الخطبة المنبرية الرسمية تعتبر التصويت بنعم على الدستور تأدية لشهادة مطلوبة شرعا


     1


مرة أخرى يأتي المسؤولون عن الشأن الديني ببائقة حيث وافوا خطباء الجمعة بمذكرة عدد 13 بتاريخ 22/06/2011 تدعوهم لتخصيص خطبة يوم الجمعة 24/06/2011 للحديث عن ذكرى الإسراء والمعراج ، وفي نفس الوقت وافتهم بخطبة منبرية رسمية حول مشروع الدستور. وتزامن المذكرة مع الخطبة أوقع الخطباء في حيرة وتساءلوا : هل الأسبقية للإسراء والمعراج أم للدستور؟ والمشكل أن مطالبة الخطباء بتلاوة الخطبة الرسمية ألغى ضمنيا المذكرة. وما وقع هذه الجمعة مألوف لدى الوزارة الوصية عن الشأن الديني . ومع أن الوزارة تكرر دائما بأنها لا تلزم الخطباء بخطب رسمية ، فإن واقع الحال عكس ذلك . وإذا كانت الوزارة قد أرادت تحقيق هدف ما بهذه الخطبة فربما تحقق عكس هذا الهدف حيث ساد شعور لدى جمهور المصلين بأن الوزارة الوصية على الشأن الديني تريد إرغامهم على التصويت على الدستور بقول نعم باسم الدين ، وهو ما يفهم من العبارة التالية الواردة في نص الخطبة : ” …. فهذه أيها المؤمنون إشارة موجزة إلى بعض فصول مشروع هذا الدستور وما تضمنته من مزايا….. والتي تعطي صورة ناصعة عن أهميته في إصلاح وتنظيم المؤسسات ، وتجعل المواطن يشعر بأنه حقا أمام دستور جديد يدعوه إلى الانخراط في المبادرة لاحتضانه والتجاوب معه ، والإقبال على عملية المشاركة الفعالة في عملية الاستفتاء والاستجابة لذلك بقول نعم تأدية لشهادة مطلوبة شرعا وواجب وطني ….” وفي هذه العبارة غابت حكمة وبعد نظر من حررها، ذلك أن اعتبار المشاركة في التصويت واجب وطني أمر لا يناقشه أحد ، أما الاستجابة بقول نعم فلا يمكن اعتبارها شهادة شرعية إذا ما كان قصد صاحب الخطبة هو قول الله عز وجل :(( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم))فإذا ما اعتبر التصويت على الدستور شهادة فالشاهد يجب أن يشهد بما علم فإن علم أن قول نعم هو الشهادة الصحيحة لهذا الدستورأدلى بها ، وإن علم أن قول لا هو الشهادة الصحيحة لهذا الدستور أدلى بها كذلك .

 

. ولو اكتفى صاحب الخطبة  بالدعوة إلى المشاركة في الاستفتاء على الدستور لكان أجدى وأنفع  مما فعل لأنه أعطى فرصة للمقاطعين  للدستور، وللقائلين  لا للطعن في منبر الجمعة ، وادعاء استغلال الدولة له ، مما يعطيهم ذرائع لاستغلال الدين  بطريقة مخالفة أو استعمال طرق أخرى لا يجوز استعمالها كرد فعل على دعوى استغلال الدولة للدين .

وعليه فليست الشهادة بقول نعم هي الشهادة الوحيدة الشرعية بل معها الشهادة بقول لا أيضا . وإذا ما اعتبر المقاطع للاستفتاء رافضا لتأدية الشهادة الشرعية أو كاتما لها وآثم القلب لأن الله عز وجل به عليم ، فلا ينطبق هذا الحكم على من ساهم في الاستفتاء بغض الطرف عن شهادته بنعم أو بلا . وبائقة صاحب هذه الخطبة أنه تحايل على عبارته للتأثير على الناخبين من خلال التلميح بأن الشهادة بقول نعم هي الشهادة الشرعية ، في حين يكون مقتضى عبارته أن الشهادة بقول لا غير شرعية ، وهو أمر لا يجيزه عليه عقل ولا نقل . وأعتقد أن عكس الهدف الذي توخاه صاحب الخطبة هو الذي حصل حيث استنكر الناس استغلال منبر الجمعة من أجل الدعاية لأمر مطروح للتصويت بكل حرية وشفافية وديمقراطية ، مما جعل بيوت الله عز وجل الواجب فيها الحياد بموجب فصل من فصول الدستور الذي يمنع ممارسة السياسة باسم الدين شريكة في الدعاية السياسية و الحزبية للدستور علما بأن فترة الدعاية مضمونة وفي أماكنها الخاصة وبوسائلها القانونية المشروعة . ولقد كان من الحكمة الحديث عن ذكرى الإسراء والمعراج عوض الحديث عن الدستور بهذه الطريقة المتحيزة والداعية والموحية بموقف له موقف يناقضه . ولو افترضنا أن أصحاب موقف لا للدستور استخدموا نفس أسلوب الوزارة الوصية على الشأن الديني واستغلوا بيوت الله عز وجل لذلك لكان للأمر حساب آخر

. نأمل أن تبقى الوزارة الوصية عن الشأن الديني بعيدة ومحايدة عندما يتعلق الأمر بالخلافات السياسية والحزبية حفاظا على مصداقيتها عند الأمة . ولو اكتفى صاحب الخطبة بالدعوة إلى المشاركة في الاستفتاء على الدستور لكان أجدى وأنفع مما فعل لأنه أعطى فرصة للمقاطعين للدستور، وللقائلين لا للطعن في منبر الجمعة ، وادعاء استغلال الدولة له ، مما يعطيهم ذرائع لاستغلال الدين بطريقة مخالفة أو استعمال طرق أخرى لا يجوز استعمالها كرد فعل على دعوى استغلال الدولة للدين . ولقد صار الحديث بعد هذه الخطبة يدور حول النتيجة المحسومة للاستفتاء ما دام منبر الجمعة قد دعا إلى ذلك شرعا . ولعل صاحب الخطبة لم ينتبه إلى احتمال أن يتم التصويت بلا على هذا الدستور فيكون ذلك على حساب مصداقية منبر الجمعة حيث سيفقد الناس الثقة في منبر المفروض فيه السداد . ولعله أيضا لم ينتبه إلى أن المقاطعين للدستور والمصوتين بلا سيتهمون المنبر في حال نجاح التصويت بنعم مما سيفقد المنبر أيضا مصداقيته وثقة هؤلاء فيه مع أنه منبر الجميع ويجب أن يحظى بثقة الجميع ، وأن يكون تحيزه للحق مهما كان مصدره. آمل ألا تتكرر مثل هذه البائقة مستقبلا ، وكان من الحكمة وسداد الرأي منع الخطباء من تناول الموضوع أصلا حتى لا يستغل من هذا الطرف أو ذاك. ونرجو ألا يكون السيد الوزير المسؤول عن الشأن الديني قد استغل منصبه من أجل تمرير موقف انتمائه الديني وهو أمر سيكرس عادة سيئة وهي استغلال المناصب لفائدة القناعات الشخصية

محمد شركي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

1 Commentaires sur cet articleتعليقات حول المقال

  1. سليم أحمد
     

    أصابني نوع من الغم وأنا أستمع لخطبة الجمعة،وقلت في نفسي لماذا لا نفتح المساجد للنقاش السياسي؟ أليس هذا هو الأصل ؟ وهذه الخطبة حجتنا لإضافة مطلب جديد وهو استغلال منبر الجمعة مناصفة بين مختلف الآراء السياسية أو على الأرجح رد الاعتبار للرافضين للدستور قديمه وجديده، وبالتالي تعيين “الهاكا” في المساجد لتوزيع الوقت بين المتنافسين؟ أليس من وجوه الاستبداد أن يستحوذ ٍرأي واحد في الدستور على منابر الجمعة؟ لقد نبهتنا الدولة مشكورة إلى هذا المطلب الجديد

     

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*