Home»Débats»إذا الأطفال سئلوا بأي ذنب شردوا

إذا الأطفال سئلوا بأي ذنب شردوا

1
Shares
PinterestGoogle+
 

أحمد الجبلي
اشتغلت زهاء سنتين في مهمة وظيفية  وكتكليف من طرف إدارتي الرسمية بقضاء الأسرة. وفي أحد أيام الصيف وأنا منهمك في العمل جاء رجل أربعيني، حسبما يبدو،  وسأل أحد الموظفين عن الإجراءات التي يجب أن يتبعها من أجل تطليق زوجته. وكانت بالقرب منا سكرتيرة أحد وكلاء الملك وكانت ذات خبرة وإلمام بهذا الملف، فربط الموظف الخط بينهما فانطلقت السيدة مباشرة في سرد الإجراءات بالتفصيل الممل وسارت تتحدث بحماس مبرزة خبرتها وضبطها لجميع الإجراءات والخطوات المعمول بها حسب القانون والتي من خلالها فقط يمكن أن يحصل هذا الرجل على ما يريد أي طلاق زوجته، مما أدخل الفرحة والسرور في قلب السائل.
لقد هالني ما سمعت وهالتني الطريقة التي تحدثت بها السيدة عن هذه الإجراءات وكأنها تتحدث عن فسخ عقد بيع أو شراء، أو عن عملية هدم جدار أو بناية متهالكة يحق التخلص منها حماية للأرواح، أو أن الأمر يتعلق بإجراءات الفحص التقني لسيارة، أو من أجل الحصول على تأشيرة  لتحقيق سفر ممتع يستوجب الكلام بكل راحة وأريحية وغبطة وسرور.
إن هذه السيدة كانت كالآلة الاستشارية أو حاسوب لا قلب له ولا ضمير، مبرمج بدون مشاعر كي يجيب عن أسئلة أو يفتي في نوازل وأقضية لن يشعر تجاهها بألم أو يدرك العواقب والمآلات التي ستترب عنها.
لقد سمعت الموظفة تتحدث وكأنها في غيبوبة أو سبات، دون أن تعي أن الأمر سيعمل على تمزيق روابط أسرية وعائلية واجتماعية، وأن تمة أسرة ستشرد وأطفال سيتعرضون للضياع، و سيكونون لقمة سائغة في فكي الحرمان والتسول وسيفتح في وجوههم باب كبير نحو الجريمة والمخدرات والتدخين والخمر والسرقة، أي أنها تعمل على فتح باب جهنم الذي يطل على المجتمع والبلاد دون أدنى محاولة لإغلاقه ووضع حد لشروره.
لقد تسمرت في مكاني، وما ظننت أني يوما سأكون شاهدا على مأثم كهذا، ولكن كان لابد من القيام بشيء، ووضع حد لهذه الجريمة النكراء. لقد انتظرت حتى غادر الرجل المكان وهو مزهو لكونه حصل على جميع المعلومات ليشرد أبناءه وييتم أطفاله، فطلبت منه أن يعذر تطفلي ويمنحني نصف ساعة فقط لأنني سمعت كل شيء، ولم يرقني الأمر، ومن عجائب الأمور، بتوفيق من الله، أن الحوار قد راقه فاستمر أكثر من ساعة ونصف، فاستبصر خطورة الأمر التي كان غافلا عنها، وأيقن أنه لم يكن يرى بعض الجوانب التي طرحت في النقاش، منها أنانيته وعدم الأخذ بعين الاعتبار مصير أطفال لا ذنب لهم في قراره،  فأقر بضعفه بأنه لم يستطع احتواء الأمر، وقد كشف الحوار أن عدد الإيجابيات والروعة والسلوكات المدهشة المركوزة في زوجته أكثر بكثير من السلبيات التي تسببت في هذا العطب، فأدرك أنه كان على وشك أن يضيع كنزا ثمينا هو أسرته وأبناؤه. وبعد نهاية الحوار مضى سريعا في اتجاه زوجته حتى يرجع الأمور إلى نصابها ويمسك عليه أبناءه ويستعد لمزيد من العطاء والتضحية من أجل تربية أبنائه وادخارهم في الدنيا والآخرة، والإسهام في بناء قيادات المستقبل الذين ستعتمد عليهم بلاده في المستقبل عوض رميهم إلى الشارع وحرمانهم من أهم مصادر الحب والرعاية والحنان.
وإننا لنحمد الله أن ليس كل الموظفين والموظفات الذين يشتغلون في المحاكم هم من طينة تلك الموظفة الآلة التي لا قلب لها ولا مشاعر، لقد حصل لي الشرف أن أتعرف على قضاة صالحين يتماطلون عمدا في الأحكام المتعلقة بالطلاق فتراهم يؤجلون الجلسة تلو الجلسة حتى يمل الزوج، لكون الطلاق بيده، فيعود إلى رشده، وكثير منهم، كما صرح لي أكثر من قاض، من شدة التعب والسعي هنا وهناك وانتظار الجلسات التي لن تأتي وإذا أتت أجلت، فقط هروبا من هذا (الطلوع والهبوط) يفكر الزوج في إرجاع زوجته أو الدخول في صلح معها فيجمع أبناءه وشمله ولسان حاله يقول:  ” أرد أولادي ومالي على هاد الطلوع والهبوط وتمارة”.
إن الطفل لا يستطيع أن يعيش برئة واحدة، وإذا كان سيعيش بها اضطرارا، فإنه سيعيش معيشة ضنكا وألما. ولذلك فجميع الأطراف المعنية يجب أن تتدخل من أجل عدم حرمان هؤلاء الأطفال من رؤية آبائهم في حالة الطلاق، عندما يكون لا مفر منه، ووضع مساطر تعمل على تحقيق التوازن المجتمعي والفكري والسلوكي والنفسي لدى الطفل، حتى ينمو نموا طبيعيا ويشعر بأن جميع حقوقه في متناول يده فيعيش مع أمه وأبيه حتى وهما في حالة طلاق، أما كيف، فلن يعوز إدارتنا إيجاد حل أو صيغة عندما تكون إرادتها قوية.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

  1. عكاشة أبو حفصة .
    14/01/2017 at 19:25

    أستاذي الفاضل ، اسمح لي في البداية أن أشكركم جزيل الشكر على هذا الموضوع الهام الذي لا يتم التطرق له من طرف الكتاب علم الإجتماع وأصحاب الخبرات المتعددة للإيقاف هذا النزيف الحاد الذي شرد الكثير من الأسر العربية والمتمثل في ” الطلاق ” كما جاء في المقال أو ما أصبح يطلق عليه في الوقت الراهن ” الطلاق للشقاق “…
    سنتين قضيتموها في ” المحكمة كتكليف بمهمة ” كانت كافية لتطلع على خبايا الأمور ولنبقى في اطار ” الطلاق الملعون ” ولا نخرج عنه حتى لا نتحدث عن أمور نحن في غنى عنها .
    فمن حق أي انسان الذهاب الى أي ادارة ما لأخذ أي معلومة ، لأنه كما يقال ” لا يعذر أحدكم بجهله للقانون ” . الزوج هذا أعتبره أنا محظوظا لماذا ؟ ، لأنه التقى ب ” خبيرة ” لا رحمة ولا شفقة في قلبها ، وربما تكون ” عانس ” وقلبها مملوء بالأحقاد على الأخريات المتزوجات ربات البيوت المضحيات . همها كان هو تخريب البيوت وكانت في وضع يسمح لها بذاك . و موظف مثالي مكلف بمهمة الذي يسدي النصح وبلا مقابل همه جمع شمل الأسرة وكان هو كذلك في وضع يسمح له بذلك …
    أعود لموضوع المقال حتى لا أذهب بعيدا والذي جاء فيه ” … لكون الطلاق بيده ، فيعود إلى رشده ” . هذا يا أستاذي كان زمان . أما اليوم فلم يعد الأمر كذلك . قد تتقدم الزوجة الى ” المحكمة ” من أجل طلب الطلاق وتتمكن من ذلك فتطلق ” طلاق الشقاق ” وتستفيد من جميع المزايا وكأن الزوج هو من ظلمها بطلاقه و أخرجها من بيت الزوجية دون وجه حق والعكس هو الموجود. وعندما تدخل الزوجة الى ” المحكمة ” تبكي كذبا ، فهناك أصحاب الحسنات من أمثال التي تحدثم عنها في هذا المقال متواجدون يشرون على الزوجة ، بل يرسمون لها خريطة الطريق لتخريب بيتها بيدها وأيديهم ولو بالكلمة ، لأن الشياطين حاظرة وخصوصا في هذا المكان . عملهم التفريق بين الزوج وزوجته ويجعلون من الحبة قبة كما يقال . لو كان أمثالكم يا أستاذي متواجدون وبالكلمة الطيبة لتم التقليل من أرقام الطلاق التي أصبحت مرتفعة ومخيفه ، ولها انعكاسات سلبية على جميع الأطراف وخاصة الأطفال . هناك من يتلذذ بعد الطلاق باختيار زوجة أخرى ويلقى بأطفاله الى الشارع ، وما أدراكم ما الشارع إهمالٌ مطلق وبدون نفقة ، خاصة اذا كانت الأم ” المطلقة المظلومة ” فقيرة الحال وتخرج الى العمل والكسب الشريف من أجل الأطفال . وهناك من يمسك على الزواج ولا يفكر فيه ابدا حتى لا يتكرر معه السيناريو المحبوك ان قام بالتطليق ثانية لان أمثال تلك ” الموظفة ” المتخصصة في تشتيت شمل العائلات قادرة على تنمية قدرتها في هذا الباب . حسبنا الله ونعم الوكيل .
    كم هو سهل الهدم ، ولكن من أجل البناء لابد من رسم الفكرة ، التصميم ، مواد البناء ووو. لقد استطعتم أستاذي بكلمتكم الطيبة ونصائحكم الغالية أن تعيدوا هذا الزوج الى زوجته وأطفاله . أتدري ما هو الجزاء عند رب الرحمة ؟ … أستاذي الفاضل كما نعلم يجوز” الكذب ” في الإصلاح بين الناس . فما بالكم من يقول لمن يهمه الأمر أنا لا أطلق ولا أتلفظ بكلمة الطلاق ولا أوقع على وثيقة الطلاق ويقال له ” كاع لا تتلفظش و كاع بتوقعش – … – غدي أتطلقها ” .
    أنا ما يؤلمني صراحة هم ” أطفال الطلاق ” الذين يكون مصيرهم الشارع ، خاصة اذا اختار كل واحد من الزوجين الطريق الذي تريحه . والذي يؤلموني أكثر ، هم الأطفال المحرمون من نصف الحنان وكما قلتم أستاذي ” إن الطفل لا يستطيع أن يعيش برئة واحدة ، وإذا كان سيعيش بها اضطرارا ، فإنه سيعيش معيشة ضنكا وألما ” . نعم لا يستطيع الطفل أن يعيش بنصف العاطفة وهناك من يتلذذ بالمنع من صلة الرحم رغم وجود “حكم ” يحدد يوم ووقت الزيارة . ولا يسمح للأب أو – الأم ان كانت محرومة من حق الحاضنة لأسباب ما – من حق الزيارة اذا كانت الحاضنة بيده . ما ذنب الأطفال في هذا ؟ . لماذا يمتد الحرمان لكل شئ حتى الى هديا الأعياد والمناسبات ؟ ، بل من الآباء و الأمهات في وضعية الطلاق من هم محرومون حتى من النتائج الدراسية لفلذات الأكباد . وربما ” مخطط مسار ” سيخفف بعض الشئ من الحصول على النتائج الدراسية .
    كنت سعيد ومتألم جدا في نفس الآن وأنا أتصفح هذا المقال الذي وضع الأصبع على الجرح . وكما قلتم يا أستاذي ” هناك قضاة صالحون مصلحون يتريثون خاصة في مسألة الطلاق لأن الأمر يتعلق بالأسرة والأطفال ، وهناك كذلك موظفون صالحون وأمثال الكاتبة المذكورة أقلية ومع ذلك موجودة وقادرة على تشتيت الشمل العائلات والإكثار من أبغض الحلال عند الله . فاللهم اجمع شمل هذه الأمة آآآآآآ مين . والسلام عليكم .

    – عكاشة أبو حفصة .

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.