Home»National»… بل أنتم المنكر الحقيقي، سيدي ! 

… بل أنتم المنكر الحقيقي، سيدي ! 

0
Shares
PinterestGoogle+

وفق ما عود عليه جمهور متتبعي جلسات البرلمان المتلفزة من مزايدات سياسوية خاوية وحركات بهلوانية حامضة، عاد الوزير المكلف بالشؤون العامة والحكامة المثير للجدل لحسن الداوادي، في تصرف غير مسؤول ودون مراعاة سمعة المؤسسة الدستورية، خلال جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة يوم الثلاثاء 16 يناير 2018 بمجلس النواب حول « دعم السكر »، ليثير زوبعة من السخرية، بإقدامه على تمزيق كيس صغير من سكر « سنيدة » ونثر كمية منه على الأرض، معتبرا أن دعم هذه المادة هو « أكبر منكر » بالبلاد، يستفيد منه الأثرياء في فنادق الخمس نجوم على حساب الفقراء في أعالي الجبال والقرى النائية…
وهو ما جلب عليه سيلا من الغضب والانتقادات اللاذعة، حيث تناقل رواد الفضاء الأزرق على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي تلك الصور الملتقطة له، في مقابل صور أخرى مماثلة للممثل الكوميدي الشهير عادل إمام، وهو يعرض رغيف خبز داخل البرلمان. وشتان بين الشخصيتين !
ولأن المواطنين ضاقوا ذرعا بمثل هذه المسرحيات الرديئة وتمييع الحياة السياسية، وما عادوا يطيقون تحمل المزيد من الاستخفاف بمصالحهم ومحاولات استبلاد عقولهم، بعد أن سقط القناع وانكشف الوجه الحقيقي لقياديي الحزب الإسلامي الحاكم « العدالة والتنمية »، الذي أذاقهم أمينه العام ورئيس الحكومة السابق من الحنظل ما لم يجرؤ عليه أحد قبله، عبر سيل من القرارات الجائرة التي استنزفت جيوبهم وأجهزت على مكتسباتهم، وما يقوم به خلفه العثماني من إجراءات قاسية، عمقت جراحهم وضاعفت معاناتهم، كان طبيعيا أن ينبروا للداودي بالنقد…
فما بات يراه المغاربة منكرا حقيقيا يستوجب التغيير، هم البيجيديون أنفسهم الذين أخفقوا في تدبير الشأن العام، لإظهارهم أفعالا غير التي يضمرونها وقولهم الشيء ونقيضه دون خجل ولا وجل، فضلا عن تحللهم من التزاماتهم وإخلالهم بما قطعوه على أنفسهم من وعود، في تناغم كامل مع قوله تعالى: « كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ». وهي الآية التي نزلت على قوم زعموا أنهم لو يعلمون أحب الأعمال إلى الله لما تأخروا في القيام بها، غير أن أعمالهم كانت مخالفة لوعودهم. وهو ما ينطبق عليهم فعلا، ألم يقل كبيرهم « الراحل » سياسيا، بأن حزبهم هبة من السماء، جاء لإنقاذ الفقراء من جحيم البؤس والشقاء، فإذا به يتحول إلى « نقمة » أتت على الأخضر واليابس؟
المنكر الحقيقي سيدي هو خضوعكم لإملاءات المؤسسات المالية الدولية ضدا عن إرادة الشعب، وإغراقكم البلاد في مستنقعات الدين الخارجي ورهن مستقبل الأجيال الصاعدة للمجهول، إذ ارتفعت المديونية الخارجية وحدها بشكل رهيب وغير مسبوق في تاريخ الحكومات المتعاقبة التي تنتقدونها بشدة، حيث تجاوزت نسبة 70 بالمائة من الناتج الوطني الخام لتصل إلى أعلى المستويات، وخوفا من الاعتراض على سياستكم الفاشلة، أوصد « قائدكم » باب الحوار الاجتماعي وانفرد بقراراته اللاشعبية، قرارات التفقير والتجويع والتهميش والإقصاء، التوظيف بالعقدة والاقتطاع التعسفي من أجور المضربين، إنقاذ صناديق التقاعد المنهوبة على حساب المأجورين والموظفين، تطبيق ضرائب جديدة وتجميد الأجور وإلغاء دعم المواد الأساسية وتحرير أسعار المحروقات، مع ما ترتب عن ذلك من غلاء فاحش وإجهاز على أهم المكتسبات الاجتماعية…
أليس أكبر منكر هو التطبيع مع الفساد عبر بوابة « عفا الله عما سلف »، والتغاضي عن كبار المفسدين من ناهبي المال العام ومهربي العملة الصعبة إلى الخارج وعدم استرجاع الأموال المنهوبة، وترك المجال مفتوحا للحيتان الكبيرة في التهام حقوق المستضعفين واحتكار أكثر من 80 بالمائة من خيرات البلاد، والاكتفاء بنشر لوائح المستفيدين من رخص النقل، دون العمل على مواكبتها بتدابير فعلية للقطع مع اقتصاد الريع ونظام الامتيازات، والتقشف على الطبقات الفقيرة والمتوسطة عوض تقليص أجور كبار الموظفين وتعويضات الوزراء والبرلمانيين ومراجعة معاشاتهم…
والمنكر الحقيقي هو غياب العدالة الاجتماعية وتعميق الفوارق الطبقية والمجالية الصارخة، وارتفاع معدلات الفقر والهشاشة والأمية والبطالة والحكرة… وتساقط أرواح الأبرياء إما طحنا في شاحنات الأزبال أو حرقا أو اختناقا في « ساندريات » الذل أو دوسا تحت الأقدام …
إن أكبر منكر، هو تناوب حوالي عشرة وزراء وكتاب الدولة على تدبير الشأن التعليمي (سبعة منهم في الولاية التشريعية السابقة و3 في بداية الولاية الحالية)، دون أن يكونوا قادرين على إعطاء القيمة المضافة المرجوة، والنهوض بالأوضاع المتردية لمنظومة التربية والتكوين والحد من نسبة الهدر المدرسي التي فاقت كل التوقعات، حيث بلغت أزيد من 218 ألف تلميذ تركوا مقاعدهم سنة 2016، خاصة في الوسط القروي الذي تفتقر فيه 566 مؤسسة إعدادية إلى داخليات. فأين نحن من ضرورة توفر كل مؤسسة إعدادية بالوسط القروي على داخلية تستوفي الشروط التربوية والصحية اللازمة، كما تضمنه ميثاق التربية والتكوين؟ وأين الحد من الاكتظاظ وتوفير البنيات التحتية والموارد البشرية…؟ ثم ألا تعتبر الهرولة نحو إلغاء مجانية التعليم، والادعاء أن الملزمين بأداء الرسوم هم الميسورون، هي المنكر بعينه؟
كثيرة هي أشكال المنكر التي تجسدها خيارات حكومتي ما بعد « الخريف المغربي » بقيادة البيجيدي، ولا سبيل أمام إحداث التغيير المنشود عدا الانخراط بكثافة في الاستحقاقات الانتخابية، لسد الطريق على مستغلي الخطاب الديني والأعمال الخيرية السرية في استقطاب الناخبين، وإلا فإن تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين وتعزيز الحقوق وحماية المكتسبات وضمان الحرية والتشغيل والعيش الكريم والانتقال الديمقراطي… ستظل مجرد أمان بعيدة المنال.
اسماعيل الحلوتي

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *