Home»Histoire»لمحات من تاريخ الجهة الشرقية

لمحات من تاريخ الجهة الشرقية

1
Shares
PinterestGoogle+
 

تاريخ الجهة
الشرقية

          احتلت وجدة في تاريخ  المغرب الوسيط ، كما في تاريخه المعاصر ، مكانة
لا تقل في مستواها عن أهمية الحواضر الكبرى  كفاس  ومراكش وتلمسان وتونس
والقيروان ، اذ لم تكف منذ انشائها  عن
المساهمة في بناء أحداث الغرب الأسلامي  بشكل اقوى ، بل تزايد دورها السياسي  في مرات  عديدة ليطبع أحداث  المنطقة بصبغة مغربية ،  وغير ما مرة أقام المروانيون  سياسة دولتهم  على ضوء تفاعلات  الأحداث في منطقة
نفوذ مدينة وجدة ، وعلى هديها ، بنت خلافة آل عبيد  سياستها المغربية .

         ان شخصية بمثل هذه الأهمية  والاستثناء والغنى ، بوأت في العصر  الوسيط المغرب الشرقي بأكمله ، كما سنرى ،
صدارة ناريخ المغرب  العام بشكل أصيل  وأكثر عمقا  بل وتفردا، وهو ما دفع احد  الباحثين  المعاصرين  الى استنتاج  ان المغرب  » بدون  وجدة لن
يكون وطنا  » ونظرا لما لوجدة من اهمية تاريخية ن فان اسمها لا يشذ عن قاعدة
الغموض الذي اكتنف تاريخ ومعاني أسماء المدن المغربية الأخرى  مع بداية نشأتها وتطورها ، لذا يبدو ان اغلبية
الباحثين  الذين تطرقوا لتاريخ المدينة
اعترضتهم مجموعة مشاكل صعبت تقدمهم على طريق البحث التاريخي.

          ان ما للبحث الطبونيمي من اهمية  في جلاء بعض  جوانب نشأة الحواضر  من خلال معاني
اسمائها، يعتبر بالنسبة لمدينة وجدة ، وبحكم ترتيب الحروف المكونة لأسمائها ،
ارضية خصبة للتأويل . وقد ساعد على ذلك  الأنعدام التام لكثير من ادوات البحث والتقصي من اركيولوجيا ولسانيات
بالأضافة الى فقر المصادر ، ويخيل الينا ان اسم المدينة  الأخير ظل عنوانا جوهريا لقسم مهم من تاريخ
المنطقة …

          تاريخية اسم مدينة وجدة .

________________

          ان ما يزيد تاريخ وجدة غموضا ، ويصعب
استنباط الحقيقة نسبيا على الأقل ، ابراز  المصادر لأسماء عديدة ومتضاربة لهذا المكان ، وفي هذا المضمار يخبرنا  ‘ مارمول ‘ ان بطليموس  يجعل  » هذه المدينة  في الدرجة الثانية  عشرة طولا والثالثة والثلاثين  عرضا ويسميها لآنكار  » وبرجوعناالى
الخريطة الطبوغرافية  للمنطقة  نجدان توطين بطليموس للمدينة داخل سهل
انكاد  يتوفر على كثير من الدقة ، لكن ما
يغلب على الظن ، فيما يتعلق بالأسم  الذي
اورده  مارمول نقلا عن بطليموس  ليس الا تحريفا لأسم انكاد ن وان بطليموس
استبدل  خطاء او تحريفا الدال بحرف الراء
وهو امر شائع بين المؤرخين الذين يكتبون  عن غير بلدانهم ، وحتى وان وافقنا  بطليموس  فيما ذهب اليه  فان الأسم لا يخرج  عن كونه  معطى أمازيغي محلي  يقابله في  العربية معنى  » ألأخير  » اة  »
ألآخر  »  وهو امر ممكن  ان يفتح جملة من الأفتراضات  نفتقر لوسائل  الحسم فيها .

          اننا نميل بحكم معطيات تاريخ المنطقة
الى تغليب  اسم انكاد كأسم لمدينة
وجدة  القديمة ، وهو اسم يمكن ترجيحه ،
وعلى ما يبدو  قد يكون مأخوذا  من اسم السهل الذي  تقع فيه هذه المدينة ، وانكاد في اللغة
الأمازيغية يعني  المنبسط من الأرض .

          وفي عهد الدولة الأدريسية  حمل موقع المدينة اسم  الحيرة ، وهو اسم عربي  كما يظهر من رسمه ، لكننا لا نملك  اية شواهد تدل على كيفية تسرب هذا الأسم  الى المنطقة، اللهم الا تطابقه مع اسم مدينة
الحيرة العراقية وبعض  الأفتراضات  الضعيفة التي انفرد بها أحد  الباحثين  في تاريخ وجدة ، وهي أمور تزيد من التعتيم على حقيقة تاريخ المدينة .

          وفي القرن الحادي عشر  يخبر البكري ان وجدة ليست مدينة واحدة بل
مدينتان  » مسورتان أحدث احداهما يعلي بن بلغين  » (5) ويبدو ان المدينتين  كانتا متجاورتين  كما هو الحال  بين عدوتي فاس  ، ودليلنا  في ذلك قول البكري   » والجامع خارج المدينتين « (6) وهو
امر يجرنا  الى الجزم  بان سكان  المدينتين  كانوا يقيمون صلواتهم  سويا  لقرب المسافة بينهما ،  ويتحدث صاحب
الأستبصار  ( ق12م) عن مدينة وجدة  كمدينة واحدة (7)  وهو ما ينهض دليلا على ان وجدة  وحدت شطريها فيما بعد  ن لكننا لا نملك  دليلا  قويا على مراحل هذه الوحدة، وان  كنا نرجح تحقيق الوحدة في ظل  زمن
ازدهرت  فيه المنطقة اقتصاديا .

          لكن  ما ان يكاد الباحث  يطمئن الى هذه
الوحدة  ، حتى يفاجاء بوجدة مع نهاية
الدولة المرابطية تتحول ، عند البيدق ،  الى وجدات (8)  وهو ما دفع عبد الوهاب  بن منصور الى القول  ان  » وجدات جمع وجدة المدينة  المغربية الشهيرة ، كانت في بدايتها  تتكون من عدة قرى  منفصلة عن بعضها  بأسوار  فكانت تدعى  بسبب ذلك  وجدات  ، ولما ضمت القرى  المذكورة الى
بعضها وصارت مدينة واحدة دعيت وجدة بألأفراد  » (9).

          وفي اعتقادنا ان هذا الاستنتاج  في منطقيته  يدعونا ، بقوة الأحداث  الى تغليبه
على ما سواه ، خاصة وان زعيم صنهاجة يعلى بن بلغين سمى مدينته  وجدة كما فعل زيري بن عطية قبله ، ولا غرابة
اذا كانتا تجمعين بشريين يحملان  نفس الأسم
الذي حملته  من قبل  أماكن عديدة حسب ما أوردته المصادر التي تطرقت
للحديث عن المنطقة ، حقيقة ان اسم وجدة  يثير كثيرا من الأستغراب  والفضول  معا ، ذلك ان  الأسم في حد ذاته  غريب عن هذه البيئة  التي عاش فيها ، لأن هذه الأرض ظلت مجالا
منعيا  لآنتشار القبائل  الأمازيغية  التي حافظت بقوة  على ثقافتها  على  الأقل  الى حدود عصر الوزان  ، حيث كان السكان يتكلمون   » اللغة الأفريقية القديمة  » (10) في
حين سجل مارمول  ، وهو متأخر ، ان سكان
البلاد  »  يسرعون في كلامهم  حتى لا يكاد يفهمهم غيرهم  » (11) مما يزيد
من غلبة  الأعتقاد بأن  الكلمة غريبة تماما ، الا ان تاريخ
المدينة  لا يعدم بعض التفسيرات  التي تحاول ايجاد  مكان  لهذا الأسم  ضمن التاريخ المغربي ،
وتربطه بحادث اغتيال  ادريس الأول سنة 175ه
/791م وادراك مولاه راشد لسليمان بن جرير الشماخ  في مكان قريب من وادي ملوية وهو تفسير مرجوح لبعد المسافة بين الموقعين ،
كما اجتهد آخرون  وعزوا ظهور هذا الأسم الى
قترات الأزمات  الدورية  التي ميزت تاريخ المغرب ، فجعلوا من وجدة
 » وجدة  » اي كمينا  تنصبه
القبائل ضد قوافل  التجار ، وهو في نظرنا
اجتهاد غير موفق  لبعده عن الصحة  من وجهة النظر العقلية ، لأن نفس الأحداث او
أحداثا  مشابهة  كانت  تقع في كل ارجاء الشمال الأفريقي  ولم يحمل فيه اي  مثل هذا الاسم .

          غلبنا سابقا رأي المؤرخ عبد الوهاب بن
منصور لأنه كان اقرب  الى المنطق في تصورنا
، وهو اجتهاد يجد  تبريره  في بعض الحوادث  التاريخية المتباعدة ولكنها متكاملة  في منطق التاريخ اذا ما وضعت  في سياقها ، وعولجت كمعطيات  تستحق الأهتمام .

          يذكر الحموي وجدة في معجمه  كما يذكرها الحميري  مرتين  متتاليتين (12): تكلم في الأولى  عن
وجدة كحصن من حصون  يهود خيبر ، وفي
الثانية عن وجدة كمدينة مغربية  واستمر
بعدها في وصف معطياتها الأقتصادية .

          قد يتساءل متسائل  عن جدوى هذه الأستشارة  ما دام المؤلفان لا يضيفان  جديدا في الموضوع ، صحيح  ان الأمر  قد يدو في الوهلة الأولى كذلك ، لكن العكس في نظرنا  هو الأصح ، فاسم وجدة عربي  ومن يقول عربي يقول مشرقي ، دخل المنطقة على
وجه الأحتمال  في القرن السابع للميلاد
(ق1ه)ذلك ان المصادر العربية الاسلامية  تخبرنا باسهاب  عن الهزائم التي
تكبها  يهود شبه الجزيرة العربية  في صراعهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وقد وصفت خسائرهم في جل  المصادر العربية
الاسلامية بانها كانت كبيرة …حيث توطن بنوا النظير وبني قينقاع في خيبر  ،  لكنهم ما لبثوا ان طردوا منها نهائيا  – نتيجة مؤاماراتهم ضد رسول الله وضد خلفائه – في عهد الخليفة الثاني  فرحلوا الى الشام  وأماكن أخرى ، وتتحدث بعض المصادر عن  مجيء اعداد مهمة من يهود شبه الجزيرة
العربية  الى المغرب على عهد الرسول صلى
الله عليه وسلم ، وبشكل اساسي يهود خيبر ، وذلك قبل مجيء قوات الفتح الأسلامي بوقت
قليل ، (13) ولم تكن هجرتهم هذه بأول هجرة لهم نحو المغرب بل كانت قد سبقتها في
ازمنة تاريخية قديمة هجرات أخرى اضطروا اليها بفعل ظروف سياسية صعبة ، فكلنوا بذلك   » اول مجموعة غير بربرية وفدت الى المغرب
 » (14). وفي غياب اي اثبات  مع قوة
هذا الأحتمال ، نرجح ان جزءا كبيرا من سكان حصن وجدة من أرض خيبر قد نزح الى
افريقيا الشمالية وتابع سيره  بعيدا عن
مخاطر  الشرق . وربما كذلك  لأنهم كانوا  يمتلكون  معلومات  جيدة عن وجود قوات يهودية  ذات نفوذ قوي  بين القبائل الأمازيغية (15) واسبانيا القوطية  ، وبالضرورة كان نزولهم بأنكاد أمرا طبيعيا لما
توفره المنطقة من اسباب ألأمن والعيش الواسع ، فانتشر القادمون فيها مكونين  مجموعات متجاورة  داخل قرى غير متباعدة  تحتفظ كل منها باسم الحصن الذي وفدت منه كذكرى
من ارض خيبر، ويحتمل حسب فوانو ، ان يكون تفرق  هؤلاء اليهود على وادي تايرت  في
قرى متقاربة ، بفعل العمليات  العسكرية للطلائع
الأولى للفاتحين الأول (17) ويدل على وجاهة هذا الرأي  وما ذهبنا اليه  ان بقايا القرى والتي لا توجد قرى غيرها  ، شكلت حصونا  منيعة شديدة الجيرة ، كما ان وجود مقبرة يهودية  ذات مساحة واسعة على الضفة اليمنى  لوادي تايرت تعتبر دليلا ماديا لا يرد على
استقرار جالية يهودية ، ربما قبل الفتوحات ألأسلامية بالمغرب الأقصى  كما تحمل عين في نفس المنطقة ، والى يومنا
هذا  اسم  » عين ليهودي « 

          ساعدت هذه الظروف  الطبيعية  مجتمعة ان يضرب هؤلاء  الوافدون
بجذورهم بعيدا في تربتها ويحتفظون بشخصيتهم المتميزة ، ولم تغب مساهمانهم اطلاقا
في التأثير على مجريات تاريخ المنطقة الى يومنا هذا.

          اذن  نعتقد ان اسم وجدة ربما كان وثيق الصلة بالأحداث السياسية التي طبعت حياة
اليهود في البداية بلمشرق العربي ، وبعدها في بلاد المغرب ، ان ما يسند افتراضنا
ان هذه الطائفة من يهود حصن وجدة الخيبري الذين كان لهم مع الأسلام  الصاعد جولات خاسرة . انتهى بهم المطاف الى
الاستقرار  في هذه المنطقة الغنية  من المغرب الأقصى بمعطيات  تاريخية  يهودية – أمازيغية ، لأن المصادر تجعل  من هذا المكان  الذي ينحصر  بين ملوية وتلمسان  مرتعا لقبائل  ندرومة وغياتة وجراوة ومديونة وفزاز (22) وهي قبائل عريقة في اليهودية ،
سيكون لآسهاماتها مع الوافدين من العرب اليهود ، في مواجهة الفاتحين المسلمين ،
شأن كبير في بناء تاريخ المغرب  السياسي.

___________________

بداية الصراع
السياسي  في المنطقة :

___________________

          ان المتتبع لصراع السياسي الذي طبع
العلاقات  ألأموية – الفاطمية ، لا بد ا
ينتهي الى بناء مدينة وجدة لم يكن الا نتيجة حتمية  لهذا الصراع ، الذي يعتبر امتدادا  لا حقا لصراع قديم على هذه المنطقة يعود بنا
الى سنوات  الفتح الأولى او قبلها …لعل
ما أعطى هذه المنطقة أهمية خاصة في التاريخ السياسي للغرب ألأسلامي ككل ، هو ما
توفرت عليه قديما من معطيات أمنية واقتصادية ، حولت خوف  القادمين اليها الى امن ، وأكرمت وفادتهم بأرض
قل نظيرها  عطاءا ، من ذلك ، ان الفلول
الأولى من القبائل اليهودية – الأمازيغية التي اضطرت في القرن الثالث  الميلادي  تحت ضغط الزناتيين من اتخاذ المنطقة  مستقرا لها ، وكان من بين هذه الفلول  فصائل من قبائل جراوة وغياتة ومديونة  وندرومة ، كما ا العنصر اليهودي الذي يفتقد الى كل  سند أ مني او اقتصادي او سياسي او ترابي استطاع
بفضل المكونات  المثالية للمنطقة ان يستقر
بها ويضرب  بجذوره بعيدا في  أعماق القبائل ألأمازيغية ، التي اعتنقت ديانته
السماوية  ويجعلها موطنا ثانيا له .ان هذا
الامتياز الطبيعي  كان ايضا سببا رئيسيا فس
اندلاع  أوار العدا بين القبائل  القاطنة  بالمنطقة ، وتحوله الى عداء تاريخي ، كما كان الحال مع زناتة  وصنهاجة او بين فصائل القبيلة  الواحدة  كما تخبرنا  المصادر عن ذلك فيما
يخص نموذج  مغراوة وبني يفرن .

          مع قيام دولتي  الشيعة بافريقية والأمويين بالأندلس استحكم
العداء بينهما بفعل سياستهما  في المغرب ،
فأوجد الزناتيون  لأنفسهم  في هذا العداء مكانا الى جانب بني أمية ،  وتمترسوا فيه  ضد الصنهاجيين الذين عملوا بدورهم على التمسك بخدمة الشيعة …تحول العداء
الزناتي الصنهاجي الى ظل باهت للصراع  الأموي الشيعي الذي لم يستند  في
حقيقة الأمر  على اية قاعدة اديولوجية  كما قد يتخيل ، بل اصبح محكوما بكميات  الذهب وعدد العبيد الذين تقذف بهم المسالك
التجارية  الكبرى في بلاد المغرب والأندلس
، اذ ان قادة الشيعة  الأول  خاصة  عبيد الله المهدي ( ت 312ه/924م ) لم يكن لتغيب عنه  أهمية هذه  الطرق في الحياة الأقتصادية  والأستقرار السياسي  لدولة بني أمية
، لذلك حاول منذ قيام  دولته ، خلق المتاعب
الكثيرة لجيرانه ، بل ذهب الى حد مزاحمتهم  في مناطق نفوذهم وهو ما دفع الأمويين الى تدارك الأمر  واتخاذ عدة اجراءات  وقائية أججت نار تناقضاتهما ودفعت بالصراع الى
مراحله القصوى  فكانت اهم نتائجه :  التداول العنيف  بيهما للسيطرة على المحطات التجارية الكبرى .

          لما تولى المعز لدين الله  الفاطمي ( 952م – 975 م ( الحكم عمل جاهدا  قبيل رحيل دولته الى مصر  على تأمين خليفته اقتصاديا ، وذلك بتليم المغرب
الى حلفائه من صنهاجة ، لكن زناتة  حلفاء
بني أمية انتهزوا فرصة خروج  الجيش
الفاطمي  سنة ( 358 ه / 968 م )  لغزو مصر فاكتسحوا مناطق النفوذ الشيعي
واستولوا على كل المسالك  التجارية
الصحراوية ،  ونظرا لبعد المعز بمصر فقد
وجه ضدهم  حلفاءه الصنهاجيين  بقيادة يوسف  ابن زيري  الذي اعترف بعد بضع
سنوات  من القتال  بسيادة بني أمية على المغرب الأقصى وذلك
سنة  ( 371ه – 981ه )…. ان ذلك
العنف  وتلك الضراوة التي كان يدور بها
الصراع  بين الأمويين والشيعة  وانزلاق الصنهاجيين والزناتيين  الى رحى هذه الحروب  يجد تبريره فيما  اورده المقريزي  في هذا الصدد  وهو يصف استعداد المعز للرحيل  عن
أفريقية  نحو مصر فيقول  :  » ولما عزم المعز  على الرحيل الى مصر أتاه بلكين  بن زيري بألفي جمل من ابل زناتة  ، وحمل ماله بالقصور من الذخائر  وسبك الدنانير على شكل الطواحين ، جعل على كل
جمل قطعتين  في وسط كل قطعة  ثقبا ، تجمع به القطعة الى الأخرى ، فاستعظم
ذلك  الجند والرعية وصاروا يقفون  في الطرق لرؤية  بيت المال المحمول  » (27). ان هذا العيار
الثقيل  من ذهب افريقيا  كان بمثابة  مدفع استخدمه الشيعة  في دك
حصون  العملة العباسية استعدادا  لغزو ارض الخلافة ، ولم يكن الأمويين أقل خطاء
من بني عبيد ، ونحن نجزم انه  بدون مثل هذه
الؤية  الى الجانب الأقتصادي  لا يمكن  رصد ابعاد بناء مدينة وجدة ولا تفسير  الصراع السياسي الذي حكم علاقات الزناتيين بجيرانهم  من صنهاجة .

___________________________

الصراع
الصنهاجي  الزناتي  وبناء مدينة وجدة

_________________________

          لما استعاد امويو  ألأندلس  نفوذهم  بالمغرب ، وراقبوا طرقه
التجارية ، تضررت مناطق افريقية ، وظهرت اولى تفاعلات أزمتها السياسية ، عندما
أحكم زيري بن عطية قبضته من فاس على كل انحاء المغرب ، فقوى سلطانه وارتفع شأنه
وهو في ذلك متمسك بدعوة بني مروان ، وذلك بتمرد ابي  البهار  بن زيري  بن مناد الصنهاجي على ابن
أخيه  منصور بن بلغين  وانتقاله الى تأييد المروانيين ، لكن ما لبث
بعد شهرين  ا نقض عهده  معهم ، فكانت بداية صعود  نجم زيري  بن عطية  الذي لم تستعن  قرطبة قط  عن دوره العسكري ….توصل زيري بن عطية  من المنصور بن أبي عامر  بعهد على
جميع بلاد  ابي البهار ، فامتلكها بعد طرده
للصنهاجيين  ، فاتسع ملكه  من السوس الأقصى الى الزاب ، ليراقب طريق
سجلماسة – فاس – الزاب  الغني بتجارته  ، لذلك استدعاه المنصور  بن ابي عامر  ولقبه بالوزير واكرمه  ، وعجل
بسراحه الى عمله بعد ان جدد له  عهده  على المغرب  وعلى جميع ما غلب منه …ويبدو ان ارسال زيري بن عطية على وجه السرعة الى
المغرب  من قبل المنصور كان بسبب
المشاكل  الدائمة التي كا يثيرها  يدو بن يعلا  اليفرني في وجه قرطبة من جهة لعدم انقياده لها ، ومن جهة أخرى بسبب منازعات  ومنافسات على الرياسة بالمغرب  مع زيري بن عطية ، اذ اهتبل غياب  الزعيم المغراوي ليحتل فاسا  ويعلن نفسه زعيما على المغرب لكن هزيمته ومقتله
سنة 383ه / 993 م
على يد زيري بن عطية  ادى الى نتيجتين
اساسيتين  رجحتا كفة المغراويين في الغرب
الأسلامي بزعامة زيري ، اولاهما : سحب آخر ورقة ضغط  يمكن لقرطبة ان تسخرها  ضد زيري في حالة  حدوث النفرة ، والثانية  ان زيري صفا له امر المغرب  ولم يبق له به منازع  ، وهابته الملوك ، ولما علم ان المغرب اصبح له
شدد العيد لحكام قرطبة ن  وبدا ان الطلاق
السياسي امر لا مناص منه ، لذلك فكر في بنا ء مدينة  تكون خاصة به  وبقومه وأرباب دولته ، بعيدة المنال على قرطبة  وعن اعدائه  الصنهاجيين  من حلفاء بني عبيد ،
لذلك اختار مكانا  بعيدا في شرق
المغرب  الأقصى وغرب المغرب  الأوسط  بموقع قرية  تسمى غالبا  وجدة ،  » فبنى وجدة  وشيد اسوارها وأحكم قصبتها  وركب ابوابها وسكنها بأهله وحشمه  ونقل اليها امواله  وذخائره  وجعلها قاعدة ملكه  لكونها واسطة
البلاد  وثغرا للعمالتين (37) » وكان
ذلك سنة  ( 384 ه – 994 م )

*وجدة في عهد
المرابطين والموحدين :

————————————

باجتياح
المرابطين للمغرب واسقاطهم دولة بني زيري بفاس  ، كانت الظروف في عمومها تتهيأ  لصالحهم اقتصاديا وسياسيا …أعاد يوسف بن تاشفين  ترتيب بيته  الذي كان لابد  وأن يبدأ بالضرورة
من مدينة وجدة ، ومحيطا بالمغرب ا الشرقي ، وينتهي بمنطقة مراكش ، التي ستبنى بها
عاصمة اللمثونيين  لينقلوا اليها  مركز ثقلهم النقدي والأقتصادي الذي استأثر به
أغمات ردحا من الزمن  حتى تستقيم لصالحهم
الحركة التجارية بين السودان والشمال والشرق ..

لم يكن دخول
المرابطين لمدينة وجدة نهاية  للوجود
الزناتي بالمنطقة ، بل كان دفعا جديدا لتنشيط الصراع  الذي لم يحسم بمفاوضات  السلام الصنهاجية – الزناتية  بضواحي وجدة ، اذ كان لفشلها وخيم الأثر  على المدينة  » حيث امست وجدة أثرا بعد عين
 » .

        ولما هلت دولة الموحدين ، لم تكن حاجة
عبد المومن بن علي  اليها بأقل من رغبة
يوسف ابن تاشفين  في امتلاكها ، فرأى ان
توحيده  للشرق كله لن يتحقق الا بتتويج
وحدة وجدة لذلك حل بها  وأخذها ووحد أهلها
وكان ذلك سنة  539ه / 1147م.

       وبعدها بخمس سنوات ، نصب ابنه أبا حفص عمر
واليا عليها  وعلى تلمسان  ، الا ان المصادر تغفل ذكرها  لفترة تفوق نصف قرن مقتصرة على ذكر تلمسان …

      ان التطورات التي كانت تشق طريقها بقوة في
الأندلس ، والأحداث التي  كانت  تلقي بثقلها في بلاد المغرب  الموحدي والخصومات الداخلية  التي مزقت اسرة الموحدين كل ذلك أحل مدينة
وجدة  مكانا ثانويا فأهملت كثيرا ، لكن
اهمالها لم يعمر طويلا  اذ ما لبثت  ان تصدرت الأحداث المفجعة التي  طبعت علاقات بني مرين وبني عمومتهم  بني عبد الواد .

**وجدة في
عهد بني مرين :

—————————

      لم
يتمكن بنو مرين بغزواتهم البدوية وأد دولة الموحدين  سياسيا بالسرعة  التي تسمح لهم باحتلال  مواقعها التاريخية ، بل ظلت تطفو وتخبو في
معمعان الفوضى السياسية التي عمت شرقا بهجومات يغموراسن  بن زيان ، وغربا بتحركات خيول بني مرين ….

   وبعد وفاة أبي بكر ( 656ه /1258م) بثلاث سنوات
تكررت أطماع يغموراسن في سجلماسة لكن هذه المرة على يد  عرب المنبت ، فكانت دخولات وريوع تجارة السودان
تعود اليه منها عبر مدينة وجدة كمحطة اجبارية نحو عاصمته تلمسان . وفي سنة 669ه /
1270م  توفي عامل يغموراسن على سجلماسة ،
وفي السنة الموالية  خرج يعقوب المريني
656-685ه لقتال يغموراسن  بعد ان رفض مشروع
لح مريني قدم له بسبب  أضطراب أحوال
الأندلس فكانت الحرب التي  انكسر فيها بنو
زيان  ، بوادي ايسلي  بمقربة من وجدة  وقتل فيها فارس ابن يغموراسن …حيث تم بعد ذلك
تخريب مدينة وجدة تخريبا شبه كلي

             ولما انتهى يعقوب من أمر يغموراسن
انطلق لمواجهة مسيحيي الأندل الذين استأسدوا على عربها الذين فرقتهم  الخصومات  الداخلية ، لكن تحالف  ابن الأحمر
مع يغموراسن  جر على هذا الأخير  هزيمة جديدة  زادت مناطق بني عبد الواد  التي
كانت  وجدة وأحوازها  ضمنها  تلفا ، اذ عمل الجيش المريني  وحلفاؤه من بني  تجين على التدمير والتخريب  والأستئصال لجميع البلاد وأكل الزروع وكان ذلك سنة 680ه / 1281 م

          غاب بعدها ذكر مدينة وجدة حتى سنة  695ه / 1296م  لتظهر من جديد  بأحوازها كمنطقة
ملحقة بمملكة بني عبد الواد التي وصلت حدودها الى تاوريرت  التي كانت حصنا ، نصفه لأمير المسلمين  – يوسف –  لأنه كان الحد بين بلادهما . ولأسباب موضوعية وادية  وبعد طرد عثمان بن يغموراسن  أغار الأمير المريني  على تلمسان ثم ارتحل الى مدينة وجدة  فأمر ببنائها فبنيت وحصنت أسوارها وبنى لها
قصبة ودارا  ومسجدا وحماما …ويبدو من
كلام صاحب القرطاس ان الأمير يوسف 685ه – 706 ه / 1286م – 1307م جعل من مدينة وجدة
ندا قويا لمدينة تلمسان فكان منها ما أراد ، اذ اضطر اشياخ القبائل المعادية  تحت الضربات  الموجعة التي تلقوها  من وجدة
وأحوازها ان طلبوا الأمان…وبايع صاحب الجزائر الأمير يوسف كما وفدت عليه رسل
تونس بالهدايا ، وقام على خدمته  اهل بجاية
وقسنطينة ، الا ان الأمير يوسف  كان سيء
التقدير ، اذ ترك داره بوجدة وأقام بقصره الذي بناه بتلمسان الجديدة في ظروف حصار
تلمسان القديمة فاغتيل فيه سنة 706ه/1307م

      وبقيت وجدة على عدائها لبني مرين  حتى ان السلطان ابي الحسن 731ه -752ه / 1331م –
1351م  لما اراد حماية ملكه من الناحية
الشرقية ضد هجمات تلمسان حصن تاوريرت ، لذلك توجه بنو عبد الواد ، عملا بنصيحة
يغموراسن قبل موته ، شرقا الى بني حفص ، أصهار المرينيين ، وضايقوهم رغم نداء
السلطان ابي الحسن ، وهو ما دفعه الى تجريد حملة ضدهم سنة 735ه/1335م كانت مدينة
وجدة  ضحية لها نتيجة سياسة تلمسان ، فحطمت
اسوارها ودكت مع الأرض وذلك سنة 736ه/1336م.

     وفي عهد هذا السلطان تراجع دور وجدة  لتتحول الى مجرد سجن للأمراء المتمردين ومرة
أخرى تتحول مع احوازها  الى مرتع للجباية
والخراج واقطاعا لبعض امراء بني حفص من قبل السلطان وثالثة جزءا  من المنطقة التلمسانية .

   ولما توفي السلطان ابو الحسن 752ه ، انطلق بنو
زيان لآستعادة ملكهم الغربي فزحفوا على وجدة وأنكاد سنة 753ه /1352م ، لكن ابنه
ابي عنان كان لهم بالمرصاد  فأرسل
عليهم  جنده واستباحوهم  قتلا وسبيا وصفدوهم اسرى …

…..وبقيت
وجدة تعاني من التخريب  والعنف الى حدود
سنة 785ه / 1383 م
على أقل تقدير .

      ان وقوع وجدة في قلب أحداث الغرب الأسلامي
تناسب طردا في بدايتها  مع ازدهارها ،
وعكسا مع نهاية القرن 13 م
وما بعده ، اذ نعمت وجدة في عصر البكري بكثير من التقدم  الحضاري اذ كانت أحوازها  تغص بالبساتين ، وهي كثيرة الأشجار والفواكه
طيبة الغذاء جيدة الهواء ، كما ان مراعيها  انجع المراعي  وأصلحها …وتعتبر
وجدة اضافة الى ذلك  ملتقى هام  للطرق التجارية  الشرقية والغربية  منها لذلك سكن التجار  في قسمها الحديث  لما كان يحويه من اسواق . ولعل هذا الأزدهار الأقتصادي  والمعطيات التي خصت بها الطبيعة  مدينة وجدة وقلة من مدن المغرب الأخرى  ظهرت بشكلي جلي في أخلاق  سكانها وبشرة وجوههم  فذكر البكري ان سكان  مدينة وجدة يمتازون  عن غيرهم في نضارة  الوانهم  ونعمة أجسامهم  الا ان الأحداث
المؤلمة  التي طبعت لاحقا  مدينة وجدة  وأحوازها ، فكما خربت اقصادها  وطبيعتها وأوحشتها ، خربت أخلاق اهلها وأهل احوازها  من سكان أنكاد  حتى ان العبدري  وصف سكانها بأنهم   » من أوضع خلق الله  وأشدهم ايذاية لا يسلم  منهم صالح ولا طالح ولا يمكن ان يجوز عليهم الا
مستعد يستحثهم جميعا أصلا وفرعا ، ويقطع دابرهم  أفرادا وتثنية وجمعا ، وحتى يكونواآية للمعتبرين  وعبرة للناظرين بعزة الله وقدرته ، وحوله وقوته
« 

   لكن موقع وجدة الحساس  لم يمهل  الأهمال ليعبث بها بل ما لبث ان بعثها  من رقدة العدم  لتقف في تاريخ  المغرب الحديث والمعاصر  حصنا شرقيا  بدونه لن يكون  المغرب  للمغاربة وطنا ….

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

  1. حميد
    07/03/2014 at 18:29

    اين تاريخ وجدة المعاسر

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.