Home»Régional»من تداعيات آفة الغش في قطاع التربية بالجهة الشرقية

من تداعيات آفة الغش في قطاع التربية بالجهة الشرقية

1
Shares
PinterestGoogle+

الغش أو الغشش يطلق ماديا عند العرب على المشرب الكدر ؛ وهو معنويا الخيانة وهي تضييع الأمانة . والإنسان الغش بضم الشين أو الغاش هو الكاذب في نصحه؛ وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :(المؤمن يطبع على كل خلق إلا الخيانة والكذب ) ؛ وفي حديث آخر وهو جواب عن سؤال : (أيكذب المؤمن يا رسول الله ؟ ؛ قال : لا) ؛ هذا فضلا عن الحديث المشهور : ( ليس منا من غشنا) ومعناه ليس من أخلاقنا ولا من سنتنا . والملاحظ أن دلالة هذه المادة اللغوية تحيل على الكدر عندما يتعلق الأمر بالماء فيقال : شرب غشاش وعلى العتمة عندما يتعلق الأمر بالوقت فيقال الغشاش لأول الظلمة . ومعلوم أن الكدر والظلمة تمثل سترا لمن يروم الأمر السيئ أو الخيانة ؛ وقد اشتهر بين الناس فلان يريد السباحة في الماء العكر أو الكدر ؛ والله عز وجل يعلمنا التعوذ من غاسق إذا وقب و هو غشاش الليل الذي يتستر به باغي الشر والله أعلم.

ويقال أيضا فلان غش صدره إذا سكنه الغل ؛ وهو الإنسان الذي لا يمحض النصح لغيره.
والغش آفة تسري في كل نواحي الحياة ولا يمكن أن يقتصر على جانب من جوانبها لهذا يجانب الصواب من يجعل الغش رهينا بقطاع التربية والتعليم كما هو الشأن عندنا كلما حل موسم الامتحانات.
لقد دأب الناس في مجتمعنا على تداول ظاهرة الغش بالحديث في مثل هذا الوقت؛ وهم يختلفون فيه اختلافا كبيرا. ولقد عاينت التعليقات والأحاديث التي صاحبت حادثة الغش التي ضبطت في إحدى المؤسسات التأهيلية بمدينة وجدة وليست الواحدة والوحيدة بل لقد كثر الحديث عن حالات لا حالة واحدة كما صرح بذلك الملاحظون ورؤساء مراكز الامتحانات والمراقبون. والحالة التي ضبطت ليست جديدة بل هي معروفة منذ غزتنا تكنولوجيا الهواتف الخلوية وما هو على شاكلتها مما يستعمل للتنصت. وما حز في النفس هو محاولة تشويه الحجاب حيث كانت عملية الغش بين فتاتين على الأقل إحداهما استغلت الحجاب وما هي بمحجبة إنما لجأت إلى الحجاب مضطرة لتمرر خيانتها على حساب دينها كما بلغني ممن يعرفها سافرة قبل الامتحان بيوم واحد فقط .
إن هذه الآفة تجذرت في أوساط أبنائنا وصارت ظاهرة موضوع بحث ودراسة . ومظاهرها متعددة تبدأ خلال دخول المتعلمين فترات المراقبة المستمرة حيث يعمد ون إلى استنساخ القصاصات الشبيهة بالتمائم بخطوط دقيقة ويطلق عليها بالعامية عندنا التحراز من الحرز . وتستعمل هذه القصاصات أثناء اجتياز الاختبارات بديلا عن الاستيعاب والاستظهار والحفظ لأن جيل المتعلمين في هذا الزمان ألف الخلود إلى الراحة ونشدان النتائج الجيدة من اقصر الطرق واقلها عناء ومشقة . وقد تفنن المتعلمون في عمليات الغش حتى استعملوا الهواتف الخلوية وآلات التسجيل المتطورة لترد البضاعة إلى أصحابها كما تعطى دون عناء من هؤلاء المتعلمين. وقد صارت هذه العملية موضوع تفكه بين المتعلمين إذا ما خرجوا من قاعات الامتحان وهم يسخرون ممن استغفلوه من المراقبين. ولا زلت أذكر قصاصة ورق استعملت للغش في إحدى المؤسسات بلغت ثلاثة أمتار بدون مبالغة ولو أنفق المتعلم الذي حررها بخط دقيق ما أنفقه فيها من وقت في الحفظ والاستظهار لكانت صفقته رابحة ؛ وقد عجبت لما يفعله الكسل بهؤلاء المتعلمين فيتبلد حسهم فلا يميزون بين ربح وخسارة في التعامل مع الوقت.
ومما أثار انتباهي بخصوص هذا الموضوع هو تضارب وجهات النظر التي تراوحت بين منكر للغش جملة وتفصيلا كما هو بعض المعلقين على مقال نشرته في موقع وجدة سيتي لنقل خبر متعلم يائس بسبب شيوع ظاهرة الغش حتى أنكر بعضهم طرق هذا الموضوع في ظروف الامتحان وظنوا بصاحبه الظنون سامحهم الله ؛ وبين مقر معترف بالغش إلى درجة اعتباره أمرا حتميا بل وطبيعيا لا حاجة لطرقه كل مرة؛ وبين من اتخذ موضوع الغش مناسبة لتفريغ المكبوتات من قبيل كيل التهم لغيره كآلية من آليات الدفاع ؛ بل هناك من شعر بأنه قد استغش أي ظن به الغش ؛ أو اغتشش أي عد غاشا فأعلنها حربا على جهات بعينها دون تبصر ولا روية.
والذي شجع على الظاهرة هو غياب آليات الردع عبر سنوات أو على الأقل غياب شيوع خبر هذا الردع مما أغرى المتعلمين بالتمادي في الغش والتنافس في طرقه وأساليبه خصوصا عندما يرى أصحاب الغش في الطليعة بمعدلات متميزة تخول لهم تبوأ المقاعد في أحسن المدارس أو المناصب ؛ وهو ما يجعل المتعلمين يفقدون الثقة في الأخلاق والدين والقيم التي لن تغني عنهم شيئا في حين يثاب أهل الغش عوض أن يعاقبوا. ومما يجعل الغش عملة رائجة تفشيه في كل المجالات بين الراشدين حيث يجهر بالخيانة حتى يعلم أمرها بين الناس فيصير مثلا هدر المال العام عند المسئول أمرا مباحا ؛ وتظهر الرشوة للعيان دون خجل أو وجل ؛ وتقضى المآرب بواستطها بل تحصل فيها سمسرة كسمسرة التجارة المباحة ويتعاطها الناس طلبا للمصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة. ويرى الغش أيضا في استغلال وسائل وتجهيزات المصالح العامة التي تصير امتيازات عند المستفيدين ويصيرون قدوة وأسوة لمن يحلم بمراتبهم .
إن بذور الغش التي تبذر في فضاءات المؤسسات التعليمية تصيرا أشجارا ثمارها الخيانة عند من يستأمنون على مصالح الأمة ؛ فالمتعلم الذي ظفر بالشهادة عن طريق الغش هو العابث بالمال العام والمرتشي عندما يصير مسئولا وعن مثل هؤلاء قال الشاعر:
ومن ملك البلاد بغير حرب يهون عليه تسليم البلاد
أما تراشق التهم بين الفعاليات التربوية للتملص من المسئولية عن الغش في هذا القطاع فمحض هراء لا يعفي أحدا من هذه المسئولية ؛ فكما يوجد في هذا القطاع أصحاب الضمائر الحية يوجد من هو خلافهم فلا وجود لفئة تقية نقية مائة بالمائة ففي كل صنف الصالح والطالح لمن أراد قول الحق وتوخى العدل في الحكم والموضوعية. وظاهرة الغش لا تحاصر بتراشق التهم والتملص من المسئولية بل بمواجهة الظاهرة بتكاثف الجميع فالأب أو الولي الذي رصد عملية الغش الأخيرة بمدينة وجدة وبلغ عنها والنائب الإقليمي وعميد الأمن وكل من له صلة بالقضية و الذين قاموا بواجبهم أعطوا الدليل لغيرهم على السلوك المطلوب لمحاصرة ظاهرة الغش ؛ وجعلوا الجهات المختصة من أكاديمية ووزارة ومحكمة أمام مسئولياتها مباشرة ليكون ممارس الغش عبرة لمن يعتبر.
ويبقى على جهات كثيرة أن تقوم بواجبها فالساكت على الغش غشاش ؛ والمشجع عليه غشاش أيضا؛ والمبرر له غشاش كذلك سواء كان أبا أو وليا أو مدرسا أو إداريا أو مفتشا أو نائبا أو مسئولا كبيرا في قطاع التربية الوطنية جهويا أو وطنيا. ولعل تكوين لجان المراقبة ما بعد الامتحانات هو السبيل الكفيل لضبط حالات الغش التي لم تضبط أثناء الامتحانات والتي تكشف عنها نتائج بعض الجهات في المنطقة الشرقية سنويا مما يدل على الاستخفاف بالواجب والمسئولية ؛ ويغرر بالمتعلمين الذين يفرحون بنجاح مزور سرعان ما يتبخر ويجعلهم أمام آفاق مسدودة كما هو واقع الحال ؛ فكم من مترشح رشح لشعب لا علاقة لمؤهلاته بها وإنما ورطه الغش فيها فصرف شبابه في سنوات رسوب متكرر بعد نجاح الغش ثم لفظ بعد ذلك وصار ضحية من ضحايا الضياع ؛ ووقع إثمه على من زين له الغش بسبب الانحياز لنعرة أو بسبب الاستفادة من مصلحة محرمة بما في ذلك الاعتداء على أعراض أوأ موال محرمة .

وكلمة أخيرة لو تشرب الناس دينهم وعقيدتهم لتعاملوا مع الغش كتعاملهم مع كل المحرمات التي حرمها الإسلام خصوصا وهم يرددون الحديث الشريف: (من غشنا ليس منا ) فلا يبيع دينه بعرض الدنيا الزائل إلا ضعيف الدين ضال أو مضل. هدنا الله جميعا لما فيه خيرنا عاجلا وآجلا.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

3 Comments

  1. مغربي
    11/06/2007 at 12:32

    المشكل هو ان الجميع يعرق هذا الكلام من اشتقاق الى تحريم الغش الحطير هو عندما يعرف الشحص كل شيء عن الغش و تجده متهاونا لايؤدي واجباته على احسن وجه
    اليس هدا غشا ؟

  2. رجل تعليم
    14/06/2007 at 00:43

    مقال في غاية الاهمية
    لقد جاء هذا لمقال في وقت ما احو جنا فيه الى حملة توعية تشمل كافة المؤسسات التعليمية لتحسيس المتعلمين بمدى خطورة هذه الآفة عليهم و على مستقبل بلادهم. فحبذا لوتجند الجميع قبل فترات الامتحان لتحسيس المتعلمين بسلبيات ظاهرة الغش وحثهم على محاربتها,بدل الاقتصار على التعليمات المحتشمة الموجودة على استدعاء حضور الامتحان والتي لا يعيرها التلاميذ اي اهتمام. فدون أي شك,سيكون لحملة على الصعيد الوطني لدق ناقوس الخطرالأثار الإيجابية.
    وأجدد شكري لصاحب المقال.

  3. محمد الزعماري /معلم
    14/07/2007 at 15:21

    اعجب لتعليقات بعض الخفافيش التي لاتعرف سوى نشر الظلام والياس واعتبار اثارة ظاهرة ما من المسكوت عنها امر لافائدة منه وانه من الافضل تجنبها. واستعملت لفظة الخفافيش احالة على ان هذه الاخيرة لاتتحرك الا في الظلام اي ان البعض له مصلحة في نشر الظلام عوض النور كي يبقى مستفيدا من الوضع المظلم .
    ظاهرة الغش في المنظومة التربوية لاتتوقف اضرارها يوم الامتحان وليست وليدته وانما هي نتاج عدة عوامل ومؤثرات مختلفة وانعكاساتها السلبية تكتسي طابع الاستمرارية لان المنتوج الفاسد الذي يساهم فيه بعض التربويون يصبح فيروسا تزداد مناعته وقوته كلما لم يعالج علاجا تاما وبذلك يقضي على كل مجهودات المخلصين المبذولة في قطاع التربية والتكوين ناشرا (فضيلة) الغش ونتائجه في كل قطاعات المجتمع مشكلا لوبيه الضاغط والتي تبرزها تعليقات المدافعين على ظاهرة الغش غير مكتفين بلعن الظلام بل يمجدونه بنشر ثقافة التخلف والاتكال والياس واللاجدوى من محاولة الوقوف في طريقهم.

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *