Home»Correspondants»مستشفى « الفارابي »… مَن يَحكُم؟

مستشفى « الفارابي »… مَن يَحكُم؟

0
Shares
PinterestGoogle+
 

السلسلة الصحية « شَــرَّحْ…مَــلَّــحْ »

مستشفى « الفارابي »… مَن يَحكُم؟

مدينة « وجدة » المناضلة الصامدة الصامتة التي يزيد تاريخها عن الألف سنة، حيث ارتبط تأسيسها بالزعيم المغراوي « زيري بن عطية » في فترة عُرفت بتوتراتها السياسية و الإقليمية فكان لزاما عليه توسيع مملكته خارج العاصمة « فاس » و حمايتها من الناحية الشرقية و ذلك من خلال بناء مدينة « وجدة » سنة 384 هـ / 994 م، ثم القيام بتحصينها عبر إحاطتها بالأسوار العالية والأبواب التي كُلف الحراس بفتحها وإغلاقها. منذ ذلك الحين و هي تؤرخ لمدينة حدودية استراتيجية متميزة تجاريا و اجتماعيا و سياسيا، إذ أضحت تشكل مصدر إزعاج للمستعمر الفرنسي لكونها احتضنت القاعدة الخلفية للمقاومة الجزائرية في عهد الأمير « عبد القادر » فاعتُبِرت العلامةَ الفارِقةَ من أجل احتلال المغرب و التجذر في شمال افريقيا.

من بين المعالم العمرانية الاجتماعية التي طبعها المستعمر الفرنسي على ناصِية المدينة سنة 1954 نجد مستشفى  « Maurice Loustau » المسمى حاليا « الفارابي » (و هو منه براء)، كان يُسيره آنذاك أطباء عسكريون فرنسيون نذكر من بينهم « Sauvaget » الذي كان له الفضل في توظيف السيد « عبد الرحمان الزناتي » كممرض مساعد، هذا الأخير يعد مفخرة لمدينة وجدة فهو كاتب و شاعر و رسام روى شهادات حية عن المنزلة الرائدة التي كان يحتلها مستشفى الفارابي كصرحٍ نموذجي لتقديم الخدمات الصحية على المستوى الوطني من حيث التنظيم و التسيير و جودة العلاجات رغم ضغط الطلب المُمارَس عليه، حيث لم يكن هذا المستشفى يكتفي بخدمة المواطنين المغاربة فقط بل تعداها إلى تلبية الحاجيات الصحية للجزائريين أيضا خصوصا منهم رجال المقاومة فقد كان رهن إشارة حركة التحرير الجزائرية…

إلى حد الآن الأمور واضحة، عرفنا مَن أسس و حكم مدينة « وجدة » و من سيَّر مستشفى « Maurice Loustau » و جعل منه مثالا للمؤسسة الصحية الجيدةِ الحكامة و الخدمات إبّانَ عهدٍ اتّسمَ بالاستعمار و الاستغلال، اليومَ و نحن بلد مستقل في القرن 21 أين وصل مستشفى « الفارابي » ؟؟ و مَنْ يُسيره؟؟

إن أغلب المستشفيات التي شيدتها فرنسا على أراضيها منذ ما يزيد عن الخمسين سنة تم هدمها أو تجديدها بالكامل على غرار المركز الاستشفائي Alès-Cévennes الذي أُسس سنة 1958 و لأنه أصبح متجاوَزًا كبناية صحية لم تعد تُساير الحاجيات و التطور الحاصل على المستوى الصحي تمت إعادة بنائه سنة 2000. هل ينتظر مستشفى « الفارابي » استعمارا جديدا حتى يتم ترميمه كليا أو تجديده جذريا و هو القائم منذ سنة 1954 ؟؟ فإضافة إلى تهالك بنيته التحتية و جدرانه، يعتبر موقعه الحالي منافيا لمعايير إقامة مؤسسة صحية لائقة بالجهة الشرقية لأنه يتواجد وسط المدينة القديمة محاصرا بمئات المنشآت السكنية و محطات النقل و الضجيج و التلوث…

الطبيعي في منهجية تسيير أي مؤسسة صحية تحترم نفسها وجود قمة استراتيجية مكونة من المدير و من المسؤولين عن مختلف الأقطاب، ثم فريق عمل مؤهل و متكامل يتقاسم مهام التدبير بوضوح و فعالية. إلا أن مستشفى « الفارابي » ابتدع فلسفة جديدة في الحكامة حيث تم عكس الهرم التراتبي للإدارة و السماح بتطفل كل من هب و دب على المهام التقريرية للمؤسسة، فجُل المصالح تغرد خارج السرب بالنظر لآليات تسييرها و عدم تكاملها مع باقي المصالح، كما أن مستعجلات المستشفى أصبحت زُقاقاً من أزقة المدينة القديمة حيث صار الولوج إليها و التسكع في دهاليزها أسهل من دخول أحد الأسواق الشعبية بالمدينة، أغلب الحالات الواردة عليها ليست مستعجلة بالضرورة، و لا ندري مَن يسير هذه المصلحة أهو رجل الأمن الذي يتدخل حتى في الحيثيات التقنية داخل قاعة العلاجات و التشخيص أم المتدربون من ممرضين و أطباء أم بعض المتشردين و المجرمين المرابطين ليلَ نهار بذاتِ المصلحة أم المكتب المسير لفريق « المولودية الوجدية »…؟؟

على ذكر المتمرنين أو بالأحرى المتمرنات من خريجات القطاع الخاص (لأن أغلبهم إناث) فالملاحظ أن مدة تمرينهم قد تتجاوز السنتين و الثلاث و الأربع دون انقطاع في غياب تام لمعايير واضحة في اختيارهن و عملهن و كذا هوية الجهات التي تختارهن دون غيرهم؟؟

لا يسعنا سرد ملاحظاتنا حول منهجية تدبير « سِيدْ الفارابي » دون الإشارة إلى قيام بعض أعوان الخدمة بمهام تقنية صرفة بعيدة تماما عن مجال تخصصهم و ذلك بمباركةِ مَن يهمهم الأمر و لعل مصالح الأشعة و السكانير و الصدى شاهدة على هذا العبث…هناك من يعلل ذلك بقلة الموارد البشرية لكنه مجرد ذر للرماد في العيون خصوصا إذا علمنا بوجود سوء في توزيع الموارد البشرية فيما بين المصالح و المراكز الصحية و كذا وجود ما يفوق 5000 ممرض على المستوى الوطني في حالة بطالة…ناهيك عن بعض الأطر المزاولين بالمستشفى على الورق، لكن تواجدهم الفعلي هو بالقطاع الخاص أكثر من مقر عملهم الذي يقتصرون فيه على اصطياد الضحايا بغية إلحاقهم بالقطاع الخاص و دائماً بمباركةِ أولي الأمر…

إضافة إلى الأطر التقنية و الإدارية و أعوان الخدمة هناك فئة ثالثة جديدة من موظفي وزارة الصحة بدأت تطفو في بِركةِ « الفارابي » و هي فئة « التُّجار » الصحيين الذين يُسهلون كل شيء على المَرضى حتى عملية استخلاص فواتير الخدمات الصحية عِوَض مصلحة الاستقبال و القبول…لذا وجب على إدارة « الفارابي » تطبيق بنود مدونة التجارة إلى جانب القانون الداخلي للمستشفيات.

أما عن الثغرات المهولة الطاغية على أدوات و آليات برمجة و تسيير و تقييم و تتبع مختلف مصالح و تجهيزات المستشفى فالحديث هاهنا ذو شجون، حتى الأدوية لم تسلم من النقص الحاد و التسريب الغير مراقب فغالبا ما يضطر المرضى لشراء أدوية من المفترض توفرها بالمستشفى، و أحيانا يتم توجيه عملية الشراء إلى صيدلية بعينها أو بائع مواد شبه طبية دون غيره…

رغم كل ما ذُكر أنَفاً « الفارابي » مُصاب « بعينٍ حاسدة » تستلزم رُقية شرعية وزارية، فكلما تم تعيين مدير رسمي على رأسه يستقيل أو يُعفى بعد سنة أو سنتين بالكثير من تعيينه، للعلم فهو إلى حد كتابة هذه السطور بدون مديرٍ مُعينٍ رسميا… فمَن « الفَقيه » الذي يروقُهُ بقاء المستشفى بلا مدير ؟

إلى جانب « الفارابي » هناك مؤسسة صحية أخرى من المستوى الثالث الأكثر تطورا و تقدما (نظريا)، أقصد هنا المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس، من المفروض أن يكون هذان المستشفيان على دراية و توافق تامين بخصوص طبيعة العلاقة و المساطر التي تحكم تنقل المرضى بينهما غير أن الواقع يثبت العكس لأن التنسيق بينهما مُعتَل يطبعه الإخلال بالمسؤوليات و تبادل الاتهامات بخصوص تنظيم تنقل المرضى فيما بينهما…

كما يعد المركز الاستشفائي الجامعي من بين المسؤولين الأساسيين على شبكة التجهيزات و خدمات الطوارئ الطبية « RISUM  » التي تضم من بين مكوناتها « SAMU  » و يعتبر آلية لتقديم العلاجات الأولية للمرضى في عين المكان بعد تلقي مكالمات هاتفية و الذهاب إليهم ثم نقلهم إلى المؤسسة الصحية التي تتناسب و حالتهم، الغريب في الأمر أن منهجية عمل هذه الشبكة أخذت طابعا انتقائيا في التعامل مع الحالات الواردة و صارت تتميز بالبطء و المزاجية مما أودى بحياة الكثير من المرضى، و يتم استعمالها أحيانا من أجل أغراض سياسية و حزبية ضيقة كما هو الشأن بالنسبة لعمليات التدخل بواسطة « الهيليكوبتر »…و عندما يحط المريض بمصلحة المستعجلات يُفاجَئ بغياب مواد طبية أساسية ك »BETADINE  » فيجد نفسه مجبرا لشرائها…

ملاحظة أخرى تكاد تثير امتعاض أغلبية الأطر الصحية و هي عدم تسهيل ولوجهم و ذويهم (الآباء و الأبناء و الأزواج) إلى الخدمات الصحية على مستوى كلا المستشفيين طبقا للدورية رقم 00108 بتاريخ 11 يونيو 2001، الأدهى من هذا أنه أحيانا تتم عرقلة استفادة الموظف من الخدمات الصحية و التضييق عليه بدون سبب  الشيء الذي يؤثر سلبا على نفسيته و مردوديته و مستوى تحفيزه. و هناك العديد من حاملي الأمراض المهنية الذين تنكرت لهم وزارة الصحة و ماتوا في ظروف مزرية…

ذلكم كان غيضاً من فيضِ ما يتخلل عمل المؤسسات الصحية بمدينة وجدة خصوصا بمستشفى « الفارابي » الذي يُزبِدُ غَوغائيةً و فساداً و استبداداً، فمَن له مصلحة في استغلال و تحريك هذه المؤسسة تبعاً لأهوائه ؟؟ و مَن يُسيّر و يحكُمُ « خَرابَ » « الفارابي » ؟؟… الحَاصُولْ الله يعطينا شي « Maurice Loustau »…(يُتبع)

  بقلم محمد عبد الله موساوي.

 

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

3 Comments

  1. رأي حر
    22/06/2016 at 22:57

    مستشفى الفارابي من النقط السوداء في المنطقة الشرقية التي وجب اصلاحها ليس على مستوى التجهيزات والبنايات بل العقلية التي تسيره

  2. مواطن مفقوص
    23/06/2016 at 03:17

    بتعليمات من طبيبها، قصدت سيدة في خمسينيات عمرها مستشفى الفارابي للتزود بالدم، نظرا لحاجتها الماسة لذلك. وكم كانت صدمتها كبيرة لما زعمت الدكتورة دون أن يحمر لها جفن بأن الدم يمنح فقط لمن هم في سن 80 أو يزيد، أي من أنهوا حياتهم ولا ينتظرون إلا الموت!!!!. وكأن العطار ترفض أن تصلح ما أفسده الدهر، عفوا المرض. لا بارك الله لمثل هؤلاء

  3. Fatimazahra
    23/06/2016 at 21:11

    مقال في المستوى و وقائع يعيشها يوميا كل من يزور هذا المستشفى تحية لصاحب المقال الرجل المناضل و الشريف سي المساوي

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.