Home»National»قصة قصيرة: تـَمَـائِـمُ البَـطـْمَـة

قصة قصيرة: تـَمَـائِـمُ البَـطـْمَـة

0
Shares
PinterestGoogle+
 

بقلم إدريس الواغيش

شجَـرة بَطمَـة مُـبارَكة دون غيرها من شجَـر البَـطم، من أين جَـاءتها البَـرَكة؟ لا أحَـد يَعْـلم، بَعْضُهم يقول أن بَـذرتها نزلت في ليلة القـَدْر أو في ليلة من الليالي المُـبَاركة، آخـرُون يقولون أن وَلـيًّـا صالحًا استظل تحت ظلالها وهو في طريقه إلى الحَـجّ، والبَـعض الآخر يقول أن شيخا جليلا تبنـَّاها حتى كبُـرت، وحين عَـلت وصَلـُب عُـودُها جَـاء شكلها على خلاف نظيراتها من البُـطـْمِـيَـات. لكن أهل القرية كـُلهم والنساء كـُلهن خـُصوصا، يُجمِـعُـون بدون استثناء على أنها مُباركة ويُعَـلقون عليها تمَـائِـمهم.
الشجرة مَـركـُونة في رُكن قصيّ من مَـدخل القـرية
عُـصفوران جَـميلان فـَوق الشجرة
ذكـر وأنثى يستمتعان بظلالها الوَارفة، يُغـردان، يتناجَـيان
تترنـَّح شجَـرة البَـطمَة يمينـًا ويسارًا فرحـًا بألحَانهما
يتـزوَّج العُصفوران، يضعَـان بيضًا
تكـُثر الأعْـشَـاش فوق البَـطمة، تتكاثر معَـها العَـصافير، ويزداد الضَّجيج. يتطايرُ إلى العُـقبان السَّابحة في السَّماوات العُـلى والثعَـابين الجائعَـة، تأكل ما شاء لها من الطيُـور والعَصافير.
تنقرضُ الطيُـور وينقطع تغريدُها وضجيجُـها، تنصرفُ الثعابين إلى حَـال سبيلها، تبني العُـقبان أعشاشا كبيرة مكان الأعـشاش الصغيرة فوق أغصان البَـطمة، وتنقل إليها كل الطـَّرائِـد من الطيور والخراف والجـِيَـف والأسمَاك.
تتكـدَّسُ العِـظام والرّيـش وأشواكُ أسماك النهـر المُجاور وصوف الخِـراف وأغصان شجَـر السِّـدر فـوقها بشكل مُـقـَزِّز، تتحَـسَّسُ البَـطمَـة وَطءَ العُـقبان كل يوم، تختنق، مع ذلك تتحَـمَّـل عُـنف صمتها في اللحَظات الهَـاربة، يَـدُّب المَـوْتُ تدريجـيًّا إلى كل مفاصلها إلى أن يسقط آخـر غُـصن فيها.
تمُـرُّ الجَـدَّة قربَـها، لم تعُـد البَـطمة خَضرَاء ولا السَّماء زرقاء، تأخذ نفسـًا عَـميقا وتعُـودُ بالأيام إلى الصِّـبَـا تتفحَّصُ الذاكـرة، تنظر إلى السماء الدَّاكنة فوق رأسها وتعُـدُّ تجَاعِـيد وجهها ثم تتذكـَّر: من هنا مَـرَّت مع أمها ذات ربيع، وكانت لا تزال شابـَّة تـَدُبُّ الحَـيويَّـة في شرَايينها، هي الأخرى علقت تمَائم غزيرَة مثل غيرها من البنات على أغصان البَـطمَة واستنجدت بفـَتيلات الثـَّوب المُـلون ثم انتظرت عَـريسًا يَـدُق بَـاب دارهم، عاندَت دَمْـعَـاتها الحَـبيسة وأكملت طريقها غير عَـابئـَة بشيء…!.
بَـطمة الأحلام وبعد كل هذا العُـمْر طويل، لا تزال واقفة على تخُـوم المَـوت، تجُـرُّ وَراءها كومة من الأحْـزَان والخـَيْـبات والأوهَـام مثل عَـوانس لا حَـظ لهن، استنجدن بأغصانها وفـرَّ منهن العِـرْسان تباعا إلى ديَـار الغـُربة بحثا عن عَـوالم ورَاء العتمة.
غابت العُـقبان وغاب معها العِـرسَان، والجَـدَّة تتأسَّـفُ عليهـن في صمت، لم تعُـد البَـطمة الكبيرة مَـلاذا كما كانت كي تعلقـن عليها تمَائمهن مثل البارحَـة، ولم يعد لهُـن مهرب آخر غـَير النظر في أسى إلى أحلامهـن وهي تتـشظـّي مَكـُلومَة في صُـدورهِـن..!

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

2 Comments

  1. عكاشة أبو حفصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة .
    05/11/2018 at 12:36

    استاذي الفاضل أشكركم جزيل الشكر على التفضل بنشر هذه القصة على بوابة وجدة ستي . لقد رجعت بنا الى أيام زمان أي إنطلاق وجدة سيتي كمنبر من مدينة وجدة الألفية ، عندما كان السادة الادباء والكتاب ينشرون انتاجاتها على هذا الموقع إضافة الى الاقلام الشابة .
    استاذي إدريس الواغيش ، تتبعت القصة من البداية الى النهاية ثم أعدت القراءة من جديد ما تلبس علي في هذه القصة الهادفة هو الجدة والتي قدمتها بصورة جميلة عندما قلت : تمُـرُّ الجَـدَّة قربَـها، لم تعُـد البَـطمة خَضرَاء ولا السَّماء زرقاء ، عن هذه الجدة كيف تحولت الى عانس وهي جدة في نفس الوقت ؟ . هذا ما تلخبط علي أستاذي مع كامل احترامي لما خطته أناملك . أستاذي المحترم ، ذكرتني بتلك البطمة الساقطة الى جانب ضريح سيدي يحي التي كانت تزار قبل أن يأمر بقطعها كان القادون للزيارة ينامون على ظهورهم فوقها طلبا للشفاء والانجاب . أما الاشجار الباقية كانت كبطمتنا هذه مملوءة بالشرويط المزركشة بألوان مختلفة – وكلها ونيتوا كما يقال – وعن ذكر هذه الشراويــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــط لي قصة قلبت حياتي رأسا على عقب أحتفظ بها لنفسي …
    أشكركم وأتمنى أن لا تبخلوا عنا بما هو موجود عندكم في الرفوف من القصص الجميلة . كما أغتنمها فرصة لاقدم الدعوة لباقي السادة الاساتذة والكتاب والنقاذ للنشر بهذا الموقع تعميما للفائدة.
    والسلام عليكم وعلينا وعلى عباد الله الصالحين .

    – أبو حفصـــــــــــــــــــــ*عكاشة*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة .

  2. متتبع .
    05/11/2018 at 21:34

    قصة تلامس الواقع من خلال ما نقله لنا الكتاب . شجرة البطمة مباركة كانت او غير مباركة شجرة موجودة في واقعنا المعاش وستبقى موجود رغم موت واحدة منها كما جاء في السرد . انها معتقدات فاسدة كتعليق التمائم و الملابس الداخلية والستائر ومنهن من تعلق – قرطاسة مملوئة بأظافرها وجزئا من مقدمة شعرها ورموشها طلبا في الحصول على زوج او فارس الاحلام كما يقال . ومنهن من تبقى على هذه الحالة حتى يمر القطار دون توقف في محطتها . الزواج يا سادة يا كرام قسمة ونصييب والحمد لله الذي خلق لنا من أنفسنا ازواجا لنسكن اليها وجعل بيننا مودة ورحمة . والسؤال المطوح من تستطيع الحفاظ عليه ليدوم اكثر و بصدق ؟ . كما فعل اباءنا واجدادنا الاولون . اما العنوسة والتي كانت محور هذه القصة الشيقة فهي نتيجة لعدة عوامل اجتماعية وبيئية فكم من واحدة تقدم اليها اكثر من واحد ولكن شروطها التعجيزية ك 4.4 من الحاجة جعلت الرجال يفرون منها . لتبقى في الانتظار ناذبة حظها المتعتر ناسية شروط التعجيزية لكل من تقدم ناوي الحلال . العنوسة اليوم مست الجانبين بعدما كانت في السابق حكر على الاناث . اليوم حتى الرجال منهم من لم يتزوج الا في سن متأخر و منهم من لم يتزوج حتى لقي الله على هذه الحالة .
    وختاما اقول كما قال سيدي صل الله عليه وسلم * من علق التمائم – حجاب او قرطاسة او شرويطة – لا اتم الله له .

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.