Home»Régional»كوابيس اليقظة : الكابوس الأول: الرشوة

كوابيس اليقظة : الكابوس الأول: الرشوة

0
Shares
PinterestGoogle+

فهمت من خلال تلميحات زوجتي أنه من مصلحة الجميع أن أترك المنزل طيلة ذلك اليوم كيلا يتعكر مزاجي بسبب الضوضاء التي يحدثها عادة أطفال يرافقون أمهاتهم اللاتي سيمضين اليوم في المنزل من أجل تجاذب أطراف الحديث وتبادل الأخبار العائلية. بعد تفكير طويل اهتديت إلى برنامج أوفق فيه بين ضرورة تواجدي خارج المنزل وكذا كوني متعبا جراء رحلة الأمس إلى شاطئ البحر وحاجتي إلى الاستفادة من يوم الراحة الأسبوعي.
قررت إذا استكشاف منطقة لا زلت أجهلها لأنني لم أزرها من قبل ولها صيت ويأتي ذكرها في أحاديث عديدة. إنها منطقة دبدو الجبلية الواقعة جنوب مدينة تاوريرت بحوالي خمسين كيلومترا.
كانت الساعة قد جاوزت الثامنة والنصف صباحا حين غادرت المنزل معتمرا قبعة تحميني من أشعة شمس متوهجة في سماء صافية لا يخفف من وقعها إلا هبوب متقطع لنسيم منعش من جهة الشمال. لم أحمل عدتي المعتادة لرحلات المشي حيث كان هدفي الاسترخاء والاستكشاف ما عدا آلة التصوير والمنظار.
توجهت نحو محطة حافلات المسافرين حيث اشتريت تذكرة ذهاب إلى مدينة تاوريرت على متن حافلة (أسفار النور) تنطلق مبدئيا على الساعة التاسعة صباحا. كان علي الانتظار عشر دقائق قبل ان يحين موعد الانطلاق. اشتريت زجاجة مياه معدنية لمواجهة الحرارة التي لفعتني موجة منها حين ولجت الحافلة للمرة الأولى فوجدتها غصت بالمسافرين الذين تسابقوا إلى مقاعد يحسبونها أكثر راحة أو أقل تعرضا لأشعة الشمس. فضلت الانتظار خارج الحافلة حتى تحركت فقفزت على متنها وجلست في مقعد وراء الباب الخلفي جهة الرصيف قرب النافذة وكانت الساعة قد تجاوزت التاسعة بعشر دقائق.
توقفت الحافلة عند باب المحطة حيث يتعين التصريح بعدد الركاب وتأدية الرسوم البلدية. وبعد دقيقتين من المفاوضات بين مساعدي السائق وموظف الجبايات تابعت الحافلة سيرها إلى أن وصلت إلى الشارع الرئيس حيث يفترض أن تنعطف شمالا في اتجاه تاوريرت وفاس فانعطفت الحافلة يمينا وسارت إلى المدار الرئيس قبالة مدخل محطة المسافرين حيث طافت حول المدار ثم توقفت بعد أن ولت وجهها شطر فاس. كانت هنالك أمة من الناس ينتظرون وبعد أخذ ورد مع جماعة مساعدي السائق امتطى الحافلة أحدهم وفضلت مجموعة من ثلاثة أشخاص انتظار حافلة أخرى لأنه لم يتبق سوى مقعدين شاغرين.
هبط المساعدون إلا اثنين أحدهما فتى يافع وشقت الحافلة طريقها وسط فوضى السيارات والدراجات والعربات والراجلين الذين يختلطون في قارعة الطريق. بعد مئات الأمتار توقفت الحافلة ليصعد إليها مسافران شغلا المقعدين الأخيرين. تابعت الحافلة سيرها فيما انهمك المساعدان في استخلاص ثمن التذاكر من المسافرين الذين لم يؤدوا الثمن لدى شباك التذاكر (أي الذين لم ولن يتم التصريح بهم) وبدأت سرعة الحافلة تتزايد إلى أن اعترضها حاجز مراقبة للدرك الملكي على بعد كيلومترات قليلة من أطراف المدينة. توقفت الحافلة فجلس المساعد الفتى في درج الباب الخلفي متخفيا بينما نزل المساعد الشاب من الباب الأمامي واتجه نحو الدركيين الذين وقفوا عند مؤخرة الحافلة فألقى التحية وصافح أحدهم وتبادل معه بضع كلمات. كان الرجلان واقفين تحت النافذة التي أجلس عندها فمضيت أراقب حركاتهما. بعد المصافحة مباشرة وأثناء تبادل الحديث فرج الدركي كفه اليمنى قليلا فتبدت لي وله ورقة نقدية من فئة عشرين درهما مطوية عدة مرات. تفحص الدركي الورقة النقدية ثم ألقى نظرة نحو الأعلى وكأنه أحس بنظراتي ترمقه وما أن رآني أنظر إلى كفه حتى أقفلها وتزحزح راجعا نحو مجموعة الدركيين الآخرين الذين كانوا على بعد ثلاثة أمتار. أسرع المساعد إلى الباب الأمامي حيث أعطى للسائق إشارة تقدمت الحافلة على إثرها حوالي ثلاثين مترا ثم توقفت قرب شاحنة صغيرة من نوع هوندا كانت قد توقفت هناك للتو. بعد التحية وبضع كلمات تم نقل قطع حديدية ثقيلة يبدو أنها أجزاء محرك ضخم ووضعها مع أمتعة المسافرين. ثم انطلقت الحافلة بسرعة كبيرة حيث وصلنا مدينة تاوريرت قبل الساعة الحادية عشرة بربع ساعة.
حمدت الله على نعمة الوصول سالما. إلا أن الحالة المتردية للحافلة وخاصة نوابضها خلفت لدي إرهاقا لا يتناسب مع المسافة التي قطعناها وهي حوالي مائة وعشرة كيلومترات.
الخلاصة هنا لا تتعلق بفوائد الرحلة التي كانت كبيرة بل بالخسارة التي تجنيها الأمة والوطن نتيجة تفشي وباء الرشوة. فالحافلة التي أقلتنا تسير في ضلال الرشوة وكل حركة من حركاتها خاضعة للرشوة: إنه اختيار وبئس الاختيار.
من الرابح إذا ومن الخاسر في نظام الرشوة؟ وما مقدار هذا الربح والخسارة؟
لنضرب على ذلك مثل الحافلة.
تعتمد الحافلة على أمرين مهمين في تحصيل أكبر قدر من المداخيل لمالكها والعاملين عليها:
تفادي إصلاح المركبة في كل ما يتعلق براحة المسافرين وأمنهم إلا المحرك وما هو ضروري لسير الحافلة
التصريح بعدد ضئيل من المسافرين لتفادي الرسوم والضرائب
ففيما يتعلق بالحالة الميكانيكية للحافلة يتم إغواء مصالح الفحص التقني للسيارات بمبالغ لا تتعدى ألف درهم بمناسبة الفحص نصف السنوي إضافة إلى الإتاوة اليومية المؤداة للدركيين على المحاور الطرقية عن كل رحلة.
أما التزوير في عدد المسافرين فيتم بالتواطؤ مع مسؤولي الجبايات الجماعية الذين يغضون الطرف عن مداخيل الجماعة (حوالي مائة درهم) لقاء عشرين درهما تذهب إلى جيوبهم إضافة إلى الإتاوة اليومية المؤداة للدركيين على المحاور الطرقية عن كل رحلة.
ما هي إذن المبالغ المستحقة والمقبوضة خلال سنة؟

المبالغ المستحقة (بالدرهم)
المبالغ المؤداة (بالدرهم)
المبالغ الزائدة (بالدرهم)
الفحص التقني
1000
1000
1000
إصلاح وصيانة الحافلة
30000
5000
التصريح بالمسافرين
105000
35000
14000
الضرائب على الدخل
35000
500
1000
المراقبة الطرقية (الدرك)
2100000 (ذعائر)
105000
المجموع
2271000
41500
121000
النسبة المئوية
100
1.82
5.32

يتضح من هذا المثال المبسط أن المبالغ المؤداة لخزينة الدولة والجماعة تشكل نسبة هزيلة (2 بالمائة) من المداخيل المستحقة سواء برسم الضرائب والرسوم المحلية أو الضرائب على الدخل أو الذعائر والغرامات. بينما يستحوذ موظفو الدولة والجماعات المحلية لحسابهم الخاص على نسبة خمسة بالمائة من المبالغ المستحقة.
إضافة إلى خسارة خزينة الدولة والجماعة لمبالغ طائلة في هذه الحالة هناك أضرار تتمثل في:
تحمل المواطن لظروف سفر قاسية وخطيرة أقل ما يقال عنها أنها غير مريحة في حين تضمن القوانين وأثمنة التذاكر الراحة والأمن للمسافر
تحمل النظام الاستشفائي لملايير الدراهم من النفقات الصحية لفائدة الآلاف من ضحايا حوادث السير الناتجة عن تردي الحالة الميكانيكية للحافلات وتجاوزها للسرعة المحددة
وفاة المئات من المسافرين سنويا في حوادث السير الناتجة عن تردي الحالة الميكانيكية للحافلات وتجاوزها للسرعة المحددة
تمييع الإجراءات القانونية واستبدال القانون الرسمي بقانون موازي يضعف هيبة الدولة وينخر مواردها المالية التي لا تنمية بدونها.
إن نتيجة هذا النظام البديل هو بقاء البلاد في دائرة التخلف والضعف والفوضى.

كيف تكون الأمور لو أزيل عنصر الرشوة من هذه الدارة؟
حافلة نظيفة في حالة ميكانيكية جيدة تتميز بضبط الوقت، الانطلاق حسب المسار المبرمج ، احترام تحديد السرعة وقواعد التجاوز وغيرها من ضوابط السير. سفر مريح للمسافر. ربح وفير لمالك الحافلة. مدخول جيد للجماعة. موارد ضريبية مهمة لميزانية الدولة. إنقاذ مئات الأرواح من الهلاك. تفادي الإصابة في الحوادث لآلاف الأشخاص. توفير ملايير التكاليف الطبية والخسائر المادية. استعادة هيبة أجهزة المراقبة. نفاذ القوانين وخضوع المواطنين لها….
على الصعيد المالي قد يكون الوضع كالتالي:

المبالغ المستحقة (بالدرهم)
المبالغ المؤداة (بالدرهم)
المبالغ الزائدة (بالدرهم)
الفحص التقني
1000
1000
إصلاح وصيانة الحافلة
30000
30000
التصريح بالمسافرين
105000
105000
الضرائب على الدخل
35000
35000
المراقبة الطرقية (الدرك)
(ذعائر)
المجموع
171000
171000
0
النسبة المئوية
100
100
0

إذا قارنا حالة الفوضى التي تسودها الرشوة مع الحالة الطبيعية بدون رشوة نجد أن مجموع التكاليف بالنسبة لمالك الحافلة متقارب (162500 / 171000). ولو افترضنا أن مداخيل الضريبة على الدخل تضاعفت كما في المثال سبعين مرة (من 500 إلى 35000 درهم) وأن الرسوم الجماعية تضاعفت ثلاث مرات سيكون من البديهي أن تخفض الدولة والجماعات من نسب ضرائبها ورسومها لأن مواردها عالية وكافية للقيام بالأعباء والاستثمارات الضرورية من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن ضمنها رفع أجور موظفيها لتجنيبهم مهانة اللجوء إلى وسائل دنيئة لكسب ما يسد حاجاتهم. كما أن سيادة القانون والأمن والأمان وتراجع الرشوة من أقوى الدوافع المشجعة للاستثمارات الخارجية والسياحة والأعمال بصفة عامة.
في هذه الصورة المشرقة ليس هناك خاسر فالكل رابح على كل المستويات بل وفي الأمد الطويل (حتى الموظفون الذين كانوا يعتمدون على مداخيل الرشوة لكفاية حاجياتهم لن يعودوا في حاجة إليها مع تحسن أوضاعهم). بينما تؤدي الحالة الأولى في الأمد البعيد إلى انهيار كل شيء وسيادة الفوضى.
إن الحالة الأولى حلقة مفرغة أو بالأحرى متردية تهوي بالجميع إلى دركات الفوضى والتخلف والضعف. بينما الحالة الثانية حلقة متصاعدة تسمو بالجميع إلى درجات عالية من الكرامة والتنمية والتماسك الاقتصادي والاجتماعي.
والسؤال الصعب الآن هو : كيف ننتقل من الحالة الأولى إلى الحالة الثانية؟ هل هناك حل واقعي.
بصيغة أخرى : كيف يجب على المواطن الغيور أن يتصرف حيال هذه المصيبة كل من موقعه في الإدارة أو عالم المال والأعمال والتجارة وغيرها؟

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

4 Comments

  1. يحي
    14/06/2007 at 13:26

    مهما يكن فالخاسر الاكبر هو المواطن بالدرجة الاولى. ف20درهم عند المرتشين ومنعدمي الضمير تساوي حياة العشرات من المواطنين . ويتحدث البعض عن حصاد الطرق؟ من هنا تؤتى امة رسول الله صلى الله عليه و سلم. كما أن خسارة الدولة في الملايير هي حرمان البلد من المشاريع الانمائية التي كانت ستعود على المواطنين بالخير.
    نرجو من المسؤولين الضرب بقوة على كل متلاعب بمصير البلاد و العباد.
    وشكرا للاخ الدي نبه الى الموضوع. والسلام.

  2. محمد الزعماري
    15/06/2007 at 14:49

    هذا ما اصبح امرا عاديا لدى مستعملي الطرق سائقين ومراقبين بل يصل الامر ببعضهم قبول اي مبلغ وان كان قليلا (عضة في الفكرون ولا يمشي بلاش) والخاسر هو الوطن ،وهذه حالة اخرى من نتائج الغش في التربية، ملايير الدراهم تعرف طريقها الى جيوب الغشاشين عوض صندوق الخزينة العامة والطامة الكبرى ان السيد الوزير غلاب فكر في تضخيم الغرامة ولم يقكر في اصلاح المراقبة الطرقية بكل اصنافها وبذلك يزيد الشحمة في ظهر المعلوف ويفرغ الخزينة.

  3. مهتم
    16/06/2007 at 14:04

    قالت لي زميلة في العمل : إذا ارتكبت مخالفة أفضل أن أعطي رشوة لدركي أو شرطي قدرها 20.00 درهما تذهب إلى مصروف أولاده بدل أن أعطيها لخزينة الدولة وتذهب إلى كروش الحرام اللاوطنيين .
    تصوروا إذن .. الرشوة باتت مسلما بها . فقط يبحث الناس عن أفضل السبل للانتفاع بها أو نفع الآخر بها .. إنها الكارثة حقا ..

  4. مواطن من شمال المغرب
    16/06/2007 at 20:26

    هل ظاهرة الإرتشاء على الطرقات خافية على المسؤلين الكبار وعلى الرؤساء المباشرين اهؤلاء المرتشين المنتشرين عبر كل طرقات الوطن’ وأعتق أن الجميع يتحل المسؤلية كل من موقعه في تفشي هذه الظاهرة المشينة والمسئة ألى سمعة الوطن. كما أن هذه الفئة المرتشية راكمت ثروات وتعيش حياة تفوق بكثير وضعها الإجتماعي الحقيقي.

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *