علاقة الآباء بالأبناء


    


علاقة الآباء بالأبناء:

تشتمل الأسرة ، بحكم بنيتها ووظائفها على نسق من العلاقات التي تقوم بين أفرادها . وتعد العلاقة القائمة بين الأبوين المحور الأساس لنسق العلاقات التي تقوم بين أفراد الأسرة، حيث تعكس العلاقة الأبوية ما يسمى بالجو العاطفي للأسرة والذي يؤثر تأثيرا كبيرا على عملية نمو الأطفال نفسيا ومعرفيا . فالأطفال – كما هو معروف – يتقمصون شخصية آبائهم ويتمثلون سلوكهم، كنموذج تربوي بشكل شعوري أو لا شعوري ، ويتحدد النمط السلوكي داخل الأسرة بتصورات الدور والمواقف ، التي يقوم بها أفراد الأسرة . ويلاحظ أن الأدوار المتكاملة داخل الأسرة هي التي تشكل منظومة العلاقات السائدة وسط الأسرة والتي تشكل بدورها محور التفاعل الاجتماعي والتربوي داخل الأسرة . و يرى الكثير من المربين أن :

” العلاقة بين الوالدين من أدق العلاقات التي يتحمل بموجبها الأبوان مسؤولية تربية أولادهما فيؤسسان معا من خلالها مدرسة حقيقية لتربيتهم و تحديد ملامح شخصيتهم . و لكي يوفقا في مهمتهما النبيلة هذه لا بد أن تقوم علاقتهما على أسس متينة “2

و بناء عليه فقد نظمت الشريعة الإسلامية العلاقة بين الآباء و الأبناء و وضعت أصول الحقوق و الالتزامات بينهما ، فالشريعة الإسلامية في هذا الباب تنطلق من صيانة الإنسان من الضياع حماية للأم و الأب و الابن : فعلى الكبير أن يعطف على الصغير، وعلى الصغير أن يقوم بإجلال الكبير وتوقيره . فقد أثر عن النبي صلّى الله عليه وآله أنه قال في جملة وصاياه العامة: ” من لم يرحم صغيرنا ، و يعرف حق كبيرنا فليس منا “3

 و بالرجوع إلى الواقع نجد أن هناك أسرا يسودها الانسجام التام، والاحترام المتبادل بين

 

الوالدين وسائر الأبناء،ولا تعاني من أية مشكلات سلوكية بين أعضائها الذين يشتركون جميعاً في الالتزامبالقيم السامية التي تحافظ على بناء وتماسك الأسرة، وتستطيع هذه الأسر

تذليل جميعالمشاكل والصعوبات والتوترات الداخلية التي تجابههم بالحكمة والتعقل وبالمحبةوالتعاطف والاحترام العميق لمشاعر الجميع صغاراً وكباراً . ذلك أن الاحترامالمتبادل بين أفراد الأسرة، وخاصة بين الوالدين هو من أهم مقومات الاستقرار والثباتفي حياتها، ومتى كان الاستقرار والثبات هو السائد في  الأسرة فإن تأثير ذلك سينعكس بكلتأكيد إيجابا على تربية الأطفال ونشأتهم، فعلاقة الوالدين أحدهما بالآخر لها الأهمية الكبرى في نسق اكتساب القيم من خلالالتربية ، وتوافقهما يحقِّق للأبناء تربية نفسية سليمة خالية من العقد والمشكلاتالتي لا تبدو واضحة للعيان آنياً ، وإنما تظهر نتائجها بشكل واضح مستقبلاً .

و في المقابل هناك أسر مضطربة و مفككة أشارت إليها الكثير من الدراسات النفسية و بينت طبيعة العلاقات السائدة بين أعضائها و عواقب ذلك على صحة و نفسية الأطفال . فقد جاء في كتاب الصحة النفسية : ” يؤدي الاضطراب والتفكك الأسري إلى عواقب وخيمة على نمو الطفل وصحته النفسية، فالتفكك الأسري وتصدع العلاقات بين الوالدين ومشكلاتهم النفسية وما يصاحب ذلك كله من عدم احترام وتحقير كل طرف منهما للآخر، واللامبالاة والعداوة وما يترتب عليهما من مشاعر تعاسة وألم وقلق يعوق النمو الانفعالي والاجتماعي لدى الطفل، ويضعف من ثقته بأسرته ووالديه ، كما يجعله أنانياً عاجزاً عن تبادل مشاعر الحب مع الآخرين ويفقده الانتماء ، وربما دفعه إلى أشكال مختلفة من الانحراف والسلوك العدواني والمرض النفسي.”1

قد ينتاب العلاقة الزوجية توتر في لحظة ما رغم جو التفاهم و الود الذي يسود على العموم جو الأسرة ، و هنا يستحسن أن لا يشهد الطفل هذا التوتر و ما يدور بين الزوجين من تبادل للوم  و الاتهامات . يقول الدكتور محمد عباس نور الدين :” إذا أحس الزوجان بأن التوتر في تصاعد ، فلا بأس من أن يغلقا باب الغرفة لكي لا يشهد الطفل تفاصيل هذا التوتر ، و ما يصدر عن الزوجين من عبارات قاسية قد تحدث اهتزازا في صورة الطفل عن والديه

1- في الصحة النفسية – ص453- عبد المطلب أمين القريض  – دار الفكر العربي – 1998م

و على الزوجين أن يتوقعا أن الطفل يدرك التوتر الذي طرأ على علاقتهما ، وإذا ما ألح الطفل على معرفة أسباب هذا التوتر من خلال ما يطرحه من أسئلة ، فعلى الزوجين العمل على تخفيف وقع هذا التوتر  في نفسه ، و إجابته عن تساؤلاته بأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد خلاف عارض بين والديه على غرار خلافاته مع إخوانه أو رفاقه دون إعطائه الفرصة للدخول في تفاصيل أسباب التوتر ، و طمأنته بأن التوتر حدث عارض لن يؤثر على الجو العام للأسرة”1و يرى المربون أنه:” يحسن بالأولاد في حال توتر العلاقة بين الوالدين أن يجتهدوا في خلق أجواء هادئة بالتزام الحياد و اجتناب التحيز و التروي في إصدار الأحكام المسبقة على أحد الوالدين و يبذلوا قصارى جهدهم للإصلاح بين الوالدين فإن تعذر الأمر عليهم استعانوا بأهل الحكمة من الأقارب و بصالح الدعاء.” 2 هذا طبعا إن كان الأولاد كبارا ، قادرين على تلطيف الأجواء و امتصاص الغضب. أما إن كانوا صغارا فيغلب عليهم التردد و الحيرة ، فهم لا يستطيعون إيقاف النزاع خصوصاً إذا كان مصحوباً بالشدة و العنف  ولا يستطيعون أن ينحازوا إلى أحد الوالدين ، وكل ذلك يترك بصماته الداكنة على قلوبهم    و يشلّ إرادتهم .

إن ما يواجهه الطفل إذن من مؤثرات في سنّه المبكر يستند إلى الأسرة فإنها العامل الرئيس لحياته، والمصدر الأول لخبراته، كما أنها المظهر الأصيل لاستقراره، وعلى هذا فاستقرار شخصية الطفل وارتقائه يعتمد كل الاعتماد على ما يسود الأسرة من علاقات ودية. فالشعور بالأمن والاستقرار من أهم العوامل في بناء شخصية الطفل بناءً سوياً متزناً .

و إذا كانت الشريعة الإسلامية حريصة على تحديد العلاقات الأسرية الإيجابية التي تسهم في بناء شخصية الطفل فإنها حددت طبيعة العلاقة التي ينبغي للأبناء سلوكها لصالح الآباء

فجعلت البر بالوالدين أصلا من الرتبة الثانية من أصول الإسلام ، بعد الأمر بعدم الإشراك

بالله في قوله تعالى:﴿ و قضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه و بالوالين إحسانا 1 .

يقول الرازي في تفسيره :” فنعمة الوالدين أعم النعم ، و ذلك لأن الوالدين هما الأصل        و السبب في كون الولد و وجوده ، كما أنهما منعمان عليه بالتربية ، و أما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود بل بالتربية فقط فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى : و ثانيها أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة و الوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر ، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر”2

و لعظمة الإحسان إلى الوالدين فقد قرن عز و جل بين توحيده وبين برهما في أكثر من موضع من القرآن الكريم، و قد اعتبر الإسلام السعي عليهما و إكرامهما بمثابة الجهاد في سبيل الله.و حدود البر و الإحسان غير مقدرة، لكن تتجسد إجمالا في طاعتهما فيما يرضي الله ، و الإحسان إليهما قولا أو فعلا أو بذلا أو مواساة .

 و قد أمر الإسلام بالإحسان إلى الوالدين حتى و لو كانا كافرين  و ” الإحسان إليهما يقتضي دوام الصلة و الخدمة و العطاء و الكلمة الطيبة و الدعاء بالهداية لهما إن كانا ظالين            و بالرحمة و المغفرة فيما وراء ذلك”3

1-     حقوق الرجل و المرأة بين الرؤية الإسلامية و الرؤية السائدة في ثقافة المجتمع الإسلامي- ص34

2-     في رحاب التربية الإسلامية – كتاب التلميذ- السنة الثالثة من التعليم الثانوي الإعدادي- ص 48 – مرجع سابق

3-     المستدرك على الصحيحين – ج4- ص 178- كتاب البر و الصلة – قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه.

 

1- التنشئة الأسرية : رؤية نفسية اجتماعية تربوية لعلاقة الأسرة بأبنائها و الإشكاليات التي تطرحها- ص 154- د. محمد عباس نور الدين – تحقيق عبد الكريم غريب- منشورات عالم التربية – ط1 – 2005م

2- في رحاب التربية الإسلامية – كتاب التلميذ- السنة الثالثة من التعليم الثانوي الإعدادي – ص 49- مرجع سابق


1- الإسراء /23

2- التفسير الكبير و مفاتيح الغيب -  المجلد الثاني- ص 176- 177– دار الفكر

3- المرأة و مكانتها في الإسلام – ص 274- مرجع سابق

فرعون هواري


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*


 

Prix voyage

Billets d'avion

 

yahoo

 
 

Facebook + buzz

 
 
 

Derniers articles

Derniers articles