Home»National»العولمة والحقل الثقافي المغربي : من فائض الإنتاج المادي إلى فائض الإنتاج الرمزي

العولمة والحقل الثقافي المغربي : من فائض الإنتاج المادي إلى فائض الإنتاج الرمزي

0
Shares
PinterestGoogle+
 

ينطوي مفهوم العولمة كما يتم تداوله اليوم عل نطاق دولي واسع ، على روح سحري من المجازات والاستعارات ، وعلى نظام رمزي مشفر يخلب الألباب .وربما أمكن القول أن هذا المفهوم يثير شهيتنا ونهمنا المعرفي في تفسيره وتأويله ومحاولة استكشاف عوالمه ومعانيه باستمرار ، بهذه الصفة بالذات .
تمثل العولمة في الوقت الراهن نظاما للفكر والعمل على المستوى الكوني يتم تسويقه يوميا عبر جميع أنواع التكنولوجيات الجديدة للاتصال الجماهيري . إنها بهذا المعنى تقع في قلب حياتنا اليومية المعيشة ، وتنفذ إلى أدق تفاصيل لاشعورنا وسلوكياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .
ومن حيث هي معيرة كونية لنمط العيش ، ومرجعية للفعل البشري ، فهي تعطينا الانطباع دائما ، لكي تنجح في ترسيخ مشروعيتها ودعواها الكونية لاشعوريا، أنها كائن حضاري استثنائي ولد في اللا-زمان . وكثيرا ما تبدو العولمة محاولة ماكرة للانفلات من الصيرورة التاريخية والعبث بمنطقها الصارم والموضوعي من أجل شرعنة ما هو راهن وتكريس إيديولوجيا الحضور ، خاصة حين تتبدى لنا في صورة كائن ملحمي قادم من اللا- مكان ، متعاليا على نقطة البدء وفائضا في الزمن الحاضر بحيث يحجب نهايته المحتملة ذاتها .
من الواضح في تقدير التحليل السالف للعولمة ، أن هذه الأخيرة لا يمكن اختزالها كاقتصاد كوني  أسطوري ضخم وعابر للقارات ،بحيث توجد حصرا في حقل المبادلات المادية  ، لأن الأمر لا يتعلق فقط بأسواق مفتوحة وسلع متدفقة من أقصى نقطة في الكون إلى أقصاها . فهذا التدفق التكنولوجي والسلعي الدولي الضخم الذي ترعاه اليوم مؤسسات دولية قوية وتشريعات وأنظمة قانونية ذات شرعية لا يطالها الشك ، كان مستحيلا  لو لم يصاحبه تدفق في الأفكار والصور والأخلاق وأنماط العيش وطقوس وأعراف الحياة اليومية.
تطالبنا اليوم هذه الظاهرة الكونية المسماة بالعولمة ، بمراجعة مفهوم < الثقافة المغربية > . فإذا كان الأنتروبلوجيون في السنوات الماضية لا يتصورون الظواهر الثقافية والمنتجات الثقافية المختلفة ، إلا بالنظر إلى تجسيدها لذهنية جماعية تشتغل داخل فضاء مكاني محدد ، كما كان السوسيولوجيون لا يتصورون الظواهر والمنتجات ذاتها إلا كتجسيد ترميزي للتضامن الاجتماعي ولمختلف التسويات والتوافقات التي تحوم حوله ، بين مجموعات اجتماعية في نطاق < دولة –أمة >  ، فان  العولمة في السنين الأخيرة بشكل خاص ، واليوم بشكل أخص، كظاهرة كونية كاسحة أدت في المغرب إلى ميلاد ظواهر ومنتجات ثقافية من طبيعة مختلفة ، ولا تكاد تنضبط لهذه الشروط السوسيولوجية والأنتروبولوجية الأنفة الذكر . ولا يخفى أن الفكر الفلسفي المعاصر ، إضافة إلى العلوم الاجتماعية والاقتصادية وما يسمى بالدراسات الثقافية في الوقت الراهن ، قد بذلت جهودا جبارة في رصد والتقاط وتحليل عدد من الظواهر المعرفية والثقافية المغربية التي تقع في قلب هذه التحولات التي تسير بسرعة مجنونة ، بفعل التأثيرات الضاغطة للعولمة .
تسافر الثقافة اليوم عبر القارات كما تسافر التكنولوجيا والمنتجات الاقتصادية بالذات . فكما تم إعفاء السلع والبضائع من الرسوم الجمركية الوطنية ، أو على الأقل التخفيف من مساطر ولوجها إلى الأسواق المحلية ، تم إعفاء المنتجات الثقافية أيضا بنفس المنطق التسويقي . وقد استفادت المنتجات الثقافية بدورها من حماية تشريعية دولية كما استفادت نظيرتها المادية . ومن الأكيد أن بصمة المصالح الإستراتيجية للدول والاقتصاديات العظمى واضحة في ذالك .لهذا ، ربما كان السؤال الأهم والذي ينبغي طرحه باستمرار في هذه النقطة ، بالنسبة للسياسات الثقافية الوطنية ببلادنا ، وهي في غمرة استقبالها لهذا الزخم الرمزي الكوني الذي  يتدفق دون استئذان ويخترق الحدود القومية ،سؤالا ينصب على كيفية تدبير هذا الزخم، وبالتالي تكييفه مع الحاجيات الثقافية الوطنية بمنافع أكثر وخسائر أقل . ومن هنا بالذات  إمكانية المساهمة في هذا الإنتاج الثقافي الذي يكتسي صبغة كونية ، عوض الاكتفاء باستهلاكه فقط ؟
هذا التدفق الضخم و اللامحدود  من رؤوس الأموال المادية والرمزية ، نتج عنه بروز ظواهر ثقافية جديدة بالمغرب وغير مسبوقة إلى حد كبير ، وهي ما زالت في مراحلها وتشكلانها الجنينية . وربما يمكن أن نختزل هويتها الشمولية في ذلك النوع من الانتاجات الرمزية التي تدعى ب< الثقافة الرحالة > التي لا وطن لها ولا حدود لها .
لكن هذا التدفق الضخم ذاته أدى إلى ميلاد سياسات ثقافية وطنية جديدة ، حاولت التكيف مع هذه الظواهر الغير المسبوقة والعسيرة الضبط والمراقبة ، في ضوء استراتيجيات وأنظمة قانونية ومعاييرطقوسية وعرفية تختلف فلسفتها السياسية هنا وهناك ، حسب طبائع الدول والمجتمعات .
لقد عملت العولمة بأجهزتها التكنولوجية الحديثة ومؤسساتها السياسية والاقتصادية الدولية المنزوعة الجنسية ، على تسويق فكرة < المواطن الكوني> المنزوع الهوية القومية ببلادنا ، فيما هو يشغل مكانه الخاص .وهذا ما يمكن أن نسميه ب < تزمين الأمكنة >، من خلال إخضاعها لمعيار زمني كوني ونمطي لا يتوقف عن السير خطيا إلى الأمام ، باسم حرية انتشار وتداول المعرفة على نطاق لا محدود ، وباسم صيانة التعدد الثقافي ذاته ، وبالتالي دفاعا عن الانفتاح اللانهائي على ثقافات الآخرين ، كيفما كانت أعراقها وجنسياتها وأصولها السوسيوثقافية .

تغري العولمة بالسفر نحو استكشاف  منتجات وفضاءات ثقافية مغايرة لا تنفك تكتسي حلة عجائبية ، ومثيرة لشهية الروح والجسد معا بدعوتهما إلى غواية كونية بلا ضفاف ، تماما كما تغرينا البضائع الراقية والرفيعة الجودة وهي تتدفق من كل مكان من العالم ، غير أن لعبة التنافسيات الثقافية الكونية ، تخضع لمراكز القوة الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى ، وذلك ما يمثل رهانا قويا وصعبا ، وبالتالي مغامرة لاتخلو من خطورة  بالنسبة للأوضاع الثقافية  بالمغرب والتي  تتوجس من ضياع هوياتها المحلية وهي تعيش مخاض الإقرار الاجتماعي والسياسي للتعدد الثقافي على ترابها القومي .

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.