ما الذي طرأ على مكانة المعلم في مجتمعنا ؟؟


    


استرعى انتباهي تخصيص قناة الجزيرة القطرية حصة من برنامجها اليومي الصباحي لمناقشة مكانة المعلم في الوطن العربي . وصادف هذا البرنامج نشرعدة مقالات على موقع وجدة سيتي المغربي تتعلق بنفس الموضوع خصوصا في ظرف الاعتداءات المتكررة داخل المؤسسات التربوية على رجال ونساء التعليم في جهتنا الشرقية التي كانت معروفة في الماضي بالاحترام الكبير للمعلم. ولا زال الناس عندنا يتحدثون عن مكانة المعلم حديث الأساطير. لقد كان المعلم يحظى بأرقى مكانة في المجتمع ، حيث كان يسد مسد كل الفعاليات الخيرة التي يحتاجها المجتمع إذ كان يعلم ويحارب الجهل والأمية على المستوى المؤسساتي ، ويقوم بأدوار شتى داخل المجتمع سواء تعلق الأمر بدور ديني يمس الجانب العبادي أو الجانب المعاملاتي ، أو تعلق بدور انساني واجتماعي يمس كل ما له علاقة بالمجتمع.

لقد كان باختصار رحمة داخل المجتمع ، وتوجد الرحمة حيث يوجد. وكان جديرا ببيت الشعر لأمير الشعراء الذي تردد في جعله رسولا باستعمال فعل “كاد” الذي يفيد الاقتراب من الفعل دون حدوث الفعل . والحقيقة أن الرسول معلم بالضرورة ، وقد جاء في الأثر : ” إنما بعثت معلما ” ويستقيم بيت أمير الشعراء لو قال :” إن الرسول كان معلما “. وبمناسبة شيوع هذا البيت الشعري الخالد لشاعر خالد أود أن أنبه الذين يستشهدون به للتباكي على المعلم حين يساء إليه ،فأقول لهم إن الرسول لقي من الإذاية أصنافا و ألوانا مما جعله في مستوى صبر أولي العزم ، وإذا ماتشبه به المعلم فلا بد أن يكون مهيئا لكل إذاية .

فإذا كان الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم قد كسرت رباعيته ، وأدمي عقبه وشتم ، وسب واتهم بالكذب والسحر….إلخ فما زال المعلم عندنا لم يذق شيئا مما ذاقه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من الأذى العظيم .ولا يجب أن يستاء المعلم من أنواع الإذايات لأن طبيعة مهمته تعرضه لذلك . الكل يتحدث عن معلم عقود انفرطت بكل خير ، ويدعو له بالرحمة ، وقد لقي العديد من معلمي تلك العقود ربهم. لقد كان في تأديبه بركة ، ولم يكن تأديبه يسمى عنفا كما تسميه المذكرات التنظيمية اليوم. ولا زال الكثير من الناس يفخرون بتأديبه ، وهو عند البعض أوسمة توشح الصدور بعدما أوصلهم تأديب المعلم إلى ما كانوا يصبون إليه من مراتب. لقد كان مرور المعلم في الشوارع والأسواق بسمته المتعالي عن كل خوارم المروءة كما يقول الفقهاء يحرج المتعلمين وهم في أحوال يأنفون أن يراهم عليها المعلم لما كانت له من قيمة عندهم ، كما كان الصحابة يستحيون من رسول الله عندما يباغتهم في أحوالهم المعيشية . فكم من متعلم ترك فجأة اللعب وهو أشد ما يكون تعلقا به لأن المعلم عن له من بعيد ، وكم من متعلم تغير سلوكه داخل بيته عند زيارة المعلم لبيته في مناسبة من المناسبات ،فتحول من شغب ونزق إلى هدوء وأدب ، وكم من متعلم استعصى نشوزه على أولياء أمره فما كاد المعلم يقحم في الأمر حتى ترك المتعلم الناشزنشوزه تقديرا لمعلمه .

وربما حاول الأولياء تصحيح نشوزه بكل أساليب العنف فلم يجدهم ذلك نفعا ، وكانت النظرة الواحدة من المعلم الوقور كافية لتصحيح نشوز المتعلم .هذه الصورة الإيجابية بكل المقاييس المسجلة عن معلم الماضي القريب الذي يمكن حصره في عقود معدودة لا ينكرها إلا جاحد أو حاقد ، أو عاق لم يعد لها وجود إلا نادرا. والناس يختلفون في زوال هذه الصورة المثالية ، فبعضهم يرجع زوالها للمعلم الذي يعد في نظرهم مسؤولا عن تشويه وقاره ، وبعضهم يعيدها إلى تغيير شامل طرأ على المجتمع الذي ترك فترة زمنية إلى أخرى وبين الفترتين تباين من حيث سيادة القيم . ففي فترة سيادة القيم الدينية والأخلاقية كانت للمعلم مكانته التي صنعتها هذه القيم ، ولما حلت فترة سيادة القيم المادية والعلمانية غيرت من مكانة المعلم وصنعت له مكانة داخل منظومة قيمها المادية والعلمانية. لقد تحول المعلم من رسول إلى مجرد مقاول، وبموجب هذا التغيير سقط وقار المعلم وصار بدون وقار كما هو حال المقاول. لقد صار حال المعلم كحال الرسول عندما يكذبه قومه ، وينكرون رسالته. وحسب هذا الطرح الذي أرجحه أعتقد أن القيم السائدة في مجتمع من المجتمعات هي التي تحدد مكانة المعلم . ولست في طرحي هذا ماركسيا يربط مصير البنى الفوقية بالبنى التحتية ، ويجعل المادة متحكمة في المجتمع بل أقول إن العلاقة أكثر تعقيدا في المجتمعات من مجرد تحكم المادي في المعنوي.

إن القيم إذا لم تحكمها عقيدة الله عز وجل وتضمن لها الثبات الإيجابي على النهج الصحيح تكون عرضة للتغييرات التي قد لا تخلو من سلبيات. فالمجتمعات لا تملك أن تحول دون غزو القيم الغريبة عنها بحكم الاحتكاك مع بعضها البعض ، ذلك أن القطار الذي تركبه البشرية يجر عربات عديدة لها أحوال مختلفة ، وليس بينها حواجز ، والناس بحكم تنقلهم بين هذه العربات يتناقلون فيما بينهم هذه الأحوال فتحل بهم أحوال سببها التأثر والتأثير فيما بينهم . فليس بالضرورة حسب العقيدة الماركسية أن يكون الجانب الاقتصادي هو صانع الجانب الاجتماعي ، ذلك أن بعض الظواهر الاجتماعية تظهر في مناطق من هذا العالم حيث لا يوجد ما يبررها اقتصاديا . وأسوق على سبيل الذكر لا الحصر ظاهرة ” الخنفسائية ” التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي في المجتمعات الغربية التي خاب ظن مواطنيها في حضارة مادية لم تجلب لهم سعادة ، وإنما جلبت لهم خرابا ويبابا على حد تعبير الشاعر إليوت في قصيدته اليبابية الشهيرة ، فكانت الخنفسائية عبارة عن عقيدة أو قيم تعبر عن التمرد والسخط من خلال الحنين إلى الحياة البدائية البديلة عن حياة اليبابية ، فطالت بسبب ذلك شعور الشباب ، وارتادوا العوالم الحالمة عن طريق نوع خاص من الفنون الجميلة وخاصة الموسيقى ، ونشدوا هذه العوالم عبر جرع المخدرات إلى غير ذلك من قيم الخنفسائية . وانتقلت عقيدة الخنفسائية إلى كل شباب العالم بما في ذلك شباب ما يسمى العالم الثالث الذي لم يعرف اقتصاده ما عرفه اقتصاد العالم الأول من تعقيدات ، فطالت شعور شباب العالم الثالث ، وقلدوا أقرانهم الخنافيس في كل أحوالهم مع اختلاف المجتمعات .

إن ظاهرة تأثر البشرية بالقيم السائدة أمر واقع لا ينكر لهذا فمكانة المعلم في نظري ليست بدعا من مكانة غيره ، فهي عرضة للتغيير أيضا بسبب التغيير الحاصل في القيم السائدة التي هي خليط غريب ليس من السهل رصد مصدره . فالظواهر الاجتماعية تظهر كأعراض دون سابق إنذار ودون أن تكون متوقعة أو في الحسبان . فليست مكانة المعلم وحدها هي التي طرأ عليها التغيير ، فمكانة كل شريحة اجتماعية عرفت التغيير ، فلم يعد القاضي ولا المحامي ، ولا الطبيب ، ولا المهندس ، ولا الفلاح ، ولا التاجر ولا إمام المسجد أو خطيبه ،ولا الصحفي كما كانوا ، ولا الآباء والأولياء كما كانوا. وينعقد الاجماع داخل المجتمع على أن التغيير كان نحو الأسوأ بالنسبة للجميع . إن الذين يحملون المعلم مسؤولية تغييرمكانته داخل المجتمع من خلال سلوكات ومواقف تعتبر نتائج هذا التغيير لا مسبباته يخبطون خبط عشواء . فليس امتهان المعلم لمهن أخرى ، ولا ممارسته للتجارة ، ولا إعطاؤه دروس الدعم بالمقابل ، ولا جلوسه في المقهى ، ولا تحركه اليومي بين مقر عمله النائي عن مقر سكناه ، ولاغير ذلك مما يعتبره البعض مسؤولية تغيير مكانته في المجتمع هي أسباب هذا التغيير . لقد تغيرت نظرة المجتمع للمعلم بتغير القيم التي سادت . فالمعلم ما لجأ إلى المهن الأخرى والتجارة ،والساعات الإضافية …إلخ إلا بعد أن صارت تكاليف الحياة باهظة ، ويئس من أن يوفر له أجر التعليم الحياة الكريمة الجديرة بمهنة الرسولية الموقرة . فممارسته لهذه المهن هي نتيجة وليست سببا كما يعتقد البعض . لقد عرف سلوك المتعلمين تغييرا مسايرا لقيم غزت المجتمع ، وهي قيم لا ترعى لأحد حرمة ولا قدرا ، فكما صارالمتعلمون يتمردون على سلطة آبائهم وأوليائهم ، وعلى كل سلطة مهما كان نوعها ، فهم يتمردون على سلطة المعلم التربوية أيضا .

وبمانسبة استفحال ظاهرة العنف الذي يتعرض له المعلم في جهتنا ، وفي باقي جهات الوطن الصغير والكبير أعتقد أن العنف مؤشر على فساد قياسا على العنف ضد الرسول الكريم ، فالرسول أسيء إليه لما كان المجتمع فاسدا كما هو حال مكة وثقيف يومئذ ، والمعلم إنما يتعرض للإساءة عندما يفسد المجتمع . وعلي المعلم أن ينتظر الإساءة وألا يستغربها ما دام المجتمع قد تغيرت قيمه وصارت قيم فساد، وعليه أن يتكيف مع الوضع الجديد من أجل استرداد هيبته ووقاره بطريقة تختلف عن طرق الماضي التي كانت قيمه مختلفة عن القيم الحالية. وأقول على سبيل المزاح إذا كان طعم اللحوم والخضر والفواكه قد تغير نحو الأسوأ ، وحتى نبات النعناع لم يعد يجلب النحل إلى البراد كما قال شيخ من شيوخ الماضي ،فلا يضير المعلم أن تتغير نظرة الناس إليه. إن الناس ينكرون طعم لحوم وخضر وفواكه اليوم ، ولكن ذلك لا يمنعهم من تناولها بالرغم من غياب شهية مفقودة ، وهم يشربون الشاي بنعناع لا يستهوي النحل ومع ذلك يقولون : ” كاس واش من كاس ” ويتبعون هذه العبارة بصوت : ” أح ” ولا “أح” ولا هم يحزنون ،وإنما الناس يتأقلمون من واقع قيم مهيمنة غيرت الكثير من الحقائق على أرض الواقع . وقد يأتي الزمان بقيم تعيد للمعلم مكانته وللمأكولات والمشروبات نكهتها. ولقد عرف التاريخ نكبات طبقات اجتماعية بسبب سيادة قيم أطاحت بمكانتهم حتى قال أحد النقاد عن الخليفة العباسي ابن المعتز أصابته حرفة الأدب فلم يدم حكمه سوى يوما وليلة .

فمعلم اليوم أصابته حرفة التعليم فعرفت مكانته ما عرفته من تغيير إلى أن يصير التعليم رقما يحسب له حساب في معادلة قيم جديدة. وأنا أضحك ملء شدقي من المسؤولين عن الشأن التربوي الذين يروجون لدعاية رخيصة تزعم أن قطاع التربية بخير وعافية ، وهم لا يؤمنون بذلك والواقع يكذبهم ، وإنما يحملهم على هذه الدعاية الكاذبة من قبيل شعار جيل النجاح ومدرسة النجاح الخوف على مناصب تدر عليهم دخلا إن لم نقل سحتا ، فلو قالوا الحقيقة المرة لاعفوا من مناصبهم لهذا هم يقولون ما يرضي من أوكل إليهم تدبير شأن قطاع أفلس ، ويضيقون ذرعا بالمشاغبين من أمثالي الذين يفضلون الحقيقة المرة على الدعاية الكاذبة ، لأن التعجيل بالاعتراف بالحقيقة المرة ، هو تعجيل بالتفكير في الحلول الحقيقية عوض الحلول الترقيعية. وأنهي مقالي بتحية للمعلم حيث ما وجد في عالمنا العربي والإسلامي والعالمي تحية صدق لا تحية مجاملة كاذبة تدغدغ المشاعر المندفعة في زمن سيادة قيم المشاعر المندفعة التي لا تعير اهتماما لمصداقية أو حق أو صواب أو عدل أو أخلاق .

محمد شركي


 

Dans le même sujetمقالات في نفس الموضوع

 

Commenter أضف تعليقك

Veuillez copier le code ci-dessous dans le cadre rouge à droite.
*