تجليات الفكر اليهودي في تشكيل أنماط التدين الشعبي الأمازيغي بالريفين الأوسط والشرقي


     1


تجليات الفكر اليهودي في تشكيل أنماط التدين الشعبي الأمازيغي
بالريفين الأوسط والشرقي

      د. بلقاسم الجطاري
كلية الاداب وجدة

تؤكد المصادر التاريخية والدراسات الإثنوغرافية وكذا الرواية الشفوية استمرار وجود كتلة بشرية يهودية وسط قبائل منطقة الريف إلى غاية منتصف القرن العشرين، لكن لا تسعفنا هذه المصادر في تحديد تاريخ بداية وجود اليهود في مجال الدراسة وأعدادهم وأثرهم، وأما ما هو شبه مؤكد فهو أن غالبية اليهود بالمنطقة من أصل محلي اعتنقوا اليهودية على يد العبرانيين المهاجرين من فلسطين، ثم تعززت هذه الكتلة باليهود المطرودين من الأندلس.
ويعتبر حاييم الزعفراني اليهود أول شعب غير بربري (أمازيغي) جاء إلى المغرب واستمر في العيش إلى اليوم، ويرى أنجلو غريلي “أن السواد الأعظم من عبرانيي جهة الشمال المغربي ينتمون إلى العنصر اليهودي البربري، ويمكن اعتبارهم خلفا للبربر الذين اعتنقوا اليهودية على يد اليهود المهاجرين من فلسطين بعد تخريب الرومان لهيكل القدس. بينما يرى بعض الباحثين أن وصول أولى المجموعات اليهودية إلى إفريقيا الشمالية كان في حدود العام 320 ق.م عندما قام اليونانيون بنفي مائة ألف يهودي، ثم نقلوهم خارج أرض فلسطين، فحطوا رحالهم في قرطاجة، كذلك تحركوا إلى الغرب مخلفين وراءهم آثارا في فولوبيليس (وليلي). ووصلت أيضا مجموعة ثانية منهم إلى المغرب بعد العام 150 ق.م، وذلك هربا من الاضطهاد الذي لحق بهم في كورينيكيا، أي ليبيا الحديثة، واستقر هؤلاء في الريف المغربي وجبال الأطلس. وكذلك يوجد مجموعة أخرى تركت فلسطين بعد ثورة اليهود سنة 135م، وفيما بعد توافد المزيد من اليهود من إسبانيا ومن مناطق أخرى من أوربا بسبب المراسيم الإمبراطورية التعسفية.
أما خلال الفترة الإسلامية فقد وجدت بمنطقة الريف كتل يهودية مهمة، إذ ذكر البكري أن الباب الجنوبي لمدينة نكور يسمى “باب اليهود”، ولهذا لا يستبعد أن يكون لهم داخل المدينة حي خاص. وقد تعايشت هذه الكتلة في ظل جو التسامح السائد بين المكونات الاجتماعية للمدينة، وساهمت في حركة التبادل التجاري التي ازدهرت بالمنطقة. وخلال ق 10هـ/ 16م أشار الوزان إلى وجود زقاق طويل يسكنه اليهود في بادس، بينما ذكر كربخال مرمول أنه وجد قديما بالمدينة أكثر من مائة منزل لليهود، ويرى بول باسكون (Paul Pascon) أن هذه المجموعة من اليهود ترجع إلى هجرة يهود الأندلس إلى المنطقة هربا من الاضطهاد الاسباني.
ويمكن تصنيف اليهود الذين عاشوا بالمنطقة إلى أربع مجموعات:
ـ الزناتيون المعتنقون للديانة اليهودية، ومنهم قبائل جراوة، التي امتدت على طول ساحل بطوية من كبدانة إلى قلعية.
ـ اليهود الذين طردوا من الأندلس مع المسلمين، ونزلوا بمرافئ مليلة وغساسة وهورك وبادس وتمسمان.
ـ اليهود الذين ساندوا الثائر بوحمارة من فاس ودبدو، ومن أبرزهم داوود بن حيدة الذي مكنه بوحمارة من مركزه، ويهود مليلة الذين كان منهم كثير من خواصه ومستشاريه.
ـ يهود مرحلة الحماية، الذين وفدوا على المنطقة من تازة ودبدو والدار البيضاء وإسبانيا والجزائر، وتمركزت نسبة كبيرة منهم بمليلية.
أنماط التصوف والصلاح اليهودي
يمكن التمييز داخل التصوف اليهودي بين نمطين؛ واحد يدور في نطاق توحيدي ويبتدئ من تدريبات صوفية يقوم بها المتصوف ليكبح جماح جسده تعبيرا عن حبه للإله ومحاولته التقرب منه، أما النمط الثاني فيدور في إطار حلولي وهدف المتصوف يكمن في البحث عن الصيغ التي يمكن من خلالها التوحد مع الخالق ثم التحكم في الإرادة الإلهية. ومن أبرز أشكال التصوف اليهودي ما يعرف باسم “القبالا” التي تتضمن إلى جانب الباطنية اليهودية، “جماع الكتابات التلمودية والمدارشية (التوراة الشفوية)، وكذا كل الآراء والمعتقدات الكلامية والفلسفية التي عرفتها العهود اليهودية العربية. وإلى جانب هذا عرف اليهود عبادة الموتى، يقول أحد الباحثين: “من أقوى البراهين التي يمكن تقديمها عن وجود عبادة الموتى لدى الإسرائيليين، هو إقامة تلك الأضرحة للأسلاف المحترمين.
أما في المسيحية فقد تجسدت حركة التصوف فيما سمي بالرهبنة والديرية، وتعني الرهبنة الزهد والنسك أو الانعزال والانفراد بقصد التبتل والعبادة مع اختيار الفقر طوعا، أما الديرية نسبة إلى الدير وهو البيت أو الموضع الذي يخصص لسكنى الرهبان والراهبات والالتجاء إليه للتعبد. ويرجع بعض الباحثين انتشار ظاهرة الرهبنة في أوربا إلى سياسة البطش والتنكيل التي واجهتها المسيحية، ولعبت هذه الظاهرة دورا رئيسيا في تطور أوربا خلال العصر الوسيط.

أشكال تأثير المعتقدات اليهودية في التدين الشعبي الأمازيغي

يعتقد حاييم الزعفراني بإمكانية مساهمة علم الباطن اليهودي القديم في صوغ علم باطني أمازيغي اسلامي، لكن التأثير الجلي هو تلك المزارات التي يقصدها  المسلمون واليهود معا، إنها توفيقية دينية قد تدهش الناظر، إنهم يهودا ومسلمين، يرجون معا الشفاعة والحماية من نفس الأولياء والصالحين، ويقومون بنفس التعبد وبنفس الرموز، ويقدمون نفس الصدقات، ويتوسلون بنفس الدعوات ونفس الصلوات.
في منطقة الريف الشرقي وقفت على ضريح سيدي يوسف اليهودي، وهو يقع بدوار اشريعة بحي ترقاع، بلدية الناظور، في أعلى قمة جبل بايو (BAYO) ويبعد بـ6 كلم عن الناظور. وقد شهد هذا الضريح إصلاحات وترميمات من قبل اليهود المقيمين بإسبانيا ومليلية سنة 1995، ويقام له موسم كل سنة في فصل الربيع حيث يأتي الزوار من المغرب وخارجه، كما يزوره المسلمون من نساء ورجال وأطفال في أوقات مختلفة من السنة.
كما أن ضريح سيدي بويعقوب الواقع بجماعة تمسمان– بودينار بإقليم الناظور يشاع أن دفينه يهودي وأن أهل الدوار المنحدرين منه من أصل يهودي، لكنهم ينفون ذلك ويعتبرون جدهم من الشرفاء. كما وقفت بقبيلة أيث توزين بميضار الأعلى على بعد 80 كلم من الناظور على مكان يسمى المقبرة اليهودية “ثيمذرين أوذايان”، يتداول أن “السحرة” يستخرجون منها العظام لإقامة طقوسهم السحرية.

لقد قادنا التحليل الذي قمنا به للأسس التاريخية والسوسيو- ثقافية التي يقوم عليها التدين الشعبي بمنطقة الريفين الأوسط والشرقي، من خلال أحد أبرز أنماطه ألا وهو الفكر اليهودي ، من خلال المزج بين المقاربتين التاريخية والسيوسيولوجية، إلى رصد هذا النمط في امتداده التاريخي المتصل وبعلاقته مع النظم الاجتماعية والثقافية المحيطة به. وهكذا فإن التدين الشعبي هو نتاج للوعي المتغير للمجتمع يتشكل وفق شروط تتداخل وتتفاعل فيها المعتقدات والممارسات الدينية عبر الامتداد التاريخي دون أن تجسد استمرارية لديانة معينة، حاول البعض البحث عنها لدى الأمازيغ، وأيضا دون نفي التفاعل والتداخل الذي يقتضيه اللاشعور الجمعي للإنسان، ودخوله المفروض في نطاق علاقات التواصل مع باقي الشعوب والأمم.
لائحة المصادر والمراجع
–     ابن أبي زرع الفاسي (علي): الأنيس المطرب روض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، صور للطباعة والوراقة، الرباط 1972.
–    ابن الفرضي (ابو الوليد عبد الله): تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس، 3 أجزاء، ج 1، نشر وتصحيح: عزت العطار الحسيني، مطبعة المدني، ط. 2، القاهرة 1988.
–    ابن عجيبة (أحمد): الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، مراجعة وتقديم وتحقيق: عبد الرحمن محمود، منشورات عالم الفكر، القاهرة، (د.ت).
–    البادسي (عبد الحق): المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، تحقيق: سعيد أعراب، المطبعة الملكية، الرباط 1982م/1402 هـ.
–    البكري (ابو عبيد): المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة،  (د.ت).
–    البطوئي (عيسى بن محمد): مطلب الفوز والفلاح في آداب أهل الفضل والصلاح، دراسة وتحقيق: حسن الفكيكي، مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، الرباط، ط. 1، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، يناير 2000.
–    الحميري (محمد بن عبد المنعم): الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق: إحسان عباس، ط. 2، مكتبة لبنان، بيروت 1984م.
–    عياض (القاضي): الغنية فهرست شيوخ القاضي عياض، تحقيق: ماهر زهير جرار، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1982.
برومي (عبد الوهاب) والسعيدي (يوسف): إقليم كرت: التاريخ والثقافة، ج1، مكتبة الشيخ حسن، وجدة 2009.
–    البيلي (محمد): الزهاد والمتصوفة في بلاد المغرب والأندلس حتى القرن الخامس الهجري، دار النهضة العربية، القاهرة 1992.
–    حبيب (رءوف): تاريخ الرهبنة والديرية في مصر وآثارها الإنسانية في العالم، مكتبة المحبة، مصر، د.ت.

د. بلقاسم الجطاري


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

1 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. العلوي سمير
     

    العنوان لا يعبر عن المحتوى، نحن هنا أمام شذرات من تاريخ اليهود في منطقة الريف الشرقي فحسب. ما تقوله لا يرقى إلى الحقيقة التاريخية بل هو مجرد افتراضات

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*