Home»National»مذكرات استاذ متقاعد : جاذبية مقاهي سيدي لحسن

مذكرات استاذ متقاعد : جاذبية مقاهي سيدي لحسن

0
Shares
PinterestGoogle+
 

توارث سكان سيدي لحسن رغبة مشتركة في الحرص على الاستمتاع بجلسات ذات شجون بمقاهي السوق.
لقد فتحنا أعيننا على بنايات تقليدية تتتوزع هنا وهناك، وهي غير خاضعة لأي تصميم.وهكذا، فإن بعض،، المستثمرين،، قد رفعوا قواعد مشاريعهم بمواد محلية لم يسخر فيها إلا الجهد البشري.
ضم الحجر إلى بعضه في غير تنسيق يعضده طين بسيط يتخلى عن فجوات ينتظرها مقيمون اخرون، حيث يتجاور الفئران والثعابين وما سواهما من الزواحف والحشرات التي لا يتدخل صاحب البناية في شؤونها.
عندما تصل المباني مداها، فإن أعمدة شجر العرعار جاهزة ليكتمل السقف الذي يؤثثه القصب أو قطع من خشب العرعار نفسه تعرف محليا ب،، ثارشقيث،، او ثافليقث،،أما النوافذ فهي من الكماليات خاصة إذا علمنا أن البناية لا تدب فيها الحياة إلا خلال يومين في الأسبوع.
وإذا فكر أحدهم في مصدر اخر للضوء، فإنه يخصص لذلك فتحة متواضعة لا يضاف اليها شيء من أكسيسوارات النافذة.
إن القاسم المشترك بين هذه المقاهي كلها، هو ذلك الحيز الكبير الذي يخصص للزبناء، الذين يتسارعون لاحتلال اماكنهم فوق حصير تقابل خشونته خشونة البدو !
في زاوية من المقاهي يكدس الحطب والأواني التي تتكون اساسا من مراجل حولها تراكم السخام إلى معدات شديدة السواد مما يجعل ثياب المشتغلين هناك تحظى بنصيبها من التخضيب الذي لا يستثني الزبناء احيانا.
أما الأباريق التي يعد فيها الشاي، فإن غموض داخلها لا يؤثر في نكهة المشروب الذي يتأثر بحرارة الجمر.
من أشهر المقاهي التي تعاقب عليها الناس، هناك مقهى،، رابح،،شغنونة،،بنعيشة،،،قبل أن تتناسل أخرى في العقود الأخيرة.
ويجدر التذكير بأن هذه المقاهي قد تجاوزت مهمة إعداد الشاي وبعض الأطعمة عشية انعقاد السوق وخلال النهار ، لتقوم بدور الفنادق غير المصنفة، حيث كان المتسوقون القادمون من مناطق بعيدة يقضون فيها الليل مقابل اثمان زهيدة لأنها لا توفر من وسائل النوم غير حصير خشن.
يصل البدو باكرا الى السوق فيعمد جلهم الى تدشين وصولهم بتناول اول شاي مرفوقا بخبز البقال- رحمه الله-قبل أن يعوضه الفول السوداني في الجلسات الموالية، لأن المتسوقين يحطمون كل الأرقام القيساسية في تناول الشاي يوم السوق.
لقد ساد عرف جميل في الماضي، حيث كان الناس يعقدون جلسات تناول الشاي لتوطيد العلاقات وتبادل الأخبار، بل إن القضايا الهامة كانت تحسم على إبريق من الشاي يدعى له أهل الحل والعقد الذين يساعدون الناس على إيجاد مخرج لمشاكلهم بدل اللجوء الى المخزن حتى،، لا ياكلهم،،!
ولعل من تلك القضايا التي حسمت فيها جلسات الشاي، تزويج البنات، وحل معضلة الحدود بين الاراضي التي تنتهي إلى جانب إصلاح ذات البين بين المتخاصمين…
كانت جلسات الشاي تمر بمراحل هامة،وهكذا فإن الشخص يبحث عمن يقاسمه ،، الصينية،، من الأصدقاء والمعارف،ثم يتم الاتفاق على المقهى بسبب تفاوت سمعة المكان، من قبيل أن فلانا يحرص على نظافة أوانيه وحصيره ويوفر ماء الشرب ووسائل التدفئة خلال فصل البرد على سبيل المثال.
بعد الاتفاق، يقصد صاحب الدعوة دكانا معينا يتزود منه بقطعة من السكر وقليل من الشاي بمواصفات معروفة ثم يلتحقون بمقهاهم المفضل.
لقد كانت المقاهي التي اكتسبت شهرة بين الناس تعرف ازدحاما شديدا مما يضطر معه البعض الى الانتظار قبل أن يجدوا فيه مكانا يفرغون فيه ما بجعبتهم من أخبار ونوادر.
كان من المألوف ألا يعود الناس من السوق إلا في أواخر النهار، لأن هذا المكان يسمح لهم بالترفيه عن أنفسهم من خلال تبادل الأخبار والتقاط الجديد عندما يصدح صوت،، البراح،،(لا اله الا الله ما تسمعو غي خبار الخير…)
أما موضوع،، لبريح،، فكان في أغلب الأحوال هو عبارة عن تبليغ مذكرة شفوية أصدرها،، المخزن،،أو إعلان عن ضياع أو موعد جرد القطعان….
لست أدري لماذا كنا وما نزال مشدودين إلى تلك المقاهي التي اندثر جلها، حيث كنا نتناول كمية هائلة من الشاي مرفوقا باكلة خفيفة( الطماطم والبيض)او الخبز محشوا بسمك السردين، بينما يقع الاختيار على الفول السوداني كتعبير عن نوع من الرقي الطبقي!
خلال فترة الشباب، كنا نحرص على أن نتدبر ثمن إعداد الشاي بالسوق إيذانا بالقدرة على خلق مكان وسط هذه البيئة التي لها مقاييسها الخاصة في تقدير شخصية الإنسان.
وهكذا، فإن الكبار كانوا يشيدون بالشاب الذي يدعوهم لتناول الشاي على نفقته فيرددون:(مميس نفلان يفغ ذلحيث، قاه يكانغ أتاي سقاوقاو !).(ابن فلان يحمل مخايل النجاح في الحياة، فقد دعانا لتناول الشاي مرفوقا بالفول السوداني).
في تلك السنوات الخوالي، كان الرعاة الذين يقطعون علاقتهم بالقطيع بعدما اكتسبوا مهارات محلية تؤهلهم لاحتلال مكانهم بين الناس، كانوا يحملون الى السوق بضاعة مصنوعة من الحلفاء تتوزع بين قفف ومعدات للدواب، وبمجرد أن يتم تصريفها، فإنهم كانوا يتسارعون لإعداد الشاي ، حيث يبادر كل واحد منهم لاقتناء مرفقات الشاي تلبية لمختلف الرغبات ، وهكذا كانوا يصرون على تطبيق برنامج الأسواق المتتابعة، إذ يعمد الشاب الذي وصل دوره إلى حجز المكان في انتظار أن يلتحق به زملاؤه، بينما كنت الشخص الوحيد المعفى من احترام المواعيد لأنني كنت تلميذا!
لقد كان المتعلم يحظى يومئذ بتقديرخاص، بل إن هؤلاء الرعاة كانوا يجدون نوعا من العزاء حينما يجالسون هذا المتعلم الذي تختلف يداه عن أيديهم التي تفضخها اثار الحلفاء فيغبطونه ويتمنون له حياة تختلف فيها شروط البقاء!
إن المهارات التي التي أجادها هؤلاء الشباب الذين قاسمتهم الشاي في جلسات أسطورية، لم تشفع لهم في شيء، حيث كان فحم جرادة في انتظار أغلبهم ليغتصب حياتهم في عز العمر.

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.