيد على قدرتنا على المستويين النظري والعملي لبلورة هذا المفهوم كحقوق وواجبات في الفضاء الاجتماعي والوطني ) . وقالت نادية الفقير في معنى المواطنة: ( أنا اعلم انه لا يمكن الاعتماد على مبادئ عامة محددة لتحديد معنى المواطنة بشكل دقيق فهو مفهوم تاريخي شامل يختلف من زمان لآخر ومن مكان لمكان و يتأثر بالنضج السياسي والرُقي الحضاري للدولة ، فكما شاهدنا في اللمحة التاريخية لهذا المفهوم من انه تأثر عبر العصور السابقة بالتطورات السياسية والاجتماعية والعقائد المختلفة وبقيم الحضارات والأحداث العالمية الكبرى ، فنجد أن معنى المواطنة في العصر الأثيني يختلف عن معنى المواطنة في عصر الإقطاع واختلف كثيراً عبر العصور اللاحقة من حيث توسع نطاقه فاشتمل على فئات لم يكن يعترف بمواطنتها سابقاً ، كما تطورت أبعادها فأصبحت تضم أبعادا اجتماعية واقتصادية وبيئية بالإضافة إلى الأبعاد القانونية والسياسية ، وبالتالي قد تحمل المواطنة أكثر من معنى فقد تحمل معنى تاريخي ديني أو معنى عرقي أو على أساس الجغرافيا السياسية أو غيرها . إلا أن ذلك كله لا يعني أبداً من انه لا يوجد محتوى أساسي لمعنى المواطنة فمهما اختلفت المعاني لمفهوم المواطنة يبقى هنالك مبدأ أساسي لمعنى المواطنة وهو الانتماء على الرغم من انه هو الآخر يختلف بمعناه من حيث الانتماء إلى الوطن أو الانتماء إلى الموطن الذي يستقر فيه الإنسان أو الانتماء إلى الأمة ) ؛ وبالتالي فإني سأحاول إيراد بعض التعاريف مثل:

ـ المواطنة بشكل بسيط وبدون تعقيد هي انتماء الإنسان إلى بقعة أرض ،أي الإنسان الذي يستقر بشكل ثابت داخل الدولة أو يحمل جنسيتها ويكون مشاركاً في الحكم ويخضع للقوانين الصادرة عنها ويتمتع بشكل متساوي مع بقية المواطنين بمجموعة من الحقوق ويلتزم بأداء مجموعة من الواجبات تجاه الدولة التي ينتمي لها .

ـ المواطنة قانونيا هي اكتساب جنسية ما، مع التمتع الكامل بحقوقها السياسية والمدنية وتأدية واجبات معينة تجاه الدولة.

ـ فالمواطنة حقوق وواجبات، ومبادرة الإنسان ومسؤوليته تجاه نفسه وتجاه الجماعة التي ينتمي إليها، وهذه الحقوق والواجبات لا تمارس إلا في مجتمع عادل وديمقراطي يحرص على المساواة وتكافؤ الفرص وتحمّل أعباء التضحية من أجل ترسيخ هذه المبادئ وحمايتها وفتح آفاق تحسين ممارستها برؤية تتطلع إلى المستقبل وبحماس لا تطغى فيه العاطفة على العقل والحكمة .

ـ للمواطنة كمفهوم، مرتبط بمكونات الدولة، دلالات جغرافية " الإقامة بشكل مستمر في بقعة جغرافية محددة تشكل إقليم لدولة معينة، وهذا هو الأساس الذي اشتقت منه كلمة مواطنة في اللغة العربية " اجتماعية " عضوية الفرد في المجتمع والتي تتجسد ليس عن طريق الجنسية أو البطاقة الشخصية أو جواز السفر ولكن من خلال الهوية والشعور بالانتماء " قانونية " النصوص الدستورية والقانونية التي تنظم—على قاعدة المساواة— الحقوق المختلفة للفرد والواجبات التي عليه تجاه المجتمع، والوسائل التي يتم من خلالها التمتع بالحقوق والإيفاء بالواجبات " وسياسية " وتتحدد من خلال المشاركة السياسية للفرد في مختلف المؤسسات والعمليات السياسية في المجتمع". وتعرف المواطنة بأنها علاقة قانونية " يحددها الدستور والقوانين المختلفة وليس الأمزجة الفردية " بين الفرد " بمعنى الشخص الواحد" المنتمي إلى المجتمع وبين الدولة " ليست القبيلة أو الطبقة أو الطائفة بل الدولة بأركانها الثلاثة: الأرض ذات الحدود الواضحة، الشعب، والحكومة " والتي تحدد، وعلى قاعدة المساواة، مجموعة من الحقوق " للفرد " كحق التعليم والعمل والصحة والتصويت والتعبير والتنظيم، والواجبات " على الفرد للدولة " مثل خدمة الدفاع الوطني، دفع الضرائب، الولاء للشعب. كما يمكن تعريف المواطنة بكلمات أخرى، بأنها "مجموعة من الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحريات المدنية والتي يكتسبها الفرد " قانونيا وفعليا " من خلال عضويته في مجتمع معين وعلى قاعدة المساواة مع غيره من الأفراد. وتقوم المواطنة كما هو واضح من التعريف على ركنين أساسيين هما: المساواة " تعرف المواطنة في بعض الأحيان بأنها حالة من المساواة في الحقوق والواجبات.. " والمشاركة الفعالة في الفضاءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ـ المواطنة هي تمتع الشخص بحقوق وواجبات، وممارستها في بقعة جغرافية معينة، لها حدود محددة، تعرف في الوقت الراهن بالدولة القومية الحديثة التي تستند إلى حكم القانون .
ـ المواطنة في أبسط تعريفاتها تتلخص فيما يلي :
هي قيم وسلوك أي تربية وآداب وأخلاق وتكوين وذوق حضاري وتراث مرتبط بقيم وثوابت المجتمع وفلسفته في الحياة. فهي تتضمن حب الوطن والتعلق به ;والفرد مدني بطبعه يميل إلى غيره وهو إبن بيئته ومجتمعه . فالمواطنة بهذا المعنى تتضمن التزامات أخلاقية واجتماعية تجاه المجتمع والأمة .
أما من الوجهة القانونية فالمواطنة لها علاقة بالجنسية وحسب هذا التعريف هي حيازة جنسية دولة ما، سواء أكانت أصلية أو مكتسبة والتمتع بكل الحقوق والحريات المدنية و السياسية.
فالمواطنة الحديثة تدل على جملة من القيم والهامة منها :
1

- التمسك بالقيم الأساسية الراسخة والمثل العليا والتصرفات الحضارية المشتركة .
2

- المشاركة الفعالة في تسيير الشؤون العامة ويكون ذلك سواء على المستوى الوطني و العالمي .
3

- التمتع بالحقوق والحريات الفردية والجماعية المنصوص عليها في دستور وقوانين الدولة.

ـ وقد ذهب الدكتور محمد عابد الجابري إلى التفصيل في المواطنة فقال: ذلك أنه يجب التمييز بين لفظ "الوَطنيِّ" الذي يقابل في اللغتين الأجنبيتين الرائجتين عندنا (الفرنسية والإنجليزية) لفظ patriote، المأخوذ من patrie بمعنى الوطن. ومنه patriotisme بمعنى الوطنية (حب الوطن والاستعداد للدفاع عنه… الخ)، وبين لفظ compatriote ومعناه الشخص الذي يعيش في بلد واحد مع آخرين، وهذا هو معنى "المواطِن" كما كان يستعمل اليوم في عصر العولمة. و"المواطَنة" بهذا المعنى يعبر عنها بـ compatriotisme، ومعناها وضعية المنتسبين إلى بلد واحد. والجدير بالتنبه هنا أن هذا المعنى لا يتضمن أن الذين يسمون بهذا الاسم compatriote (المواطِن) يحملون "جنسية" واحدة، إن لفظ "الجنسية" الذي نترجم به لفظ nationalité هو مشتق من nation بمعنى أمة أو قومية، وليس من patrie بمعنى "وطن". ولهذا يقال مثلاً للفرنسي أو الإنجليزي أو المغربي أو المصري… الخ: "إن مُواطنك الذي رأيتُه معك أمس هو من جنسية لبنانية، أليس كذلك؟ ويأتي الجواب بـ (نعم)، أو بـ (لا): بل هو من جنسية يونانية"!
لفظ واحد غائب في هذه الجولة، أعني citoyen الذي يعتقد بعض الناس أنه ما زال هو معنى "المواطِن" في عصر العولمة! والكلام في هذا اللفظ ومشتقاته يحتاج إلى جولة خاصة به

فمن المؤكد أن هنالك تعريفات مختلفة منها ما هو بسيط ومباشر ومركب، فلغة ((المواطنة)) صفة بصيغة دالة على المطاوعة والمشاركة، وهي مشتقة مباشرة من اسم الفاعل ((مواطن)) المشتق بدوره من الفعل الرباعي ((وأطن)) المطاوع المزيد من الثلاثي ((وطن)) أي قطن وامن في مكان على بقعة من الأرض، (البيت و القرية و المدينة كل منها وطن، وربما عد المال وطنا في الغربة ) لكن المفهوم المعاصر يتعدى ذلك إلى القوا سم الثقافية المشتركة بين شعب أو امة تقطن رقعة جغرافية لها حدود سياسية تسمى بلادا، فمن حيث الاصطلاح كما في العديد من المصادر و الموسوعات، لا تخرج عن كونها (( انتماء عضويا ينشا من علاقة الفرد بالدولة في ضوء القانون الذي تحدده الدولة فيما يخص الحقوق والواجبات )) وتعريف نمطي من هذا النوع يختزل الكثير من التفاصيل، فبالحقوق والواجبات تصبح ((المواطنة)) عاملا مشروطا من عوامل التعايش بين الفرد والمجتمع من جهة، و بين المجتمع والدولة من جهة أخرى، و تتحدد منظومة الحقوق و الواجبات في ضوء سياسة الدولة وفلسفاتها، كما إن خصوصية المجتمع و طبيعة هويته الثقافية يكسبان الحقوق والوجبات طابعهما الملائم، علاوة على إن مظاهرهما الأساسية متواضع عليها، كواجب الدفاع عن الوطن ودفع الضرائب واحترام القوانين، وحقوق العيش وحرية المعتقد والسفر والتجنس والاشتراك بالشؤون العامة وما إلى ذلك.
ـ عرفت دائرة المعارف البريطانية المواطنة ( citizenship ) بأنها " علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة ، والمواطنة تدل ضمناً على مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات ، وهي على وجه العموم تسبغ على المواطنة حقوقاً سياسيةً مثل حق الانتخاب وتولي المناصب العامة". وعرفت موسوعة الكتاب الدولي المواطنة بأنها " عضوية كاملة في دولة أو في بعض وحدات الحكم ، وان المواطنين لديهم بعض الحقوق ، مثل حق التصويت وحق تولي المناصب العامة وكذلك عليهم بعض الواجبات مثل واجب دفع الضرائب والدفاع عن بلدهم " وعرفت موسوعة كولير الأمريكية بأنها "أكثر أشكال العضوية في جماعة سياسية اكتمالاً " .
ـ المواطنة هي علاقة بين الفرد والدولة يحددها الدستور بما ينص عليه من حقوق وواجبات للمواطن. ومؤداها حب وإخلاص المواطن لوطنه وخدمته له في أوقات السلم والحرب، وتشمل المواطنة مفهوم الانتماء والذي يعني انتساب الفرد لكيان ما، يكون منصهراً فيه شاعراً بالأمان في أرضه، محباً له ومعتزاً بهويته، فخوراً بالانتساب له، وفي ذات الوقت منشغلاً بقضاياه وعلى إدراك بمشكلاته، وملتزماً بقوانينه وقيمه، ومراعياً للصالح العام ومحافظاً على مصالحه وثرواته، غير متخلّ عنه حتى في أوقات الأزمات والمحن. لذا فالمواطنة هي البوتقة التي تنصهر فيها جميع الانتماءات لصالح انتماء واحد فقط هو الوطن، دون أن يعني ذلك إلغاء الانتماء للقبيلة أو الأسرة أو المنطقة أو خلافه، وإنما يعني عدم تعارض هذه الانتماءات للانتماء الأكبر للوطن.
ـ وورد في الموسوعة السياسية: أن المواطنة هي " صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماؤه إلى الوطن "، وفي قاموس علم الاجتماع تم تعريف المواطنة: بأنها مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي "دولة" ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول "المواطن" الولاء، ويتولى الطرف الثاني الحماية، وتتحدد هذه العلاقة بين الفرد والدولة عن طريق أنظمة الحكم القائمة، ومن منظور نفسي: فالمواطنة هي الشعور بالانتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية التي هي مصدر الإشباع للحاجات الأساسية وحماية الذات من الأخطار المصيرية، وبذلك فالمواطنة تشير إلى العلاقة مع الأرض والبلد.
ـ تعريف مصطلح المواطنة على النحو التالي : تعود كلمة civic إلى أصل الكلمة اليوناني القديم Civis،

والتي تعني ( المواطن ). وبهذا فالتربية المدنية معنىَ ومبنىَ هي تربية المواطن، خاصة بما هو ذات قانونية لها حقوق ومصالح وعليها واجبات وقد جاء في قاموس oxford إن المواطنة citizenship تعني :أن يكون المواطن مواطناً لبلاد معينة بالحقوق والواجبات .وقد وردت citizenship أيضا بمعنى " الجنسية " وتعني انتساب أو انتماء القرد إلى شعب الدولة بوصفه عنصراً من العناصر المكونة لها " ويرى فقهاء آخرون أن الجنسية هي: نظام قانوني يكفل التوزيع الدولي للأفراد على مختلف دول العالم ….. وتنعكس آثار هذا التوزيع الدولي على الحياة القانونية للفرد وتمس قدرته على كسب الحقوق وتحدد مركزه القانوني في علاقته بالدولة التي ينتمي إليها وسائر الدول الأخرى ….."وبمعنى ما فإن المواطنة تعطي الإنسان بالدولة التي ينتمي إليها وسائر الدول الأخرى …." وبمعنى ما فإن المواطنة تعطي الإنسان صفته الوطنية والإنسانية.لأن الانتماء إلى بلد ما في المنظومة العالمية هو في نفس الوقت انتماءً إلى العالم، غير أن هذا البعد بمستوييه الوطني والإنساني بما يتضمنه من حقوق وطنية وإنسانية أمر منقوص الحضور قي البلاد العربية وسيئ الحظ كثيراً فيها، بسبب تغليب البلاد العربية للواجبات، على كافة الحقوق .كما أن المواطنة تعني الانتماء إلى وطن ما على المستوى الجغرافي .
ومن خلال هذه التعاريف نجد أن الحقوق والواجبات ضمن إطار من الأخلاقيات والقيم والمشاعر والارتباطات الروحية هي المؤثث للمشترك بينها بما يطلب تحديد تعريف إجرائي للمواطنة، يجمع بين تلك التعاريف.

عبد العزيز قريش


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

2 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. Anonyme
     

    شكرا لقد افدتمووووووووووونا

     
  2. mustapha
     

    تحية التقدير والاحترام عمل ممتاز

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*