Home»Correspondants»أزمة البحث العلمي بالمغرب: قياس المسافة بين المخرجات والاحتياجات

أزمة البحث العلمي بالمغرب: قياس المسافة بين المخرجات والاحتياجات

0
Shares
PinterestGoogle+
 

أزمة البحث العلمي بالمغرب: قياس المسافة بين المخرجات والاحتياجات

د. بلقاسم الجطاري
جامعة محمد الأول – وجدة

                                                            » يجب أن تكون سياسات العلوم والتكنولوجيا مزيجا من الواقعية والمثالية  »
كريس فريمان(1921-2010) صاحب مفهوم « النظام الوطني للابتكار »

    نسعى من خلال هذه الورقة إلى وضع الأصبع على أزمة البحث العلمي بالمغرب، من خلال توصيف واقع البحث، وإبراز المسببات والامتدادات، ثم اقتراح بعض الحلول الكفيلة بتحسين مردودية هذا القطاع الحيوي، وذلك من منطلق المشيرات والغايات التي تؤطرها المؤسسات الراعية للبحث العلمي وطنيا وعالميا.
ولهذه الغاية سنقسم هذه الورقة إلى ثلاثة محاور: أحدهما قاعدي تشخيصي ننطلق فيه من المعطيات الواردة في تقرير اليونيسكو للعلوم 2010، ونتناول في المحور الثاني أهم المعوقات التي تحول دون تطوير البحث العلمي بالبلد، على أن نقترح بعدئذ بعض المخارج الكفيلة بالرفع من المؤشرات الخاصة بهذا الحقل الأساسي في مسلسل التنمية المنشودة.
1-     قراءة في مؤشرات البحث العلمي بالمغرب:
يعرف البحث العلمي على أنه مجموعة من النشاطات والتقنيات والأدوات التي تبحث في الظواهر المحيطة، والتي تهدف إلى زيادة المعرفة وتسخيرها في عمليات التنمية لمختلف جوانب الحياة. وبهذا المعنى يمكن القول أن البحث العلمي بشقيه: النظري والتطبيقي عنصر لازم لتطوير الإنتاج (المادي والرمزي)، ومحور لا مندوحة عنه لخلق التنمية الشاملة، ذلك أن مخرجاته لا تقتصر على تطوير تقنيات جديدة ومنتجات أفضل، بل تتجاوز ذلك إلى تطوير أشكال التكيف مع الفضاء الايكولوجي، وتدبير الممتلكات الرمزية تدبيرا متوازنا يضمن التمثيلية العادلة لمختلف التجليات الفنية والسوسيوثقافية. مثلما تسعى أيضا إلى ضمان كرامة الإنسان وصيانة حقوقه الأساسية، وكذا ضمان ديمومة التنوع البيئي.
لهذه الأسباب كلها سارعت دول الشمال إلى إيلاء هذا الجانب كبير رعاية واهتمام، فخصصت له ميزانيات كبيرة، وبنيات اشتغال متنوعة، وطواقم علمية ودراسية كثيرة على مستوى التخطيط والتهيئة، وانطلقت هذه الدول باكرا لتحديد الرؤى الاستراتيجية الكفيلة بالرفع من جودة البحث ومردوديته. بينما ترددت دول الجنوب في ركوب هذا التحدي لاعتبارات مالية وسياسية تدبيرية مختلفة. وهو ما كان من نتائجه تقويض الشعارات النهضوية التي ظلت ترفعها الحكومات المتعاقبة على تدبير شؤون هذه الدول، ومن ثم إعادة إنتاج نفس الأعطاب الاجتماعية والسياسية.
لكن هذا الكلام لا يعني أن تجارب دول الجنوب متطابقة على مستوى معوقات البحث ومؤشراته، إذ تسجل تقارير المنظمات والهيئات الدولية اختلافا وتفاوتا بين هذه الدول في مجال البحث العلمي ومتعلقاته، وهو تفاوت دال يعكس تراتبية الرغبة والإرادة التي تحكم الفاعلين السياسيين بهذه البلدان، ويبرز إيقاعات الإصلاح المختلفة، كما يكشف مكامن الاختلالات الكبرى التي تهيكل هذا المجال. وبالنظر مثلا إلى تقرير اليونيسكو للعلوم الصادر سنة 2010 نجد عددا من المعطيات المهمة والدالة في هذا الباب، فالمغرب يحتل وفق معطيات هذا التقرير المرتبة الثانية من بين دول الفضاء المغاربي والعربي من حيث حجم الإنفاق على التعليم (النسبة المئوية من الناتج الداخلي الخام)، والمرتبة الخامسة بالنسبة لمؤشر الإنتاج العلمي (حجم المنشورات العلمية)، ونفس المرتبة في إنتاج المقالات العلمية، لكنه يحتل الرتبة 12 حسب مؤشر المنشورات العلمية لكل مليون نسمة ب 36.9 منشور علمي لكل مليون نسمة. وهو ما يعتبر مؤشرا مقلقا يظهر وجود اختلال قوي بهذا الخصوص، إذ المفروض أن يحقق المغرب الرتبة نفسها في مختلف المؤشرات المرتبطة بموضوع البحث العلمي، أو رتبا متقاربة. أما أن يتراوح الفرق بين المؤشرات نقاطا عديدة فهذا دليل على وجود اختلال تدبيري في إحدى حلقات البنية البحثية، والراجح أن هذا الاختلال مرتبط بإشكالية توزيع الوعاء المالي على مختلف الهياكل والفاعلين الجامعيين والبنيات التدبيرية، وهو ما يؤكده استحواذ التسيير على أكبر قدر من هذه الميزانية.
ومن جانب آخر، يمكن القول أن جل البحوث المنجزة ببلادنا تندرج ضمن خانة البحوث النظرية، إذ لا تمثل البحوث التطبيقية والتنموية غير نسبة ضئيلة من مجموع البحوث المنجزة. ولذلك وجب عدم الانخداع بما تقدمه الإحصائيات الرسمية التي تشير مثلا إلى أن الباحثين المغاربة قد نشروا 1010 مقال (تقرير كتابة الدولة في البحث العلمي 2002-2003)؛ لأن معظمها كان بحوثا نظرية أساسية لا صلة لها بمشاكل المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ومن المؤشرات الدالة على غلبة هذه الطينة من البحوث نذكر عدد الطلبات المسجلة بشأن براءات الاختراع بالمغرب، إذ لم تجاوز 252 (حسب نفس التقرير). وحتى يتبين البون الذي يفصلنا عن دول الشمال نورد مثال الولايات المتحدة التي سجلت سنة 2001 ما مجموعه 166.000 براءة اختراع.
2-    معوقات ومشكلات البحث العلمي بالجامعة المغربية:
إن المفروض في عمل تشخيصي رصين أن يلتفت إلى كافة مراحل البحث الجامعي، بدءا من إشكاليات التوجيه ذي الصلة بالتعليم الثانوي، وامتداداته إلى السلكين: الابتدائي والإعدادي، مرورا بمختلف وحدات الدراسة بسلك الإجازة، ثم انتقالا إلى الماستر والدكتوراه. بيد أننا سنكتفي، اعتبارا للطابع الاختزالي والتركيبي لهذه الورقة، بمحاولة تشخيص مشاكل البحث ومعوقاته على مستوى الدراسات العليا فقط (ماستر، دكتوراه)، وذلك في سياق سعينا إلى تقييم نتائج الإصلاح الجامعي الذي انخرط فيه المغرب (المنظم بموجب القانون 01:00 الذي صدر سنة 2000)، والذي كان شعاره  تجويد العرض التكويني بشكل عام، فضلا عن تحسين جودة بحوث الدكتوراه ووضوح الرؤية العلمية للجامعات، واحترام الآجال القانونية من قبل الباحثين، وكذلك تعزيز سياسة التعاقد بين الجامعات والدولة والشركاء الاجتماعيين. فهل تحققت الغايات التي حددها الإصلاح؟
من الواضح أن كثيرا من بنود الإصلاح لم تر النور بعد، بدليل الصعاب الكثيرة التي ما تزال محدقة بوحدات البحث العلمي وبنياته وموارده المالية والبشرية، وكذا استمرار كثير من ملامح التعثر والارتباك في تنزيل بنود القانون المنظم للإصلاح، واستمرار معدلات الهدر الجامعي بسلك الدكتوراه. أما أسباب أزمة البحث العلمي فتتجاوز الخلفيات الاستراتيجية التي تؤطر القانون المذكور، إلى عمق السياسات التعليمية والتكوينية التي تعتمل بالبلد، سواء باعتبارها توجهات حكومية يقودها الفعل والمبادرة، أو باعتبارها تدابير علاجية لمشاكل بنيوية وأخرى طارئة، تأتي في هيئة ردود أفعال تسعى إلى تجاوز الأعطاب والاختلالات، وهو ما يستدعي سياسة تدبيرية يراد بها تصريف الأزمات وعدم الالتفات إلى الغايات التي تم إعلانها بموجب المقررات التنظيمية والتشريعية المختلفة. وإيجازا يمكن القول أن ملامح الأزمة التي تسم القطاع تكمن في:
ü    غياب برنامج وطني واقعي يحدد الأهداف والرؤى لمخرجات الجهد البحثي، وغياب سياسات واستراتيجيات واضحة وخطط مستقبلية للبحث العلمي تحدد الأهداف والأولويات.
ü    افتقار الكثير من المشاريع البحثية للمحتوى التطبيقي، وانفصال الغايات المؤطرة للبحوث عن واقع المجتمع ومشاكله وأعطابه المختلفة.
ü    ضعف الإمكانات البحثية، وتقادم العتاد البيداغوجي (وخاصة بكليات العلوم).
ü    غياب الهيئات الاستشارية الموكول لها القيام بمهام توظيف نتائج البحث وتمويلها، في أفق تحويلها إلى مشاريع إنتاجية واقتصادية ذات مردودية.
ü    غياب قواعد بيانات واضحة تكشف الإمكانيات البحثية البشرية والمادية، وترصد المنجز من الأعمال والدراسات، حرصا على ملامسة القضايا والموضوعات بشكل منسجم ومتوازن.
ü    ضعف صيغ التعاون والشراكة بين المؤسسات والمعاهد البحثية المختلفة من جهة، وبين هذه المؤسسات وغيرها من المؤسسات الراعية لقضايا التنمية (سواء مؤسسات الدولة أو تلك المستقلة عنها).
ü    ضعف القطاعات الاقتصادية المنتجة بالبلد، وعدم ثقتها في الكفاءات المحلية.
ü    اعتماد الباحثين على التمويل الحكومي، وضآلة المساهمة التي يقدمها القطاع الخاص لتفعيل البحث العلمي وتحديثه وتمويله.
ü    انشغال معظم الباحثين بالبحث عن حلول للمشاكل الإدارية والمادية الخاصة بعملهم، واستحواذ التدريس على الجهد الأكبر من وقتهم.
ü    عدم وجود التقدير اللازم والوعي الكافي من المجتمع بأهمية البحث العلمي وقدرته على حل المشكلات.
ü    ضعف الميزانية المخصصة للبحث العلمي بسبب انعدام جسور التواصل بين المنتجين للبحث العلمي والمستفيدين منه.
ü    ضعف أشكال الترابط بين الشركات المنتجة على المستوى الإقليمي، وهو ما يقف حاجزا أمام تمويل الأبحاث ذات الأهمية المشتركة، وكذا تبادل  الخبرات في مجال البحث العلمي والتقني.
وحري بالذكر أنه في ظل هذا الواقع الذي تحيط به الصعاب والإكراهات المالية والتدبيرية المذكورة لا تجد الهيئات الراعية للبحث العلمي من مخرج سوى تكريس واقع البحث النظري الذي لا يلامس مشاكل البلد الحقيقية، وهي مشاكل التنمية المستدامة بتجلياتها البشرية والاقتصادية والثقافية المختلفة، فضلا عن تجذير السلوك المدني والقيم الديموقراطية الضرورية لمواصلة مسلسل الإصلاح الذي انخرط فيه المغرب.
3-     مقترحات:
إن ما عرضناه آنفا من ملامح الاختلال ليس سوى عينة من الصعاب التي تحف بمجال البحث العلمي بالجامعة المغربية، وهي في الحقيقة صعاب مرتبطة بإشكالات بنيوية تهيكل النظام التعليمي في شموليته. غير أن هذا القول لا يعني أن يظل الفاعلون في هذا المجال مكتوفي الأيدي ينتظرون مباشرة الإصلاح الشامل للمنظومة التعليمية، بل على النقيض من ذلك، هو دعوة للمسؤولين عن تدبير هذا القطاع إلى مسارعة الخطى من أجل تجاوز العثرات، وتثبيت أقدام المؤسسة الجامعية في مجال تدبير الحياة الاجتماعية والاقتصادية للساكنة، ومن المسالك التي نراها لازمة لبلوغ هذا المرمى نذكر:
ü    ملاءمة التكوينات مع متطلبات سوق الشغل، وتحديد مجالات البحث بشكل دقيق بعد استشارة المتدخلين والفاعلين الاجتماعيين والسياسيين. أو ما يمكن إيجازه في شعار  » الحاجة إلى بناء استراتيجية بحثية واضحة ».
ü    تشجيع الصلات والاتفاقيات الدولية في مجال التكوين والبحث العلمي؛
ü    تشجيع الفترات التدريبية، والأسابيع الدراسية، والندوات المقامة في إطار شراكات مع جامعات أجنبية؛
ü    تشجيع الإشراف المشترك على الأطاريح الجامعية؛
ü    تشجيع بنيات البحث، والأساتذة الباحثين على المشاركة في مختلف عروض الشراكات الدولية التي تنخرط فيها المؤسسات الجامعية؛
ü    تشجيع أساتذة المؤسسة وطلبتها على المشاركة في الدورات التكوينية والتدريبية التي تنظمها المؤسسات الأجنبية؛
ü    تقديم الدعم اللازم لكل المبادرات الرامية إلى تأهيل دور الجامعة في مجال البحث العلمي، من خلال الاشتغال على محاور ذات أولوية، كالصناعة ( مجال التكنولوجيات الحديثة ..)، والفلاحة (تكييف الفلاحة مع الشروط المناخية، تحسين الإنتاج الفلاحي..)؛ والماء (تحلية ماء البحر، تدبير الموارد المائية، تلوث المياه..)؛ والمحيط (التدبير المندمج للمجال الساحلي، تطوير آليات الإنتاج النظيف ..)؛ والمجال الطاقي والطاقات المتجددة (الضوئية، والحرارية..)..
ü    تقوية البنية التحتية المعلوماتية للمؤسسات الجامعية وتوظيف تكنولوجيا الاتصال والإعلام TIC ؛
ü    إشراك الأساتذة الباحثين والطلبة والقائمين بالمهام الإدارية والتقنية، وكذا الشركاء السوسيو-اقتصاديين في التدبير البيداغوجي والمالي للمؤسسات الجامعية، وذلك عن طريق الهيئات الجامعية المختلفة ( مجلس الجامعة، مجلس المؤسسة، الشعب ..).
ü    تنويع الموارد المالية ( خبرة، استشارات، تكوين مستمر ..)؛
ü    استحداث نظام تعويضات منصف للأساتذة الباحثين، تزكيه مجالس الجامعات، على قاعدة الخدمات المنجزة والتكوينات المستمرة، والرصيد البحثي..
ü    اعتماد طرق تحفيز جديدة لمحاربة ظاهرة الهدر الجامعي، وتنويع أشكال التتبع والمواكبة؛
ü    تشجيع مجموعات البحث، وإغناء الرصيد المكتباتي للجامعات..
وفي ختام هذه الورقة الموجزة ينبغي التنويه إلى ضرورة اضطلاع الجامعة بدورها القيمي والثقافي في تكريس التنافسية والإبداعية والمبادرة، وعلى لزوم انخراط كافة الفاعلين الجامعيين (طلبة وأساتذة باحثين وأطر إدارية وتقنية) في كل المشاريع الرامية إلى الرفع من جودة البحث العلمي، مع ما يعنيه ذلك من وجوب إشاعة جو من الثقة والحوار والمسؤولية والشفافية والحكامة داخل المؤسسة الجامعية من جهة، ثم بين هؤلاء ونظرائهم من المتدخلين السوسيواقتصاديين والسياسيين من جهة ثانية. أما الغاية الأسمى من كل ذلك فهي بالتأكيد تعزيز جاذبية المؤسسات البحثية، وتحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود، وضمان التنمية البشرية المستدامة.

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.