CommenterImprimerEnvoyerShare/Save/Bookmark Partager

محنــة المعطل بالمغرب
02/07/2009

محنــة المعطل بالمغرب

لا زالت حــالــة المعطلين بالمغرب تــراوح مـكانهــا بين آلام التمــزق النفســي و الحـرمان الاجتماعي و لازالت وضعية حاملي الشهــادات تــكافــحُ من أجــل انتــزاع الحق العادل في الشغــل رغـم ضراوة القمــع المسلــط و شــدة العنف التي تمــارسه أجهــزة وزارة الداخلية بتــلاوينهــا المتعددة ، لا زالت البطالـة بالمغرب تُــمثـل أحــد أهــم عوامل التخلــف السياسي و الاقتصادي و الاجتمــاعي باعتبارهــا حاضنــة لمختلف أشكــال تـفريخ تشوهات القيم التي تصيب بشكل متسلسل نظام المجتمع في خطــه المتوازن ، و علــى الرغم من تجليات أزمــة البطالــة و إفرازات مظاهرها السوداء في واقع مترهــل أصــلا و مُــثـقــل بالانسدادات الداخلية فإن الدولــة مازالت شاردة في التعاطي مع هذا الواقــع البئيس و مازالت تعتــمد علــى المقاربات البوليسية ( و ليس الأمنية فنحن مــا زلنا أبعد ما نكون عن المفهوم القانوني للأمن ) التي زادت من حــدة الاحتقان الداخلي و حــولت الإنسان المعطــل إلــى مخلوق منــبوذ متمرد ، فبدل أن تسارع الدولة إلـى التفكير بعمق في واقع المعطلين الذين أفنوا عقولهم في التحصيل العلومي نــجدهــا تتصرف كمــا لو أنهــا مُــهددة في كيانها الداخلي فتستنــفر ترساناتها البوليسية لتطويق المعطلين و مكافئتهــم بالعصا لمن عصى ، أيُّ تفكــير هذا الذي تُــحرك اللامسؤولين عندنا ؟

أي أمــل يبقى بالبلــد و خيرة البلد تحــت وابل القمــع و الاجتثاث ؟ أيُّ دولة هذه التي تــحاصر رغيف المعطل و تحرمــهُ من حقه الطبيعي في التنظيم و الشغــل ؟ . ليس مقبولا من أي دولة تحترم شعبهــا أن تصادر حق المعطلين في الاحتجاج السلمي ، و ليس مقبولا من الدولة المغربية أن تــزيد من بؤس الواقع الذي صنعتــه بسياساتها الفاشلة في ميدان التشغيل و ليس مقبولا منهــا أن تتحدث بعد هــذا عن " الانتقال الديموقراطي " و " الحداثة " و " المشاريع الكبرى " و " حقوق الانسان " و هي مازالت تمارس البشاعــة القذرة في قمع المعطلين و محاكمتهم الصورية و الزج بهم في غياهب السجون ، حــقا حينــما يختلي المعطل بنفســه ليراقب سلوك الدولــة في علاقتها بالمعطلين ثم يستمع إلــى الإعلام الرسمي الاستهلاكي يُــصاب بالحيرة و الذهــول ليس في حجم التعتيم الرسمي عن مآزق المعطلين فقط و إنــما في لغــة الخطاب الرسمي التي ترسم للبسطاء المغاربة لــوحة فنية جميلة للمغرب و كأننا نعيش حقا في بلد الحرية و العدالة و الكرامــة ، كــرامــة ،عدالة ، حرية ؟!

لا حول و لا قوة إلا بالله ، كلــمات بحروف مجردة تتكرر في ألسن اللامسؤولين في الخطاب و تُــخاصمهم في الواقع ، الواقع الذي يصف حالة المعطلين بأسوأ حالات التمزق النفسي و المادي و الضياع السلوكي و فقدان الطموح الباني ، الواقع الذي ينطق بــه منطق البؤس المالي و مرارة البطالة الدائمة ، الواقع الذي تــوَّج المعطلين إلــى شعــور بالاغتراب في بــلده و موطنــه ، الواقع الذي جعل المعطل ساخــطا على كــل شيء و كارها لكل شيء ، مــا الذي يمكن أن تصنعــه البطالة في تكوين الشخص غيــر الإحــساس بالدونية و التفكير في الضفة الأخــرى ، ما الذي يجعل المعطل المجاز خاصــة يستعيد سعادته الباطنة و يُــعيد البسمة على وجــهه غــير الشغــل القــار و بناء الذات ! الحديث عن مــأساة المعطلين بالمغرب ليس حديثا يُــفتــرى و ليس كــلاما عاطفيا يستجدي قلب الدولة الغافلــة و إنــما هو حديث ألــم و أمــل ، هــو ألــم بالنــظر إلى الحصاد المــر لسياسات التقويم الهيكلي و الخوصصات المتوحشة ، هــو حديث ألــم لأنكَ تجد ذراع الدولة البوليسية تنــهل علــى شباب تفرغوا ما يزيد عن عشرين سنة من التضحيات العلومية بين الجوع و الترقيع ، هــو حديث ألم لأنه قتل للطموح و تشريد للاستقرار الأسري و الاجتماعي بشكل عام . لكنــه بالمقابل هو حديث أمــل لأنــه مصدر النضــال ضد سياسات التصفيات الممنهجــة ، هــو أمــل لأنــه يعلمــنا كيف نطالب بحقنا العادل حينمــا تتسلــط الدولــة على مكتسبات الآخرين و تصادر حقهم في العيش الكريم .

من بــاطن هذا الأمــل تتحرك الوقفات و الاحتجاجات و الاعتصامات و غيرها من الأشكــال لتــعبِّــر عن مسلكها في استرداد الحق الطبيعي في الكرامة و العدالة و الحرية ، من باطن الأمــل يتــعــلم البسيط في الشارع كيف يقرأ واقعــه السياسي و يفتح عقلــه على حقيقــة مخططات الدولة في الإجهــاز علــى الشغل القار و الوظيفة العمومية ، من باطن الأمــل يهــتز اللامسؤولون خوفا من تزايد وحدة المطالبة بالحقوق . الألم و الأمل صنوان متلازمان يصنعــان – بفضل الله و عونه – ما لا تصنعه إرادات التسلط على الشعوب . إن المعطل على ما يعيشــه من ارتهان يــجب أن لا يركــن للواقع الجبري فيسلم أمــرهُ للضياع و ينحنــي أمامه ، بل يلزمــه أن يرفع عقيرته عاليا و يبصــر بعيدا ليحــطم قيود الشعور بالعجز و الضعف ، لا بــد لــه أن ينتظــم مع الجمــاعة ليكون يــد في يــد في مواجــهة السيل العرمرم من ألوان القمع و الحصار ، إنه مطالب برفع التحــدي و الصمود في جبــهة النضال ضد سياسات الإلحاق و الهيمنة و مشاريع الخوصصة المتوحشة ، لا سبيل أمــام المعطــل إلا النــظر بعمق في أسباب أزمته و تراكمات مأساته حتى يبادر في اتخاذ مسلك مناسب لعلاجها حتى لو اقتضــى ذلك وقتا طويلا و جهــدا جهيدا . و أمــامنا عينات من المعطلين الذين انطلقوا يناضلــون بشكــل مستــمر و تحملوا في سبيل ذلك ألوانا من القمع و المضايقات فوصلوا إلــى مطلبهم في الشغل بعد سلسلة طويلة من المعاناة فلا بــد أن نــؤمن بقدر الله و قدرة الإنسان . و الله أعلــم


الطلحاوي نجيب

المقالات و التعليقات تعبر عن آراء أصحابها و ليست وجدة سيتي مسؤولة عن مضامينها

Les articles et les commentaires publiés sont la propriété de leurs auteurs, OujdaCity ne peut être tenu responsable de leurs contenus




Commentaires


Ajouter votre commentaire

Copiez le code de vérification dans le cadre à droite
Captcha


Institut français oujda


Offres d'emplois - Oujda

Oriflame cherche des consultant(e)s -

SokoMaroc.com - Oujda - 14/03/2010 23h46

commerciaux indépendants -

Le Journal du Royaume - Oujda - 02/09/2009 22h46