Home»Régional»حمار من زمن ديوجين بقلم … يوسف حجازي

حمار من زمن ديوجين بقلم … يوسف حجازي

0
Shares
PinterestGoogle+

حمار من زمن ديوجين بقلم … يوسف حجازي



خرجت من ذلك الشيء الذي يفترض أن يكون بيتاً، وهو ليس بيتاً بكل المقاييس لأنه لا يتناسب مع أبسط المواصفات الإنسانية التي يجب أن تتوفر في أي بيت … وسرت في شوارع المخيم … مخيم الشاطئ الشمالي الذي لا يتناسب أيضاً مع أبسط المواصفات العالمية للسكن … ذلك المخيم الذي يعوم على بحيرة من المجاري تطفوا فوقها ما يفترض أن تكون بيوت وهي في الحقيقة ليست بيوت … في وسط هذا الزحام ماذا يمكن أن يرى الإنسان … علب صفيح متراصة بشكل فوضوي … زوا ريب تفوح منها روائح نتنه … حاويات زبالة امتلأت وفاضت الزبالة على جوانبها الأربعة لتنشر في الجو رائحة يمكن أن تكون سبباً كافياً لقتل أي إنسان أو حيوان من غير سكان المخيم الذين أدمنوا هذه الروائح وتعايشوا معها … أودية من المجاري تقطع المخيم من الشرق إلى الغرب لتصب في البحر تلوثه وتلون مياهه بكل ألوان الطيف … هذا البحر الذي كان في يوم من الأيام بحيرة فينيقية تمخر عبابه سفن تجارية تنطلق من صور وصيدا وعكا وحيفا ويافا تحمل الأرجوان الكنعاني إلى المستعمرات الكنعانية في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط … وأطفال حفاة وأنصاف عراه … ومساجد وعربات كارو تجرها الحمير والبغال والخيول ، وآفات حشرية من كل الأشكال والأنواع ، وزواحف وقطط وكلاب ، وناس لا يشبهون الناس، وبحر لا يشبه البحر ، وسماء لا تشبه السماء ، وأرض لا تشبه الأرض ، وهواء لا يشبه الهواء ، وماء لا يشبه الماء ، كل شيء يختلف في المخيم عن كل شيء في غير المخيم ، وهنا وقفت أنظر إلى الأرض والبحر والسماء ، وقلت في نفسي
لماذا يختلف كل شيء في المخيم عن كل شيء في غير المخيم ؟
لماذا كل هذا الظلم ؟
لماذا كل هذه التعاسة ؟
هل يوجد في الزمان منذ هبوط الإنسان عن الشجر من هم أتعس من هؤلاء الناس الذين يعيشون في هذا المخيم وفي كل مخيمات الشتات الفلسطينية ؟
هل يوجد في المكان من القطب إلى القطب من هم أتعس من هؤلاء الناس الذين يعيشون في هذا المخيم وفي كل مخيمات الشتات الفلسطينية ؟
وفجأة وجدت نفسي أصرخ بأعلى الصوت
كل هذا البؤس لنا ؟
من أراد أن يتقرب إلى الله فليهدم بيتا في مخيم الشاطىءاو في أي مخيم فلسطيني
وفجأة أيضاً سمعت صوتاً يقول
نعم كل هذا البؤس لكم
ونظرت أمامي فوجدت حمار يختلف عن حمير المخيم وكل الحمير الوطنية فقلت له
لماذا نستحق كل هذا البؤس ؟
قال الحمار: نعم تستحقون كل هذا البؤس
لكن هيا بنا نجلس على شاطئ البحر تروي لي شيئاً وأروي لك شيئاً
قلت : وقد كنت أشعر برغبة عنيفة في أن اروي له كل شيء
هيا نجلس لأن عندي ما أقوله لك
قال الحمار : وأنا عندي ما أشير به عليك
من جودت العبارة وحسن الإشارة مما قد لا تجده عند البشر
لأن فساد الماضي خلق عندكم مشاعر الكراهية بينكم
قلت: نعم
لقد كان هم حكامنا كيف ينهبونا لا كيف يحكمونا
وكيف يخلقوا بيننا أسباب الفرقة لا كيف يوحدونا
قال الحمار : لأن سلطتكم كانت سلطة متوحشة
والسلطة المتوحشة التي لا حدود لها نوع من المتعة ولو كانت سلطة على حمار
لذلك كان كل ما يهمهم كيف يربحون وكيف ينتزعون أي شيء من أي شخص آخر
قلت : هل يوجد في عالم الحيوان هذا البؤس
قال الحمار : لا … شو إحنا بشر
قلت : لماذا …. هل الحيوانات أفضل من البشر
قال الحمار : نعم
ولماذا تنكرون فضل الحمير على من يلبسون الحرير
ولماذا تنكرون فضل الكلاب على من يلبسون الثياب
قلت : لأننا بشر وليس حيوانات
قال الحمار : هذا ليس سبب
قلت : كيف يكون السبب
قال الحمار : السبب أن تحققوا أنفسكم من خلال أنفسكم وليس من خلال نفي الآخرين
قلت : وكيف يكون ذلك
قال الحمار : أن تكونوا منسجمين مع أنفسكم فسيولوجيا وسيكولوجيا
قلت : وهل انتم منسجمون مع أنفسكم
قال الحمار : نعم جميعا منسجمون مع أنفسنا فسيولوجيا وسيكولوجيا
لأننا جميعا مصنفون طبقا لطبيعتنا الفسيولوجية وإمكانياتنا السيكولوجية على قاعدة الحيوان المناسب في المكان المناسب ، فالحمار حمار والكلب كلب والذئب ذئب والثعلب ثعلب ، ولا احد يطمع أن يكون في غير مكانه أو في المكان الذي لا يتناسب مع طبيعته الفسيولوجية وإمكانياته السيكولوجية
قلت : ونحن كلنا بشر
قال الحمار : ليس كل البشر بشر
قلت : كيف
قال الحمار : ليس كل الحيوانات حيوانات
وليس كل النبات نبات
وليس كل الطيور طيور
وليس كل البشر بشر
قلت : حجة ما بتقلي عجة
قال الحمار : ليش حجة ما بتقلي عجة
قلت : ما ينطبق على الحيوان والنبات لا ينطبق على البشر
قال الحمار : شو خيرك عنو وأنت ابن عمو
قلت : شو يعني ابن عمو
قال الحمار : إحنا كلنا أولاد عم ونرجع إلى أصل واحد وجد واحد
قلت : يعني شو
قال الحمار : الحيوانات أصناف
حمير وكلاب وذئاب وثعالب وخنازير واسود ونمور وغزلان وبقر وخراف ونعاج
والنبات أصناف
زيتون وتفاح وقمح وشعير وزيوان وعوسج وزعتر وغرقد وشيح وحنظل
والطيوراصناف
نسور وحمام وصقور ودجاج وغربان وبط وبوم كناري
والبشر كمان أصناف
طيب وغبي وشرير وقبيح وخبيث ووطني وخائن وشريف وحقير وعالم وجاهل وخاري وقاري
لذلك يجب أن تصنفوا أنفسكم طبقا لطبائعكم وإمكانياتكم حتى لا يبقى القاري غفير والخاري وزير
قلت : يعني المشكلة فينا
قال الحمار : نعم فيكم أولا وفي الآخرين ثانيا
قلت : والحل
قال الحمار : أن يكون الإنسان إنسان
وان يوضع الإنسان المناسب في المكان المناسب
قلت : يعني أنا مسؤول عن كل هذا التعاسة
قال الحمار : وقد نظر إلى وجهي الحزين التي ارتسمت عليه كل علامات الإحساس بالقهر والإحباط وقال
انأ احمل لك كل مشاعر الصداقة والشفقة
ولذلك أتيت إليك من زمن غير هذا الزمن
ومن مكان غير هذا المكان
حتى أقولك ارجع إلى نفسك فالمسألة أنت والمشكلة أنت
قلت : المسألة أنا والمشكلة أنا
قال الحمار : نعم
قلت : كيف
قال الحمار : من أين نبدأ
قلت : من هنا
من مخيم الشاطئ
من القضية
من الوطن
من الشعب
من السلطة
من الحكومة .
قال الحمار : فلسطين لم تعد وطن
والشعب الفلسطيني لم يعد شعب
والسلطة ليست سلطة
والحكومة ليست حكومة .
قلت : يا نجي الألطاف نجينا مما نخاف
ما بكفينا التعاسة والظلم يللى فينا جاي تزيدنا تعاسة فوق تعاسة وظلم فوق ظلم
قال الحمار : أنا مش جاى ازيدكو تعاسة فوق التعاسة ولا ظلم فوق الظلم
انا جاى أضعك أمام المرآة لترى الحقيقة حقيقة وتسمى الأسماء بمسمياتها
قلت : ماشي الحال هات المرآة وهات الأسماء
قال الحمار : الوطن صار حارة كل من ايدو الو
والشعب صار كمية أفراد
والسلطة بلا حكومة
والحكومة بلا سلطة
قلت : هيك كبرت الحكاية
قال الحمار : ليش أنت فاكر الحكاية صغيرة ، ما قرأت أوسلو
قلت : أوسلو ماتت
لأنها شروط واجبة التنفيذ سلمها الغالب للمغلوب
ولأنها مرتبطة بظروف وأشخاص والظروف والأشخاص تغيروا
قال الحمار : أوسلو حية ترزق وحية تسعى
لأن المعادلة لم تزل غالب ومغلوب والظروف والأشخاص لم يتغيروا
قلت : اليوم في حكومة جديدة
قال الحمار : رجعت تحكي عن حكومة
قلت : نعم يوجد سلطة ويوجد حكومة
قال الحمار : لماذا تستمرون في الضحك على أنفسكم وانتم تعرفون انه لا يوجد وطن ولا يوجد شعب ولا يوجد سلطة ولا يوجد حكومة
قلت : كيف
قال الحمار : لا يوجد وطن لأنكم أنفسكم لم تتفقوا على حدود الوطن
ولم تتفقوا على خارطة الوطن
ولا يوجد شعب لأنكم لا تشتركون في شبكة علاقات تاريخية وثقافية واجتماعية
ولأنكم جميعا مرضى نفسيون
بعضكم مرضى مستبصرون يعرفون أنهم مرضى ويعترفون أنهم مرضى
وبعضكم مرضى نصف مستبصرون يعرفون ويعترفون أنهم مرضى أمام أنفسهم ولكن لا يعترفون أمام الآخرين
وبعضكم مرضى غير مستبصرون لا يعرفون أنهم مرضى ولا يعترفون أنهم مرضى
ولا توجد سلطة لأنها بلا حكومة ولأنها جاءت استجابة لضغوط خارجية
ولا يوجد حكومة لأنها بلا سلطة
قلت : وكل هذه الهمروجات الإعلامية ، ورؤساء ووزراء ونواب وأجهزة وفصائل وأحزاب
قال الحمار : حط في الخرج
قلت : شو طبو يا ربو
قال الحمار : الرؤساء
واحد عيشكو غش في غش
وواحد لا بيهش ولا بينش لكن في من ينوب عنه في الهش والنش
وواحد اكلكو مش
قلت : والوزراء والنواب
قال الحمار: كمان حط في الخرج
اللي شلح سلم واللي ما شلح غرم
قلت : والأجهزة
قال الحمار : أجهزوا عليها والضرب في الميت حرام
قلت : والأحزاب والفصائل
قال الحمار : بدهم فلسطين تكون لهم مش هم اللي يكونوا لفلسطين
قلت : شو العمل يا حمار
قال الحمار : ارجعوا إلى الأسباب لان النتائج ترد إلى أسبابها
قلت : كيف
قال الحمار : النكبة تفقس النكبة
ونكبة 48 فقست نكبة 67
ونكبة 67 فقست نكبة 73
ونكبة 73 فقست نكبة 78
ونكبة 78 فقست نكبة 82
ونكبة 82 فقست مؤتمر مدريد
ومؤتمر مدريد فقس أوسلو
وأوسلو فقست السلطة
والسلطة فقست الفساد
والفساد فقس الانتخابات
والانتخابات فقست الحرب الأهلية والحصار الاقتصادي ومؤتمر مكة وحكومة المحاصصة الميليشاوية
قلت : وبعد هذا كله من يسمح لنا بالرجوع إلى الأسباب
قال الحمار : ابحثوا عن الإنسان فيكم وأعيدوا قراءة التاريخ قراءة نقدية وموضوعية
قلت : هذا يحتاج إلى وقت ونحن نعيش في ظروف قاهرة
قال الحمار : الذنب ذنبكم لقد تأخرتم
ديوجين بحث عن الإنسان في أثينا قبل ثلاثة آلاف عام وكان يسير في شوارع أثينا وهو يحمل فانوس في النهار وعندما كان يسأله الناس لماذا تحمل فانوس في النهار يا ديوجين ؟
كان يقول لهم ابحث عن إنسان في أثينا
وانتم اليوم أحوج ما تحتاجون إليه إنسان يعيد قراءة تاريخ الماضي ويصنع تاريخ المستقبل





MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *