الغش في البناء : ثانوبة عبد الله كنون التأهيلية نموذجا


     1


الغش ضد النصح كما جاء في لسان العرب .أما في الاصطلاح فالمفهوم له معاني كثيرة ,وإن كانت متقاربة ,أذكر منها ما قاله المناوي :( الغش ما يخلط من الردئ بالجيد ). وما قال ابن حجر الهيثمي :(الغش المحرم , أن يعلم ذو السعة من نحو بائع أو مشتر فيها, شيئا لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذ بذلك مقابل ). وما قاله الكفوي :(الغش سواد القلب ,وعبوس الوجه ,ولذا يطلق الغش على الغل والحقد .)
وفي المتداول اليومي, يطلق مفهوم الغش ,على كل ممارسة مريبة وملتوية, يراد من ورائها الحصول على منفعة مادية أو معنوية, غير مشروعة .كما يطلق على كل جيد مخلوط برديء.
وفي تصوري أن الغش : هو إخفاء العيب, وعدم إظهاره بنية مبيتة من أجل استغفال الآخر و الوقيعة به, حتى يسهل استغلاله ماديا أو معنويا وله صور لا حصر لها تغطي كل شؤون حياة الناس.
إن أول غش عرف في الوجود , مارسه الشيطان الرجيم, مع أبينا آدم, كما هو واضح من عدة آيات قرآنية منها: قوله تعالى :{يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} (النساء) .وقوله :{وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون }(الانعام43) وقوله :{…فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهم ما وري عهما من سوءاتهما } (الأعراف) . و الغش ظاهرة إنسانية, مارسه الإنسان منذ أن وجد على الأرض. وهو مدمر للمجتمع, وباعتباره وباء سريع الانتشار,يعرقل التنمية الاجتماعية والاقتصادية ,حاولت كل الديانات السماوية, معالجته واستئصاله ولقد ذمه الله عز وجل الغش وأهله ,وتوعدهم بالويل فقال :{ ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } (المطففين آية 1-2) .كما تبرأ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من الغشاشين فقال : ( من غشنا ليس منا ) لأن الغش ليس من أخلاق المسلم .
إن من بين مظاهر الغش, في وقتنا الحاضر, الاعتداء والترامي على الملك العام وسوء استخدامه, مع التلاعب بالعقود المبرمة بين الدولة, والشركات, أو المقاولات, وعدم الإيفاء بالشروط المتفق عليها والمثبتة في دفتر التحملات. وذلك بسبب انتشار الرشوة, أو سوء المراقبة وقلتها, أو لعلاقات زبونية , أو قرابية أخرى,تربط بين المقاول ,والمهندس المشرف على البناء .
لقد استفحل الغش في البناء ,وخاصة بناء مؤسسات الدولة .ولم يعد المقاول ولا المهندس , يحترم المعايير العلمية للبناء . كاختيار الأرض الصلبة ,و مواد البناء الجيدة , وعدم الإهمال ,وأخذ الحيطة, والحذر ,والتتبع المستمر للأوراش … الشيء الذي أدي إلى انهيار, أو تداعي بناء بعض مؤسسات الدولة , في وقت وجيز. ومقارنة بسيطة بين ثانوية عبد الله كنون (كنموذج) والتي تم بناؤها سنة 1989 ودشنت سنة 1990 والتي أصبحت الآن في حالة يرثى لها, وهي مهددة بسقوط من حين لآخر, لكثرة التشققات, والتصدعات في جدرانها , – وإني لأدعو المسئولين بالمناسبة , إلى تداركها قبل أن تحدث الكارثة – وبين مؤسسات أخرى بنيت في الحقبة الاستعمارية ,والتي مازالت تقاوم الدهر, ولا تبدو عليها مظاهر الشيخوخة ,ولا الفناء. كمدرسة سيدي زيان بوجدة ( بنيت سنة 1907 ) وثانوية أبو الخير ببركان ( بنيت سنة 1909 ) و ثانوية عبد المومن ( بنيت 1947) . والقائمة طويلة. فهناك ثانوية عمر ابن العزيز, والثانوية التقنية, وثانوية زينب النفزاوية … كلها بنيت قبل سبعين سنة, ولكنها ما زالت شامخة, مقاومة, كل أسباب الانهيار والتداعي. فأين كان المهندس, والمتتبع للأوراش, عندما كان المقاول يبتكر أساليب الغش, في بناء ثانوية عبد الله كنون وأخواتها .ولو أن قانون حمو رابي الخاص بالبناء ,والمتمثل قي المادة التالية :( إذا قام مهندس معماري بتخطيط وبناء منزل ,ولم يتقن عمله ,فتهدم المنزل وقتل مالكه .فإن المهندس يقتل .أما إذا مات ابن مالك المنزل. فإن ابن المهندس يقتل .)( عن كتاب الحضارات البابلية والسورية لصاحبه ألبان ميشال ص 230-231 طبعة باريز 1923) كان حاضرا في ذهن صاحبنا المهندس, والمقاول, لما آلت مؤسساتنا إلى ما آلت إليه من أوضاع مزرية .

عمر حيمري


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

1 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. ابو أيمن
     

    إدا كان المهندس غشاشا والمراقب متواطئا ، فهل قام المسؤولون الحاليون بما يجب عليهم القيام به لفضح المتلاعبين وتدارك الأمر قبل أن تقع الكارثة ويدهب أولادنا ضحيا أبرياء؟

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*