رؤية سوسيولوجية للتوقيت المستمر


    


رؤية سوسيولوجية  للتوقيت المستمر :   بقلم عمر حيمري

منذ الرابع من يوليوز 2005 ، وبناء على المرسوم رقم  561 .8 .2 الصادر بتاريخ19 يناير 1985 ، تقرر العمل بالتوقيت المستمر – أي العمل من الساعة الثامنة والنصف صباحا إلى الساعة الرابعة والنصف زوالا ، مع استراحة في منتصف النهار، تقدر بنصف ساعة،تخصص لأكل وجبة خفيفة .  – بالإدارات العمومية والجماعات المحلية ،(1) . على الرغم من التردد الذي سبق الإقدام على هذه الخطوة ، نظرا للسلبيات العديدة والاختلالات الكثيرة ، التي قد يؤدي إليها  التوقيت المستمر، بصيغته الحالية ، كحرمان الأسرة من الالتفاف والاجتماع  حول المائدة ، بعد الظهيرة مباشرة ، لتناول وجبة الغذاء في منتصف النهار باعتبارها وجبة أساسية – ( على خلاف العديد من الشعوب ، كهولندا  وبريطانيا والسودان ومصر …وكل المتأثرين   بالحضارة البريطانية ، الذين يتناولون وجبتهم الأساسية في آخر النهار ) – الشيء الذي ينعكس سلبا على الأطفال ، على مستوى التغذية ( غالبا ما يكتفي الأطفال بتناول وجبة باردة أو البطاطس المقلية أو شرب الشاي مع أكل قليل من الخبز أو الاستغناء كليا عن الغذاء .) وعلى مستوى الدفء والحنان  والشعور بالأمان وتعريض العلاقات والروابط والوظائف  التربوية التقليدية  المرتبطة بالأسرة تقليديا للانحلال والتفكك .

 صحيح ، هناك بعض الإيجابيات للتوقيت المستمر، كالذهاب مرة واحدة في اليوم إلى مقر العمل ، بدلا من تكرار ذلك مرات متعددة ، مع ما يصاحبها ، من مشقة  جسدية  ومتاعب نفسية . زيادة على ذلك ، اقتصاد  نفقات التنقل المادية وتلافي مخاطر الحوادث وكسب المزيد من الوقت الفارغ ، الذي يمكن استثماره في تنمية مدخول إضافي ، يستعان به على نوائب الزمان أو في متابعة الدراسة ، للرفع من مستوى التعلم وتحسين الوضعية المهنية والمادية  .  –  في السودان ومصر حيث يتم العمل عندهما بالتوقيت المستمر ، تخصص الفترة  المسائية للراحة  أو للعمل الإضافي ، الذي قد يساهم في الدخل الإضافي والزيادة في سعة الرزق والرفاهية  – 

. إن المجتمع المغربي ، باعتباره مجتمعا مسلما ،اهتم بتحديد الليل والنهار، لارتباطهما  بالعبادة ولاهتمام الشارع بهما ، كما هو واضح في قوله تعالى: ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون .) (سورة البقرة آية 187 ) .

إن اليوم في الإسلام ، يبدأ بغروب  الشمس في مكان معين، وينتهي بغروبها في المكان نفسه . أما بالنسبة  للنهار ، فقد أجمع المسلمون ، على أن بدايته تكون مع طلوع الفجر في مكان معين . وعلى هذا الأساس يمسك الصائم قبيل الفجر بمقدار تلاوة خمسين آية و يصلي المصلي  الصبح ، بعد طلوع  الفجر ويذهب الفلاح  ( الخماس والرباع ) إلى الحقل  والتاجر إلى المتجر أو السوق  والأجير إلى العمل والطالب أو الفقيه المدرس  بالتعليم العتيق  إلى الكتاب )المسيد) أو إلى حلقة الدرس بالمسجد الجامع… بعد صلاة  الفجر مباشرة ، ولا يعود في الغالب ، كل منهم إلى منزله ،إلا بعد صلاة العصر، وقد يحضر بعضهم دروس مابين العشاءين ويداوم عليها ، إلى أن يصبح فقيها في المادة التي يفضل  حضورها عن طريق السماع ، حتى  وإن كان أميا يجهل القراءة والكتابة وغالبا ما يكون الفقه هو المادة المفضلة لهؤلاء ، لعلاقته بمعاملاتهم  اليومية . لأن المسلم يكون دائما حريصا على معرفة رأي الشارع في أي أمر يريد الإقدام عليه . ولكن بعد صلاة العشاء ، يجتمع أفراد الأسرة ، مهما كان عددهم ، حول مائدة العشاء ليتناولوا عشاءهم – الوجبة الرئيسة آنذاك – والعلة في ذلك ، العمل بقوله صلى الله عليه وسلم : ( طعام الإثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة )– الحديث ورد على عدة روايات ) (2)  ويفهم منه ، أن  الاجتماع على الطعام تحصل منه البركة  ويتحقق  معه التكافل الاجتماعي والمواساة .  وما زال المغاربة لحد الآن ، يعطون وجبة العشاء اهتماما خاصا ، إذ نادرا ما يدعون الضيوف في  المناسبات والحفلات العائلية ، إلى وجبة الغذاء ، التي أصبحت اليوم  أساسية بفعل التأثر بالحضارة الفرنسية . بل يدعونهم إلى وجبة العشاء . وأثناء اجتماعهم حول مائدة العشاء ، يرفهون عن أنفسهم ، ويتدارسون مشاكلهم ويخططون لمستقبل يومهم ،  ويقسمون بينهم  الأدوار والأعمال التي سينجزونها في غدهم ، خصوصا عندما يسود نمط الإنتاج العائلي بينهم ….انطلاقا من كل ما سبق ، نستطع التأكيد ، على أن المجتمع المغربي ، قد خبر التوقيت المستمر وتعامل معه  منذ زمان بعيد ، وفي الفترة الاستعمارية كرسه المعمرون ، إذ كانوا يشغلون العمال الفلاحين من طلوع الشمس ،إلى غروبها ،ولاسيما أولئك الذين يجنون المحصول الزراعي ويقطفون  العنب . وبعد أن ظهر نمط الإنتاج الرأسمالي في المغرب وغاب نمط الإنتاج الخماسة والرباعة وبدأ في التلاشي كل من نمط الإنتاج السخرة ، أو ما يسميه بول باسكون  بنمط الإنتاج القايدي  ونمط الإنتاج الإقطاعي وكذا نمط الإنتاج العائلي . تغير العديد من عادات المجتمع المغربي على صعيد الإنتاج والاستهلاك وأصيبت الأسرة الممتدة أو العائلة  في العمق وغاب معها التكافل والتعاون على رعاية الأطفال وتربيتهم ، وظهرت بدلها  الأسرة  النووية وما صاحبها من ظواهر غريبة عن المجتمع المغربي ، كظاهرة الخادمة المربية ، والجارة الحاضنة  ( ترك الأطفال عند الجارة أثناء غياب الزوجين عن البيت )  ودور الحضانة ، ورياض الأطفال ، وأطفال المفاتيح ( تكليف البكر من الأبناء بمفتاح المنزل وحراسة الإخوة  أثناء غياب الأبوين )  …إن غياب كل من الزوجين عن البيت بسبب العمل طيلة النهار .أفقدهما القدرة على التربية والتنشئة الاجتماعية السليمة والمراقبة الصارمة ،الشيء الذي أدى إلى كثرة تغيبات الأطفال عن الدراسة ، وتخلفهم الدراسي، وإلى الهدرالمدرسي ، ثم إلى الانحراف السلوكي والديني والأخلاقي… 

ولكن تحت ضغط الدوافع الاقتصادية ، ومنها ارتفاع سعر المحروقات ومحاولة التخفيف من أعباء صندوق المقاصة  الموجه إلى الطاقة ، والأمل في ارتفاع مردودية الموظفين ، على مستوى الكم والكيف، واستجابة للرغبة السياسية في الإصلاح الإداري  وتحقيقا لرغبة الموظفين –  يقول وزير الوظيفة العمومية محمد الخليفة : ( إن أزيد من تسعين  بالمائة من الموظفين مع التوقيت المستمر (3) ) –  ظهرت الحاجة إلى العمل  بالتوقيت المستمر وسهلت القبول به . مع الإشارة ، إلى أن أي دراسة  سوسيولوجية أو سيكلوجية على نتائج أو انعكاسات التوقيت المستمر على الموظفين  والأسرة والأطفال  لم تجر لحد الآن ، في حدود علمي، وإنما التوقيت المستمر، جاء كما سبق الذكر، نتيجة دوافع اقتصادية  وسياسية وليس نتيجة دوافع اجتماعية أو حوار وطني . فإذا قمنا بعملية سبر الآراء ،حول التوقيت المستمر، فمن الأكيد أن نحصل على آراء متباينة ومختلفة  حول التوقيت المستمر، فمن مثمن له ،على أساس أنه مقلص ومخفض  لنفقات الماء والكهرباء والهاتف والنقل ، منعش للإدارة ،  طارد للكسل والخمول  وموسع  لمساحة وقت الفراغ   … إلى ساخط عليه بسبب غياب البنية التحتية ، كالمقاصف التي تقدم الوجبات والمسجد ومرافق الوضوء وحرمان الأسرة من التجمع حول المائدة وسط النهار والانشغال بالتفكير في الأطفال وفي تغذيتهم وفي المخاطر التي قد يتعرضون لها وفي الزيادة في المصروف ، بسبب التشارك في تحضير الطعام داخل مقر العمل أو التناوب على إحضاره جاهزا من البيت …إن الخلاف الدائر حول ملاءمة أو عدم ملاءمة التوقيت المستمر لمجتمعنا ، وما ينعت به من أوصاف دنيئة ، كالتوقيت المر ، والاعتقال المستمر… يؤكد الرفض التام لهذا النظام وعدم الرغبة فيه من طرف المواطنين كافة . فالمواطن ، عندما يتوقف على وثيقة ما أو تكون له مصلحة ويقصد الإدارة العمومية قبل التاسعة صباحا أو بعد الثانية زوال ، فإنه من المستحيل أن يجد من ينجز له الوثيقة أو يقضي له المصلحة التي يريد . لأن الموظف وخاصة الطبيب – المرض هو الذي ينتظر الطبيب إلى العاشرة صباحا وليس العطس –  والمهندس والمسؤول في الإدارة بصفة عامة ، كيف التوقيت المستمر على حسب هواه ، فجعله  من التاسعة أو التاسعة والنصف إلى الثانية عشرة أو الثانية عشر والنصف في أحسن الأحوال ،( عوض التوقيت الذي أقرته الدولة والمشار إليه في السابق ) . أما في يوم الجمعة ، فغالبية الموظفين  يتوقفون عن العمل نهائيا ، ابتداء من الحادية عشرة ، بحجة صلاة الجمعة ، وحتى الموظفات ، وإن كن لا يذهبن إلا نادرا إلى صلاة الجمعة ، لترخيص الشارع لهن  ذلك  ، يعللن غيابهن عن العمل ، بالاستعداد لزيارة أمهاتهن قصد أكل الكسكوس أو لتهييئ الكسكوس لأصهارهن وبناتهن . وبعد ذلك يتكلف العون أو حارس الأمن  أو رجل القوات المساعدة ، بإقناع المواطنين بالصبر  والانصراف،  ثم محاولة الرجوع في الغد ،ليقضي مراده الإداري ، إن حالفه الحظ طبعا ،  وعليه أن يكون  مستعدا لاحتمال غياب المسؤول أو احتجاب  الرئيس المكلف بالإمضاء أو وقوع إضراب غير معلن عنه أو انعقاد اجتماع  طارئ ومغلق أو أي حجة أخرى تمكن الموظف من التهرب من واجبه الذي يتقاضى عليه أجرا ، قد يعادل عشرات المرات قيمة الخدمات التي يقدمها للمواطن …

إن التوقيت المستمر في القطاع العام موزع بين التغيبات المبررة وغير المبررة والتهرب من القيام بالواجب ، كلما غابت المحاسبة وكان المسؤول بعيدا عن مقر العمل وعن أنظار الموظفين . فهو عبارة عن هدر مهول  للوقت وإهمال لمصالح الناس وضياع لمال الأمة ، الذي ينفق كأجر لخدمات لا تنجز . والمدهش حقا هو، أن التوقيت المستمر في القطاع الخاص أو شبه العمومي ناجح بكل المقاييس ، على خلاف التوقيت المستمر في القطاع العمومي ، لالتزام جميع الأطراف من الرئيس إلى المرؤوس بالوقت المخصص للعمل  ولخضوعهم للمساءلة وللاقتطاعات أو الفصل نهائيا عن العمل ، عند كل إخلال بنظام الوقت المعمول به والمتفق عليه ، مع أخذ شكاوى الزبناء ضد الموظفين  بكل جدية ، الشيئ الذي قد يعرضهم للإنذارات والعقوبات الإدارية  . وهذا هو سر نجاح التوقيت المستمر في الدول التي اهتدت إليه، وفي القطاع الخاص عندنا   . لكن فشله في القطاع العمومي عندنا يعود في تقديري إلى أن بعض الموظفين بالإدارات العمومية ،لا يقدمون الخدمات إلى المواطنين ،إلا بعد من ، وتماطل ، وتضجر ، وربما بعد تلقي حلاوة أو رشوة … وكأنها ليست من مهامهم ،التي يتقاضون عليها الأجر، أما القيام بالواجب من أجل الواجب كما يقول الفيلسوف كانط ،أو القيام به لوجه الله ومخافة منه .فهذا ما لا يوجد في قاموسهم الديني والأخلاقي والوطني ولا حتى العرفي . وهنا لابد أن أشير ، إلى إحدى تجاربي مع الإدارة العمومية والتوقيت المستمر، لتعبيرها عن ما يكنه المواطن من شعور حاقد على الإدارة العمومية .ورفض تام للتواقيت المستمر ( المكيف طبعا حسب هوى الموظف ).

 لقد زرت البلدية ،مرات عدة في شأن وثيقة إدارية ، وفي كل مرة كنت أواجه بعبارة العون ( الموظفون اليوم مضربون ) . وحينما حالفي الحظ ،  ولم أصادف إضرابا .لم يأت الموظف،إلا بعد العاشرة بقليل،وأثناء انتظاره، كان بجانبي زوجان، يبدو أنهما من المهاجرين القادمين من بلاد الغربة ، عانيا الكثير عانيت ، ينتقدان الموظفين وسلوكهم المشين ، ويقارنونهم بنظرائهم في الغرب … وما سرقته أذناي قول الزوجة لزوجها بصوت يكاد  لا يسمع : [ ) الرومية تقصد المرأة الغربية غير المسلمة ( تكتفي بقطعة خبز وشريحة خنزير وتقضي الغرض .، أي تقوم بواجبها المهني . أما المسلمة فهي تقرأ القرآن في مكتبها ولا تستجيب له أي لا تقوم بواجبها ] . عجبا هذه تأكل الحرام ، وتفعل الحلال ، والأخرى تفعل الحلال وتأكل الحرام .والمفروض أن يكون العكس . فما هو السرفي ذلك  ؟ فهل هو راجع إلى  الازدواجية التي يعيشها جل موظفينا ، أم راجع إلى طبيعة عقلية المجتمع المغربي التناقضية ،التي تؤمن بالقضية ونقيضها في الوقت نفسه ؟ أم راجع ،إلى غياب المساءلة وعدم صرامة المسؤولين وتواطئهم مع مرؤوسيهم .إلى جانب انتشار الفساد الإداري بين الموظفين  وعدام الخوف من الله والتشبع بأخلاقيات الإسلام.

إن إهمال العمل  والغياب عنه وعدم القيام بالواجب أو الإخلاص فيه لا يعود إلى عيب في التوقيت المستمر في تصوري .وإنما يرجع إلى سلوك الموظف غير المرتبط بخوف الله ولا بالضمير المهني ، وإلى ليونة المدراء والرؤساء وعدم حزمهم  في محاسبة مرؤوسيهم . وإلا فكيف نفسر نجاح التوقيت المستمر، في القطاع الخاص وفشله في القطاع العام ، على الرغم من تشابه الضروف والإمكانيات ؟

إن التحسيس بأهمية التوقيت المستمر، كما  سجله تراثنا الإسلامي ،وأعرافنا الاجتماعية ، والعمل على تكييفه مع عاداتنا وواقعنا الأسري والاجتماعي دون إغفال أو إهمال تجارب الأمم الناجحة في هذا  المجال،إلى جانب مساءلة ومحاسبة كل من فرط أو ضيع أو عرقل أو عطل مصالح المواطنين والموظفين على السواء ، محاسبة شرعية . لأن عدم حترام وقت العمل، يعتبرسرقة وخيانة وأكل لأموال الناس بالباطل ، يعاقب عليه الشارع في الدنيا والآخرة . لمن شأنه أن ينجح العمل بالتوقيت المستمر، ويلحقنا بركب الأمم الناجحة في مجاله  . بقلم عمر حيمري .

 (1)  (وزارة تحديث القطاعات العامة منشور رقم 4 )……..

( 2) باب طعام الواحد يكفي الإثنين( صحيح البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك وحدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي  هريرة  وقد أورده كذلك مسلم في صحيحه .

(3) المغرب يتجه نحو اعتماد التوقيت المستمر في الإدارة  : جريدة الشرق الأوسط الصادرة بتاريخ 18-5- 2001 عدد 8207

 

عمر حيمري


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*