Home»International»عندما تستعمل الثقافة لضرب الثقافة

عندما تستعمل الثقافة لضرب الثقافة

1
Shares
PinterestGoogle+

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما تستعمل الثقافة لضرب الثقافة

حصلتُ بالصدفة من قبل أحد الأصدقاء على دعوة لحضور « الأيام الثقافية المصرية » المنظمة ضمن فعاليات « وجدة عاصمة الثقافة العربية لسنة 2018 » التي تمتد من 02 إلى 04 دجنبر مرفوقة بالبرنامج. وبما أنني لم أتوصل بهذه الدعوة إلا في اليوم الثاني، فلم يبقى لي سوى حضور أنشطة هذا اليوم واليوم الذي يليه وهما يصادفان يوم الإثنين 03/ 11/2018 ويوم الثلاثاء 04/ 11/2018.

واحتراما للبرنامج المقرر انطلاقه في الساعة الخامسة بعد الزوال بندوة فكرية حول موضوع « الذاكرة الثقافية وبناء الهوية »، فقد حضرت إلى إحدى القاعات المخصصة للنشاط بمسرح محمد السادس قبل انطلاق النشاط ببعض الدقائق، وبما أن القاعة كانت شبه فارغة ظننت أنني جئت متأخرا أو أن النشاط قد تم تغيير مكانه، ولم أتأكد منه حتى استفسرت أحد العمال الذي كان لا زال بصدد إحضار المقاعد وتوضيب القاعة. ومع ذلك تحملت الانتظار إلى حدود الساعة الخامسة و53 دقيقة، وهو وقت التحاق المشاركين في تنشيط الندوة بالقاعة، وأخذُ الكلمةِ من مسؤولة عن إدارة الندوة لتتقدم باعتذار جاف (مفاده أن التأخر خارج عن إرادتهم) وتشرع في الإطناب في تقديم الأستاذ المعني بتقديم الجزء الأول من المداخلة، لتعطيه الكلمة في وقت تفصله دقائق معدودة عن آذان المغرب، وهو الموعد الذي حال بيني وبين متابعة المداخلة، باستثناء الاعتذار الذي كان صريحا، والذي تبين من خلاله أن الذي أخرج التأخر عن إرادتهم هو كرم حاتمي كما وصفه من قبل جهة معينة لا يهم أيا كانت هاته الجهة. وهكذا ضاع أملي في الاستفادة من ندوة كنت أظن أنها ستغطي على بعض معالم النشوز التي تعج بها المدينة وتعطي معنى ولو لحظيا لمصطلح عاصمة الثقافة العربية من خلال سياقها قبل مضمونها، لأنه لا معنى لمضمونٍ أيان كان إذا تم إخراجه عن سياقه، سوى الإساءة للمفهوم المفروض خدمته والمتمثل هنا في الثقافة العربية.

وحتى لا أطيل أركز في هذا المقال على أربع نقط من سياق هذه الأيام، جعلتني لا أعير اهتماما لمضمونها ولا أندم على عدم حضورها وهي كالتالي:

  1. كان لا بد من تعميم الدعوة على مختلف الفاعلين الثقافيين في المدينة وعلى رأسهم رجال التربية بمن فيهم الطلبة والتلاميذ، حيث كان من المفروض أن تُوزع الدعوات في المؤسسات التعليمية على مختلف مستوياتها، على أن يُحدد موعد هذا النشاط بالذات يوم الأحد عوض يوم الاثنين الذي هو يوم دراسة، وذلك في حالة استحالة افتتاح هذه الأيام مساء يوم الجمعة واختتامها مساء يوم الأحد عوض مساء يوم الثلاثاء.
  2. يلاحظ من خلال البرنامج أن أنشطة اليوم الأول خُصصت بالأساس لحفل المجموعة الموسيقية لدار الأوبرا المصرية والمتمثلة في إعادة أداء أغاني لعدد من الفنانين المصريين القدامى من مثل فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وغيرهم، ودون أن أدخل في تقييم طبيعة مساهمة هذا النوع من الأغاني العاطفية بالأساس في الوضع الحالي للدول العربية، فإني أتساءل عما إذا كانت الثقافة المصرية تنحصر في الغناء، في الوقت الذي يتم غض الطرف على سبيل المثال لا الحصر عن الكتاب الذي تزخر به المكتبة المصرية بمختلف توجهاته وأطيافه. ألم يكن من الأجدر أن يُنظم معرض للكتاب المصري، وبعض الفنون المعبرة عن جوهر الثقافة المصرية كالرسم على سبيل المثال.
  3. ألم يكن ممكنا أن يتضمن البرنامج وقتا لصلاة المغرب وآخر لصلاة العشاء، ما دام الأمر يتعلق بالثقافة العربية التي لا يمكن فصلها عن الثقافة الإسلامية التي هي من صميم هوية الأمة المصرية والأمة المغربية، أم أن الأمر يروم ثقافة أخرى تحت غطاء الثقافة العربية؟
  4. النقطة الرابعة والأخيرة وهي الأهم بالنسبة إلي والمتمثلة في التمادي بالاستهتار بعامل الوقت، وبالجمهور المتعطش لأشخاص يَقتدي بهم في انضباطهم واستقامتهم والتزامهم، بحيث يفعلون ما يقولون لا العكس، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمثقفين يحملون من الألقاب ما تعجز الذاكرة عن تسجيلها، مما يُسهم في تسييج أبصار الحضور بغشاوة يُخيل إليهم عبرها أن هؤلاء يمثلون الثقافة العربية وبالتالي فعدم احترام الوقت وعدم ربط القول بالعمل من مقومات الثقافة العربية نفسُها، ومع الأسف الشديد فإن هذا الربط موجود لدى كثير من أبناء الأمة العربية والمغربية بالخصوص، لهذا أقول لإخواننا المصريين الذين حلوا علينا ضيوفا أننا في حاجة إلى أناس يُعلون من شأن الثقافة العربية التي كانت إلى عهد قريب هي النبراس الذي استنارت به الأمم الغربية لتشق طريقها نحو قيادة العالم، وليس لِأُناس يستسيغون الكرم الحاتمي على حساب اغتيال الوقت الذي يعتبر جريمة لا يمكن لكل محاضرات الدنيا أن تَغفرها ، وخاصة إذا كانت عبارة عن كلامٍ لا يسنده العمل لينطبق عليه قول الله سبحانه وتعالى في سورة الصف:  » يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ».

وختاما أقول للذين لا يضبطون مواعيدهم ويخلفون عهودهم أن ذاكرة الثقافة العربية الإسلامية بنيت أساسا على احترام العهود التي يدخل احترام الوقت ضمنها، حيث قال في ذلك المهاتما غاندي الرجل المنصف الذي لا ينتمي للثقافة العربية الإسلامية « لقد اقتنعت أكثر من أي وقت مضى بحقيقة أن السيف لم يكن هو من فاز بالمكانة للإسلام في تلك الأيام، بل كانت البساطة والاحترام الدقيق للعهود »

الحسن جرودي

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *