Home»Régional»من سيرة ولد الجبال: فقيه بِعيْنَي ثُعبان

من سيرة ولد الجبال: فقيه بِعيْنَي ثُعبان

0
Shares
PinterestGoogle+
 

– 8 –
رمضان مصباح الادريسي

أشرقت عليه الشمس ،ذات صباح من عشرينيات القرن الميلادي الماضي، و هو بتراب القبيلة ؛طالبا للشرط. لم يزد أول لقاء له مع القائد اعمروعلى إثارة ارتياب هذا القائد الشرس؛المتمترس بجبال الزكارة كنمر وثاب..
لما انصرف الفقيه الشاب ،غير مقبول وغير مطرود،قال القائد الأمي لجلسائه،بأمازيغيته الفصيحة،مبررا إعراضه: ياله من فقيه بعينين خضراوين متقدتين كعيني ثعبان( اطاون انَّس ذِزِزاوَنْ، بَرْقْقن أمُوصاظْ).
لم ينتظر الفقيه محمد الجبلي-خريج القرويين،دون شهادة- أن يأذن له القائد بالإمامة ؛بل استغل أيام ضيافته بالقبيلة فصار يؤذن ويصلي بالناس ؛وحينما هم بالرحيل استوقفه القائد- بمسعى من الجماعة- وقال له:حسنا أنت فقيهنا فتوكل على الله.
حينما أدركته الوفاة،في أواخر السبعينيات ؛تقاطر على القبيلة كل من عرفه، أو تتلمذ على يديه ،أو تعلم منه أمور فلاحته ومعاشه ؛فكان يوم وداعه يوما مشهودا؛ أكثر من وداع مجرد فقيه جبلي « براني »، وأكثر حتى من وداع الأعيان النافذين.
حينما تطوع البعض لأداء ديون مؤكدة للفقيد لم يطالب أحد بشيء.
كبف أسر هذا الفقيه قلوب الناس؟ لماذا لم تنسه القبيلة؛ولا تكرر فيها مثيل له؟لماذا أذكره كلما ذُكر العلم والفقه؛ رغم أني لم أتتلمذ على يديه إلا بعض يوم؟
ألا يغرس الزيتون والجبلي في القبيلة؟
لم يستسغ الفقيه أبدا هذا الإعراض عن الشجرة المباركة؛خصوصا وهو يرى سواقي الماء الزلال تنحدر من عل ،وتعبر بساتين خضراء ،فيحاء ،عن يمين وشمال؛ويتأمل عفو الماء يسيل عبر الوادي ،ينعم به السابحون من الأطفال وترتاده الأنعام ،وتصدر عنه وعن ظلاله جذلى، رشيقة كغزلان.
أما شجيرات الزيتون المعمرة؛في جوف الوادي، فلم تكن ملكا لأحد؛ولم يعرف لها غارس ولا جان؛عدا الأطفال.
يحكي الوالد: كنا ننتظر قدوم التجار اليهود إلى القبيلة لنستبدل الزيتون بأعواد الثقاب؛ومن شدة خبث اليهودي ،كان يمضغ حبة الزيتون ثم يتفلها وهو يقول لنا:هذا زيتون مر لا قيمة له؛خذوا علبة ثقاب واحدة فقط.
يشمر الفقيه عن فقهه ألفلاحي ،الذي حصله بقبائل جباله ،ويشرع في غرس أشجار الزيتون في حواشي البساتين ،والأراضي المهملة ؛بمعية تلامذته؛بعد الانتهاء من حصص التحفيظ، الممتدة من الفجر إلى الظهر.
سأقطع أرزاقكم أيها اليهود ؛هل يوجد زيتون حلو؟
توالت السنون ؛والفقيه ماض في برنامجه التعليمي والفلاحي.لم يكن لينا في الشقين معا؛
إذا كان بصدد تحفيظ القرآن أبان عن شراسة نمر،في مواجهة الكسلاء ؛لا يضاهيه حتى كبار التلاميذ قوة .وإذا كان بصدد الشق ألفلاحي فلا يُشق له غبار ،وهو يتقدم الصفوف، يستنهض الهمم ويقوي العزائم.
هذه أرضكم »لفقيه ما عندو والو »؛ويضحك: زيتون مر؛ياأعداء الله و النبي.
الفقيه يغادر في مهمة:
بعد أن تلاحقت غلال الزيتون،ما غرسه الفقيه وما أكمله سائر الفلاحين-تبركا بالشجرة المباركة-،استأذن القائد في الذهاب إلى بني عروس،قبيلته، لاستقدام حرفيين متمرسين ببناء المعاصر ،وتصنيع لوازمها ،من الجذوع وصلد الصخور.
أيام غيابه كانت بمثابة أعياد بالنسبة لطلبة؛ لا يعرفون أهم فرحون باستراحتهم من قرآن الفجر ،ولسعات البرد والعصا ؛أم من الحفر والسقي وفقيه لا يزيده التعب إلا عنفوانا وجلدا؟
تم كل شيء كما أراد الله لهذه البلدة الطيبة يوم « سلط » عليها الفقيه محمد الجبلي بعينيه الثعبانيتين.
لكن بقرآن وفقه يسعيان بين الناس؛واقفين وغير جالسين على أرائك متقابلة،تسر الناظرين.
فتاوى الفقيه ؛كانت تتخلل عرقه ،وهو يمارسها ولا يتلفظ بها: لا فرق بين العبادة والعمل.
لا عبادة بدون عمل. لا فرق بين من يصلي لله، ومن يغرس زيتونا يحبه الله ويباركه. الصلاة دعاء،الغرس استجابة.
حينما شرع الفقيه في استصلاح جانب من مقبرة قديمة جدا، ليحيي بها شجرا ،بعد أن أمات الله بها ناسا ؛لم يصده أحد من القبيلة ؛حتى وهو وتلامذته يجمعون العظام في أكياس ،ويعيدون دفنها بعيدا.
لقد اجتمعت فيه الدراية الفقهية والفلاحية – إضافة إلى شدة البأس- فمن يعترض عليه؟
لا ألذ اليوم من الزيت الزكراوية؛وحيثما وليت وجهك تجد ذكرى هذا الفقيه:أشجار مثمرة تغطي مساحات وحواشي كانت تعد من موات الأرض.
لقد حل مسجد الامام مسلم محل مسجده القديم ،مع الاحتفاظ بما غرسه الفقيه حوله.حبذا لو سمي هذا المسجد باسمه لأن للامام مسلم مساجد في كل ربوع العالم الاسلامي.
« مسجد الفقيه الجبلي » أيستكثر هذا على رجل اشتغل على كتاب الله ،وعلم الناس الصلاة وغرس الزيتون وطحنه؛كما بث في الشباب روح الوطنية؟
الفقيه يلتحق بالمقاومة في شمال المغرب:
« باتْ ما اصْبح »،لم يخبر أحدا عن وجهته ؛كما يقول ابنه البكر حماد الجبلي،وقد رافقه في بحثه الشاق ،في جبال الشمال، عن خلايا المقاومة: كنا نسير ليلا وننام نهارا ؛وحينما نتيه نحتاط من سؤال الناس.
استمر الغياب ثلاث سنوات ؛كما يحكي الوالد ،وذات فجر –في نهاية الأربعينيات- استيقظت القبيلة كلها على صوت آذان مألوف لديها .من؟ سيدي محمد الجبلي عاد؟ هو بلحمه وعظمه:
اختار أن يدخل القبيلة ليلا ،وأن يكون سلامه آذانا يصدح فجرا . لم يحزن حتى تلامذته لأن الشوق إلى الفقيه- ولو شرسا- ملك عليهم نفوسهم.
منذ عودته وهو يحدث الناس عن المقاومة ،والوطن المحتل،وكفر المستعمرين الاسباني والفرنسي.
إن الكبار،الذين يتذكرون اقتحام كتيبة فرنسية سنة 1916لجبال القبيلة ،واعتقالها للقائد بلعيد وأعوانه بتهمة »المس بأمن الدولة الفرنسية » وكأنهم ضبطوا في نواحي باريز؛كانوا يعرفون ما يدور في ذهن الفقيه،ويتواطئون معه سرا وعلانية.
حركة شبابية ،بدأت تستعد للتوجه معه إلى حيث »شغل الرجال » كما كان يردد دائما على مسامعهم؛حيث يغرس زيتون مبارك ،من نوع آخر.
هزمته العيون المنبثة في كل منعطف،فاعتُقل مع مجموعته؛وغيبهم سجن المستعمر.أما أشجار الزيتون فقد واصلت نموها واحتجاجها..إلى أن عاد الجميع مبشرين بالاستقلال.

يوم بكى في جنازة طفل بكاء مرا:

يحكي لي حماد أنه احتار في أمر الوالد الفقيه: ما الذي يبكيه ،وهو الشيخ المتمرس بالجنائز ؟يبكي طفلا بئيسا لم يمهله المرض طويلا.
حينما انصرف الناس سأل أباه عن السر؛فكان الجواب: لما كنت بصدد غسل الطفل لاحظت أن يديه خشنتان متورمتان ؛خضراوان من كثرة ظفر حبال الحلفاء. يواصل:لن يغفر لنا الله أبدا حينما يرى هاتين اليدين ،لطفل صغير ،فقير ومضطر ؛في الوقت الذي يلعب فيه أقرانه.
كان بعض التجار يجمعون ما ينتجه فقراء القبيلة من « كوردة »-مقابل دريهمات قليلة- ويصدرونها إلى الجزائر ؛حيث تستغل في كروم المعمرين.
كانت شراسة الفقيه تخفي قلبا رحيما بالبلاد والعباد.
يوم بكت الهمزة:
دأب الفقيه الجبلي ،رحمه الله،على استضافة أبناء جيرانه ،من التلاميذ العائدين ،في العطل،إلى ذويهم بالقبيلة؛وهم أحفاد الجيل الأول الذي غرس معه الزيتون.
بعد طعام العشاء ،وحول صينية الشاي،يشرع- وقد بلغ من الكِبَر عتيا، في الحديث عن أخبار الأولين ،والمسالك والممالك، وهاجوج وما جوج؛ويُعرج على الألفية ،والتحفة ؛وبعضا من البردة.
شذرات من هنا وهناك ؛فهمنا في ما بعد أنها من محفوظاته ،وهو بجامع القرويين؛حيث درس زمنا ؛دون نيل العالمية.
ولن أنسى أبدا حديثه عن خلق الله للحروف العربية؛وكيف أن الهمزة حينما بدا لها عوجها ،شرعت في البكاء،وأفاضت دموعا غزيرة – بل طوفانية- كانت وراء ظهور البحار والأنهار.
لعل لمسة الطبري ،في تاريخه ،ظاهرة هنا. لكن ما هو ظاهر أكثر هو حب الفقيه الجبلي للتلاميذ ،وسعادته بهم وهم ضيوفه؛يستمعون إلى بقية فقه وعلم لا تزال لها مواقع في ذاكرته.
هذا هو الفقه الواقف ،وقوف أشجار الزيتون ؛أما حينما يتحول إلى فقه جالس ،مفارق للمجتمع ،لصيق بالمتون فقط ؛فهو- لا محالة- إلى ركود وفساد ؛ولم لا إلى فقه الكراهية والترهيب؟
وللفقيه الجبلي نوادر في غاية الطرافة: يتبع

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.