سلسلة توجيهات تنموية – 3 – : لا تلم الناس على أخطاء يمكن أن تقع أنت فيها
في إحدى الليالي جلست سيدة في المطار لعدة ساعات في انتظار رحلة لها. وأثناء فترة انتظارها ذهبت لشراء كـتاب وكيس من الحلوى لتقضي بهما الوقت..فجأة وبينما هي متعمقة في القراءة أدركت أن هناك شابة صغيرة قد جلست بجانبها واختطفت قطعة من كيس الحلوى الذي كان موضوعا بينهما. قررت أن تتجاهلها في بداية الأمر ولكـنها شعرت بالانزعاج عندما كانت تأكل الحلوى وتنظر في الساعة!!
بينما كانت هذه الشابة تشاركها في الأكل من الكيس. .!
كانت قد بدأت في الغضب فعلا ثم فكرت في نفسها قائلة:
« لو لم أكن امرأة متعلمة وحسنة الأخلاق للطمت هذه الوقحة في الحال »
وهكذا في كل مرة كانت تأكل قطعة من الحلوى كانت الشابة تأكل واحدة أيضا. وتستمر المحادثة المستنكرة بين أعينهما وهي متعجبة بما تفعلة!! ثم قامت الفتاة بهدوء وبابتسامة خفيفة باختطاف آخر قطعة من الحلوى وقسمتها إلى نصفين فأعطت السيدة نصفا بينما أكلت هي النصف الآخر أخذت السيدة القطعة بسرعة وهي تفكر قائلة:
» يا لها من وقحة كما أنها غير مؤدبة حتى أنها لم تشكرني »..!!
بعد ذلك بلحظات سمعت الإعلان عن حلول موعد الرحلة فجمعت أمتعتها وذهبت إلى بوابة صعود الطائرة دون أن تلتفت وراءها حيث تجلس
تلك السارقة الوقحة!!!
وبعدما صعدت إلى الطائرة ونعمت بجلسة هادئة أرادت وضع كـتابها في الحقيبة, وهنا صعقت بالكامل !!
وجدت كيس الحلوى الذي اشترته موجوداً في الحقيبة!!
بدأت تفكر، يا إلهي لقد كان كيس الحلوى ذاك ملكا للشابة
وقد جعلتني أشاركها أكله. حينها أدركت وهي متألمة بأنها هي التي كانت وقحة, غير مؤدبة, وسارقة أيضا.
إن هذه القصة فضلا عن أنها ترمي إلى عدم محاسبة الآخر على أشياء يمكن أن نقع فيها. فهي تهدف أيضا إلى اجتناب سوء الظن أثناء تعاملنا مع الآخرين، والتثبت في الأمر قبل إصدار الحكم، ووضع الذات مكان الآخر.
والصبر والحلم وحسن التصرف هو الطريق نحو التعلم. وهو أمر يتعلق بما فعلته الشابة الصغيرة من خلال صبرها وعدم تعقيبها وحسن تصرفها الذي أدى بالسيدة إلى تعلم درس لا يمكن أن يمحى من ذاكرتها ما حييت.
إننا عوض أن نقول لا تحاسب الآخرين على أخطاء يمكنك أن تقع فيها. ها نحن نبرهن بهذه القصة أن هذه السيدة قد وقعت فعلا في أشياء وقد حاسبت حسابا عسيرا على أشياء هي من فعلها فغضبت وزمجرت عندما كانت تعتقد أن الشابة هي من أكلت من كيسها.
كم مرة كسرنا أواني المنزل لكن لازلنا نحاسب الآخرين على ذلك.. وكم مرة حاسبنا أبناءنا على أشياء نأتي أضعاف أضعافها.
إن قاعدة لا تحاسب على أخطاء يمكن أن تقع فيها من شأنها أن تجعلنا نمسك عن اللوم والتعقيب الذي غالبا ما يوتر العلاقات ويقتل المودة وينغص صفو الأجواء.
إن المشروع الإداري الكبير الذي يتبناه « كين بلانشارد » تحت عنوان
» قوة التعزيز الإيجابي للسلوكيات والعلاقات »، والمترجم في كتبه الأكثر مبيعا في العالم، يؤسسه على فكرتين اثنتين لا أكثر. وهاتان الفكرتان هما المحور الذي تدور حوله كل كتبه الإدارية الرائعة. إن الفكرة الأولى هي كما يقول: » اضبط موظفيك متلبسين بأعمال جيدة وكافئهم » إننا في منطقنا نحن كلما ذكر الضبط أو التلبس إلا وكانت الأمور سلبية أي البحث عن الأخطاء وصيد العيوب. فصرنا طيلة حياتنا ونحن مولعون بالتركيز على السلبيات والتنقيب في الأخطاء. إن بلانشارد بفكرته هاته قد جعل المدراء والرؤساء والمسؤولين أكثر وعيا بما يمكن أن يخلق الجدية والتنافس في العمل من أجل مردودية أكبر.
أما الفكرة الثانية وهي الشاهد عندنا. وهي كما يقول: غض الطرف عن أخطائهم ولا تعلق عليها. أي لا تحاسب عن الأخطاء. تؤدي هذه الفكرة إلى تقليص الأخطاء في بيئة العمل، كما تؤكد عدم الانشغال بها، وتجاهلها هو أفضل حل لضمان عدم تأثيرها. والتجربة تفيدنا بأننا كلما حاسبنا وصرخنا إلا وتلقينا ردود فعل من شأنها أن تجعل الآخر تأخذه العزة بالخطإ فيستمر عناده وتستمر معه الأخطاء. أما وأننا يمكن أن نقع في نفس الأخطاء فهذا دافع رئيس يجعلنا لا نحاسب الآخر ونخلق له العذر تماما كما نحب أن تخلق لنا الأعذار عندما نخطئ. خصوصا وأننا لا نتعمد الوقوع في الخطإ وبمجرد وقوعنا فيه يتحرك في وجداننا الداخلي شعور الرفض للخطإ. لذا، فعندما تغض الطرف عن خطإ الآخر سيشعر بالخجل وسيجد في داخله دافعا أقوى ألا يقع في الأخطاء وسيسعى ليكون عند حسن ظنك به. ولكن لو أنت توقفت عند الخطإ وغضبت وتفوهت بكلام سيء وقمت برد فعل عنيف. فإن الآخر لن يقف مكتوف الأيدي بل سيحاول تبرير الخطإ، وستصدر عنه ردود أعنف، ولعله ستأخذه العزة بالخطإ كرد فعل تجاه عنفك وعدم حسن تعاملك. فلا أحد يريد لنفسه أن يكون تحت عصا اللوم والغضب والصراخ. ولعله يكفيه شعوره ووخز ضميره وندمه ونيته في الحرص على ألا يقع في خطإ مرة أخرى. ألا ترى معي أن ابنك عندما يخطئ، فتقف أمامه ووجهه محمر خجلا و قد بدا عليه ألم الندم ووخز الضمير دون أن تتفوه أنت ولو بكلمة. ألا ترى معي أن هذا الموقف كاف له كرسالة رائعة منك، فضلا عن أن هذا الموقف سيمنحك هبة وإجلالا ويمنح ابنك مراجعة للموقف من جراء حسن تصرفك؟. فالواقع يشهد بأننا لم نغير شيئا بوقوفنا الدائم عند أخطاء الآخرين، فلنجرب غض الطرف عن أخطائهم وحتما ستتغير الأمور بشكل لم نكن نتوقعه.


Aucun commentaire