التهريب من الجزائر إلى المغرب:عملة صعبة.. وأقراص القرقوبي.. ومشتقات نفطية


     55


كثر الحديث عن التهريب وانعكاساته على اقتصاد البلاد، ومهما قيل عن التهريب فلا يمكن معرفة حجمه وحقيقته إلا بمعاينة ما يحصل بالجهة الشرقية عن كتب، رحلة لمدينة وجدة تجعلك تكتشف هذه المدينة وأسرارها، وتتعرف عن قرب على ظلمات التهريب وسراديب أبطاله ووسائله، لكن بعد أن تركب مشاق الوصول وتتنقل بين شعاب المنطقة الشرقية و”أسواقها”، وتتقاذف بين مهرب وآخر كي تحصل على كلمة أو تصريح ربما لن ينقل الحقيقة كاملة لأنهم يتوقعون أن تكون مخبرا أو رجل أمن قد يكون سببا في إيقافهم أو يخشون أن تلهيهم على جلب زبناء جدد لاقتناء سلعتهم المهربة. في وسط المدينة تكثر الأسواق التجارية التي تضم مختلف السلع المهربة تباع بأثمنة أقل، لكن تبقى جودتها ضعيفة مقارنة مع السلع المغربية لأنه كما يقول المثل ”عند رخصو تخلي نصو”. كي تكون مهربا جيدا ـ حسب هؤلاء ـ عليك باستخدام دراجات نارية وسيارات بل أحيانا شاحنات، والملفت للانتباه هو انتشار سيارات يطلق عليها ”المقاتلات” لكونها تقاتل من أجل جلب السلع المهربة فسائقها قد يقتل كل من حاول إيقافه في سبيل أن يلوذ بالفرار، وهذه السيارات إما لا تحمل أرقاما أو تحمل أرقاما مزورة حتى لا يهتدى لصاحبها.

”التجديد” زارت مدينة وجدة فالتقت العديد من العاملين في مجال التهريب في بعض المواد والمتضررين منه وبعض المتتبعين لحركة التهريب بالمنطقة الشرقية فأنجزت الاستطلاع التالي:

المغرب يفقد العملة الصعبة

بعد أن كان الصيارفة في المنطقة الشرقية يتنافسون لتحصيل العملة الصعبة في المنطقة الشرقية أصبحوا غير مبالين تجنبا للضرائب، وربما أخذ بعضهم يفكر في الاستغناء عن رخصة صيرفي ليشتغل في السوق السوداءالذي تدر على أصحابها أرباحا كبيرة.

يؤكد سعيد الجابري تاجر وصيرفي أنه بدأ العمل كصيرفي منذ 1988 وكان حينها التنافس بين الصيارفة على أشده، إذ كان حوالي 44 صيرفي يحصلون مليار سنتيم من العملة الصعبة يوميا وكانت الضريبة وقتها لا تتجاوز 005,0 في المائة من رقم المعاملات ولكن لما ارتفعت إلى نسبة 1 بالمئة وكانت مراجعات من سنة 2001 إلى 2004 كل هذا جعل الصيارفة مستاؤون ويعتبرون أنه عوض تشجيعهم على مجهوداتهم من قبل مكتب الصرف ومن البنك، تمت زيادة نسبة الضريبة، خاصة أن هناك من الصيارفة القانونيين من كان يشتري مليار سنتيم في اليوم الواحد وأحيانا في مدة خمس أو ست ساعات.

هذه الوضعية، يقول الجابري، كانت تستفيد منها العائلات المغربية أما الآن فالمغرب أصبح يفقد كميات كبيرة من العملة الصعبة ولا تستفيد الدولة من ذلك لكثرة الوسطاء في عملية الصرف.

ويوضح الجابري أن العملة كانت سابقا تأتي من الجزائر لأن الثمن كان يفرض نفسه أما الآن فالعملة أصبحت تتوجه نحو الجزائر بكميات كبيرة.

نشاط للسوق السوداء

حسب دراسة أعدتها غرفة التجارة والصناعة والخدمات بوجدة سنة 2004 في موضوع ظاهرة التهريب بالمنطقة الشرقية فإن سوق الصرف الموازي يعرف نشاطا مكثفا في العديد من مدن الجهة كوجدة بني درار وبركان، حيث ترتبط مزاولة هذا النشاط بالحضور القوي لتجارة التهريب من جهة، ثم إلى وجود عدد كبير من أبناء الجهة المغتربين في المهجر، والذين لم يعد تواجدهم يقتصر على فترات العطل والمناسبات بل أصبح على مدار السنة، حيث يأتون بسيولة هامة من العملة يقومون بتحويلها في هذه الأسواق.

ولا يملك هؤلاء محلات قارة لممارسة نشاطهم فهم يعملون إما بالمقاهي أو يجولون حولها وحول أبواب الأسواق، كما تراهم يركضون وراء السيارات المرقمة بالخارج.

ففي مدينة وجدة تعتبر ساحة المغرب العربي بحكم موقعها الاستراتيجي الهام من أهم البؤر التي تنشط فيها عملية الصرف، يليها شارع محمد الخامس وعرفت العملية نموا كبيرا على مستوى مقاهي شارع علال الفاسي.

وتتكون شبكة الصرف السوداء، دائما حسب الدراسة، من فئتين: فئة الوسطاء المنادون وتكمن مهمتهم في جلب الزبناء وفئة أصحاب رأس المال: وهم أرباب القطاع ومالكي العملة.

ويتحكم في الصرف الأسود بعض التجار لأنهم يمنحون تخفيضات هامة بالمقارنة مع سوق الصرف الرسمي عند الشراء ويرفعون الثمن إذا تعلق الأمر بالبيع.

”صيدلية” الفقراء

مجرد أن تطأ قدميك سوق الفلاح بمدينة وجدة حتى تنصب عليك أسئلة شباب اختاروا الوقوف متفرقين ”هل أنت بحاجة إلى دواء”، وإن كان جوابك نعم فما عليك إلا أن تتبعهم لتجد نفسك في دكان يبيع مواد أخرى غير الأدوية ولكن في ركن من أركانه يمكنك أن تختار الدواء الذي تريده.

طبعا الأثمنة بخسة مقارنة مع ثمن بيع الصيدلية والأدوية متعددة ومتنوعة أدوية ممنوعة وأخرى متاحة، عن مصدر هذه الأدوية يحكي أحد الباعة الذين يتاجرون في الدواء قائلا والارتباك باد على محياه ”مصدر هذه الأدوية من الجزائر وهناك أدوية يجلبها العمال المقيمون بالخارج لذويهم فيقوم هؤلاء ببيعها لنا وأيضا هناك من العاملين بالمستشفى يبيعون لنا بعض الأدوية”.

ويبرر هذا البائع الذي لا يتجاوز سنه 24 سنة تعاطيه لهذا العمل بكونه لم يجد عملا يجني من ورائه أرباحا والتي يقدرها ما بين 100 و200 درهم يوميا، إضافة إلى أنه ينقذ حياة العديد من المرضى الفقراء، حسب قوله، ممثلا على ذلك بكونه يبيع الأنسولين بثمن 60 درهم في حين تباع في الصيدليات بـ150 درهم، كما يقوم ببيع دواء معالج للسرطان مُُّّىلفًٌَُّ بـ120 درهم في حين ثمنها الحقيقي هو 450 درهم.

لم يكن هذا البائع سوى واحد من عشرات الشباب الذين يجتهدون في سوق الفلاح من أجل بيع الأدوية بكل وسائل الإقناع ويظهرون وكأنهم درسوا الطب والصيدلة في أفخم الجامعات، وبعملهم هذا يعتبرون أنفسهم، حسب ما أكدوا لــ”التجديد” يقدمون خدمة لمرضى فقراء لا يتجاوز دخلهم اليومي 10 دراهم، كما أن هذا العمل يوفر لهم مدخولا لا بأس به يغنيهم عن الجلوس دون عمل في وقت أصبح الحصول على عمل في المنطقة الشرقية صعب المنال.

البنزين بـ 4 دراهم

على بعد 11 كيلومتر من مدينة وجدة يوجد مركز المراقبة ”جوج بغال” إنه فارغ تماما إلا من رجال الأمن الذين يراقبون هناك ويعتبرون أن المكان حساسا لا يجوز تصويره أو تعديه، وعلى طول الطريق المؤدية إلى هذا المكان تجد قارورات مختلفة الأحجام والأشكال وقد امتلأت بأنواع المشتقات النفطية والبنزين، يشد نظرك منظر سيارة تابعة للدولة وقد وقف صاحبها يقتني البنزين المهرب مساعدا البائع على حمل القارورة التي ربما أتعبته، كما يستهويك منظر المهربين وهم يتوجهون تجاه الحدود المغربية الجزائرية وهم يمتطون درجات نارية ويحملون خلفهم براميل لجلب الوقود بكافة أنواعه.

اقتربنا من أحد الشباب الذي يبيع الوقود بالتقسيط فأخذ يشرح الفرق الشاسع بين ثمن البيع للبنزين الجزائري والبنزين المغربي، فمثلا لتر واحد من ”ليسانس” المغربي يباع بـ11 درهم بينما ثمن لتر من الجزائري بـ4 دراهم، إضافة إلى أنهم يبيعون 30 لترا من الوقود الأحمر بـ12 درهم و30 لتر من الأصفر الممتاز بـ125 درهم و30 لتر من المازوت ديازيل بـ105 درهم.

وعن طريقة تهريب الوقود يقول هذا الشاب، الذي رفض الكشف عن اسمه، ”يذهب المهربون الكبار إلى الحدود بعد اتفاقهم مع مهربين داخل الجزائر ليجلبوا لهم الوقود فيتم لقاؤهم هناك وتتم الصفقة ليتم توزيع السلعة بالتقسيط ولا تخلو هذه العمليات من الرشوة”.

وعن ما تدره هذه التجارة على صاحبها من أرباح يقول هذا الشاب ”متوسط دخلي اليومي 150 درهم ويرتفع الدخل في فصل الصيف ليصل إلى 500 درهم يوميا” كما أنني أبيع ما بين 500 لتر يوميا إلى 1000 لتر حسب الطلب.

يقاطع حديثنا أحد المسؤولين بدوار أولاد ناصر ليوضح أن هؤلاء الشباب يبيعون رغم أنف الدولة قائلا ”نحن نشدد عليهم الخناق كلما كانت زيارة لوالي الجهة أو زيارة ملكية حينها، وعددهم بهذه الطريق حوالي ثمانية باعة”، ليقاطعه الشاب طالبا منه إتمام حديثه إلينا قائلا ”لما تبدأ حملة السلطة لمحاربتنا يحجز الدرك الملكي كل ما نملك ولا نجد وسيلة لكي نسترجع وقودنا ولا نجد وسيلة للانتقام سوى السب والشتم”.

ويؤكد بائع آخر للوقود أن عدد العاملين في بيع الوقود المهرب يزداد يوما بعد يوم لدرجة أنه يمكن تقدير ذلك بحوالي ستين بائعا بالتقسيط في مدينة وجدة وحدها ناهيك عن المدن الأخرى القريبة منها.

القرقوبي في متناول التلاميذ

أصبحت تعرف مدينة وجدة بعاصمة القرقوبي، حسب تعليق محمد وهو أحد المهتمين بملف القرقوبي، لما عرفته هذه المادة من رواج واسع النطاق إضافة إلى تصديره إلى كافة المدن المغربية الأخرى.

ومن الأحياء التي تنتعش فيها تجارة أقراص القرقوبي بوجدة حسب محمد حي لازاري وفيلاج طوبا وفيلاج كولوش وفيلاج سي لخظر وأغلبية الأحياء الهامشية، يوضح محمد أنه منذ سنة 2000 بدأت تتصاعد وتيرة بيع أقراص القرقوبي نظرا للأرباح التي يجنيها المتاجرون فيه، ويتصاعد انتشاره لكونه أصبح يباع بثمن جد منخفض.

ومن الأساليب المستعملة لتهريب القرقوبي بكمية كبيرة يقول محمد ”يتم تهريب القرقوبي عبر شراء الطريق ويتم تحميله عبر ”المقاتلات”، ويعمد أباطرة التهريب عند إقدامهم على عملية تهريب كبيرة إلى الوشاية بأحد التجار الصغار ليتم إلقاء القبض عليه وتسمى هذه العملية في عرف مهربي القرقوبي أو المخدرات بـ”تأدية الفريضة””.

يوجد بحي المدينة القديمة لوحدها، يشرح محمد، حوالي 15 تاجرا في مادة أقراص القرقوبي لدرجة أصبح يمكن أن يصدق عليهم القول ”ما بين بزناس وبزناس كاين بزناس”.

وعن ثمن حبوب القرقوبي يقول محمد ”إنها أصبحت تنتشر كثيرا في صفوف التلاميذ والتلميذات لأن ثمنها أصبح يتراوح ما بين درهم و5 دراهم بالنسبة للحبة الواحدة”.

وترتفع وتيرة بيع القرقوبي قبل الأعياد ورمضان لأن مروجو هذه المادة يخشون إلقاء القبض عليهم مع تشديد المراقبة الأمنية خلال هذه الفترة كما أن ثمنها يعرف بعض الارتفاع.

كساد التجار المغاربة

يشتكي العديد من التجار من المواد المهربة لأن تجارتهم تعرف كسادا في ظل الإقبال المتزايد على المواد المهربة من الجهة الشرقية ومن مدن أخرى، غير أن بعضا من هؤلاء التجأ أيضا إلى التجارة في السلع المهربة عوض اللجوء إلى شراء سلع بطريقة قانونية تكلفه أمولا إضافية. ويقول محمد (تاجر): ”إن التاجر المغربي يصعب عليه أن يساير حركة التجارة بوجدة وأن يستقدم هو سلعة يؤدي عليها رسوما ولا يجني منها أرباحا في ظل ما تعرفه السلع المهربة من الجزائر من تزايد، إضافة إلى أن المواطن المغربي يقبل على السلعة الرخيصة وإن كانت لا تتميز بالجودة، فمثلا أغلب السلع المهربة من الجزائر هي سلع صينية وثمنها منخفض لكنها لا تتميز بالجودة ورغم ذلك يقبل الناس على اقتنائها”.

خديجة عليومسى
عن جريدة التجديد



 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

5 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. حنان باتنة
     

    ليس المهم العيش ولكن الأهم العقوبة ………….. هرب تعيش la belle vie لكن ليس عبر الحدود فقط بل بطريق القانون…؟

     
  2. عبدالنورقلمين
     

    ان الصحيح الوافي لكل اسباب التهريبهي السهولة المتاحةعلى الحدودبالاضافة الىالكثير من التجاوزات التي يقوم بها اعوان الجمارك من خلال الاتفاق مع المهربين فالى متى

     
  3. eve_islam1986
     

    السلام عليكم انا لست من مدينة وجدة لكن يهمني الامر قبل ان نتهم شبابنا بالتهريب يجب ان نعرف الظروف التي دفعتهم الى ذلك في نظركم كيف سيعيش الشباب العاطل ولديه مسؤوليات كبرى اذا نظرنا قانونيا لا يجوز لكن منطقيا هدا صحيخ و انا اتكلم طبعا عن تهريب البضائع الغدائية وم ا شابه انا ضد تهريب اللا مشروعي باانسبة لهؤلاء الله يحسن العوان حتى حد ماكرههههههه اللهم اهدي شبابنا

     
  4. سمير
     

    انا راني جاي مع المهربين

     
  5. باســـــــــل
     

    هاي كيفكم الناس بتاخد فكره عن التهريب انو حرام الله يقوي المهربيين انا مهرب اردني sawalha300m@hotmail.com

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*