Home»National»محنــة المعطل بالمغرب

محنــة المعطل بالمغرب

0
Shares
PinterestGoogle+

لا زالت حــالــة المعطلين بالمغرب تــراوح مـكانهــا بين آلام التمــزق النفســي و الحـرمان الاجتماعي و لازالت وضعية حاملي الشهــادات تــكافــحُ من أجــل انتــزاع الحق العادل في الشغــل رغـم ضراوة القمــع المسلــط و شــدة العنف التي تمــارسه أجهــزة وزارة الداخلية بتــلاوينهــا المتعددة ، لا زالت البطالـة بالمغرب تُــمثـل أحــد أهــم عوامل التخلــف السياسي و الاقتصادي و الاجتمــاعي باعتبارهــا حاضنــة لمختلف أشكــال تـفريخ تشوهات القيم التي تصيب بشكل متسلسل نظام المجتمع في خطــه المتوازن ، و علــى الرغم من تجليات أزمــة البطالــة و إفرازات مظاهرها السوداء في واقع مترهــل أصــلا و مُــثـقــل بالانسدادات الداخلية فإن الدولــة مازالت شاردة في التعاطي مع هذا الواقــع البئيس و مازالت تعتــمد علــى المقاربات البوليسية ( و ليس الأمنية فنحن مــا زلنا أبعد ما نكون عن المفهوم القانوني للأمن ) التي زادت من حــدة الاحتقان الداخلي و حــولت الإنسان المعطــل إلــى مخلوق منــبوذ متمرد ، فبدل أن تسارع الدولة إلـى التفكير بعمق في واقع المعطلين الذين أفنوا عقولهم في التحصيل العلومي نــجدهــا تتصرف كمــا لو أنهــا مُــهددة في كيانها الداخلي فتستنــفر ترساناتها البوليسية لتطويق المعطلين و مكافئتهــم بالعصا لمن عصى ، أيُّ تفكــير هذا الذي تُــحرك اللامسؤولين عندنا ؟

أي أمــل يبقى بالبلــد و خيرة البلد تحــت وابل القمــع و الاجتثاث ؟ أيُّ دولة هذه التي تــحاصر رغيف المعطل و تحرمــهُ من حقه الطبيعي في التنظيم و الشغــل ؟ .
ليس مقبولا من أي دولة تحترم شعبهــا أن تصادر حق المعطلين في الاحتجاج السلمي ، و ليس مقبولا من الدولة المغربية أن تــزيد من بؤس الواقع الذي صنعتــه بسياساتها الفاشلة في ميدان التشغيل و ليس مقبولا منهــا أن تتحدث بعد هــذا عن  » الانتقال الديموقراطي  » و  » الحداثة  » و  » المشاريع الكبرى  » و  » حقوق الانسان  » و هي مازالت تمارس البشاعــة القذرة في قمع المعطلين و محاكمتهم الصورية و الزج بهم في غياهب السجون ، حــقا حينــما يختلي المعطل بنفســه ليراقب سلوك الدولــة في علاقتها بالمعطلين ثم يستمع إلــى الإعلام الرسمي الاستهلاكي يُــصاب بالحيرة و الذهــول ليس في حجم التعتيم الرسمي عن مآزق المعطلين فقط و إنــما في لغــة الخطاب الرسمي التي ترسم للبسطاء المغاربة لــوحة فنية جميلة للمغرب و كأننا نعيش حقا في بلد الحرية و العدالة و الكرامــة ، كــرامــة ،عدالة ، حرية ؟!

لا حول و لا قوة إلا بالله ، كلــمات بحروف مجردة تتكرر في ألسن اللامسؤولين في الخطاب و تُــخاصمهم في الواقع ، الواقع الذي يصف حالة المعطلين بأسوأ حالات التمزق النفسي و المادي و الضياع السلوكي و فقدان الطموح الباني ، الواقع الذي ينطق بــه منطق البؤس المالي و مرارة البطالة الدائمة ، الواقع الذي تــوَّج المعطلين إلــى شعــور بالاغتراب في بــلده و موطنــه ، الواقع الذي جعل المعطل ساخــطا على كــل شيء و كارها لكل شيء ، مــا الذي يمكن أن تصنعــه البطالة في تكوين الشخص غيــر الإحــساس بالدونية و التفكير في الضفة الأخــرى ، ما الذي يجعل المعطل المجاز خاصــة يستعيد سعادته الباطنة و يُــعيد البسمة على وجــهه غــير الشغــل القــار و بناء الذات !
الحديث عن مــأساة المعطلين بالمغرب ليس حديثا يُــفتــرى و ليس كــلاما عاطفيا يستجدي قلب الدولة الغافلــة و إنــما هو حديث ألــم و أمــل ، هــو ألــم بالنــظر إلى الحصاد المــر لسياسات التقويم الهيكلي و الخوصصات المتوحشة ، هــو حديث ألــم لأنكَ تجد ذراع الدولة البوليسية تنــهل علــى شباب تفرغوا ما يزيد عن عشرين سنة من التضحيات العلومية بين الجوع و الترقيع ، هــو حديث ألم لأنه قتل للطموح و تشريد للاستقرار الأسري و الاجتماعي بشكل عام . لكنــه بالمقابل هو حديث أمــل لأنــه مصدر النضــال ضد سياسات التصفيات الممنهجــة ، هــو أمــل لأنــه يعلمــنا كيف نطالب بحقنا العادل حينمــا تتسلــط الدولــة على مكتسبات الآخرين و تصادر حقهم في العيش الكريم .

من بــاطن هذا الأمــل تتحرك الوقفات و الاحتجاجات و الاعتصامات و غيرها من الأشكــال لتــعبِّــر عن مسلكها في استرداد الحق الطبيعي في الكرامة و العدالة و الحرية ، من باطن الأمــل يتــعــلم البسيط في الشارع كيف يقرأ واقعــه السياسي و يفتح عقلــه على حقيقــة مخططات الدولة في الإجهــاز علــى الشغل القار و الوظيفة العمومية ، من باطن الأمــل يهــتز اللامسؤولون خوفا من تزايد وحدة المطالبة بالحقوق . الألم و الأمل صنوان متلازمان يصنعــان – بفضل الله و عونه – ما لا تصنعه إرادات التسلط على الشعوب .
إن المعطل على ما يعيشــه من ارتهان يــجب أن لا يركــن للواقع الجبري فيسلم أمــرهُ للضياع و ينحنــي أمامه ، بل يلزمــه أن يرفع عقيرته عاليا و يبصــر بعيدا ليحــطم قيود الشعور بالعجز و الضعف ، لا بــد لــه أن ينتظــم مع الجمــاعة ليكون يــد في يــد في مواجــهة السيل العرمرم من ألوان القمع و الحصار ، إنه مطالب برفع التحــدي و الصمود في جبــهة النضال ضد سياسات الإلحاق و الهيمنة و مشاريع الخوصصة المتوحشة ، لا سبيل أمــام المعطــل إلا النــظر بعمق في أسباب أزمته و تراكمات مأساته حتى يبادر في اتخاذ مسلك مناسب لعلاجها حتى لو اقتضــى ذلك وقتا طويلا و جهــدا جهيدا . و أمــامنا عينات من المعطلين الذين انطلقوا يناضلــون بشكــل مستــمر و تحملوا في سبيل ذلك ألوانا من القمع و المضايقات فوصلوا إلــى مطلبهم في الشغل بعد سلسلة طويلة من المعاناة فلا بــد أن نــؤمن بقدر الله و قدرة الإنسان .

و الله أعلــم

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *