Home»International»القدس في مُحاجَّات الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر؛ سبع إضاءات لفهم داء العطب

القدس في مُحاجَّات الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر؛ سبع إضاءات لفهم داء العطب

0
Shares
PinterestGoogle+
 

د. بلقاسم الجطاري
يميل الخطاب السياسي، بغير تعميم، إلى اختزال الوقائع وتبسيط مظاهر التعقيد المحيطة بالظواهر، كما يجد السياسيون ضالتهم في عرض البدائل والمخططات، وبث روح التفاؤل في نفوس المواطنين. لذلك لا أرى من فائدة في النظر إلى هذا الخطاب من زاوية العلم الذي يبتغي الموضوعية في التفسير، ولا جدوى من استدعائه إلى حلبة الخطابات العلمية الشارحة، إلا بمقدار إسهامه في خلق الديناميات المجتمعية المختلفة؛ أي باعتباره عاملا فاعلا في بناء الواقع الاجتماعي وتشكيله، لا باعتباره خطابا حاملا لكفاية التفسير العقلي (الموضوعي) للقضايا والظواهر والأحداث إلخ.
سأسعى من خلال هذه الورقة، على ضوء هذه الإشارة، إلى تناول بعض من تجليات الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر، بالتركيز على حضور القضية الفلسطينية داخل هذا الخطاب، ساعيا إلى تفسير بعض من أوجه الضعف الكامنة فيه، طالبا طريق البحث في أسباب عجزه عن المساهمة في تشكيل ديناميات مجتمعية عالمية تساهم في تقوية الموقف الفلسطيني، وتلجم المطامع الصهيونية الاستيطانية. ولذلك أعرض سبع إضاءات:
1. خطاب سياسي موجه للاستهلاك الداخلي:
أعني هنا أن الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر خطاب داخلي في مجمله، يراهن على مستهدف من صميم الثقافة نفسها، لذلك يبدو خطابا دفاعيا أقصى مراميه توريث المواقف، وضمان معاودة إنتاج الممانعة القائمة من قبل الأجيال المقبلة. وهذا القول يستتبع أن يسري الاعتقاد أن دفاع المسلمين عن القدس مدفوع باعتبارات دينية فقط، والحال أن القضية الفلسطينية هي قضية استعمار استيطاني يندد به شرفاء العالم أجمع، وأن الفلسطينيين يملكون القوة الأخلاقية، والحق التاريخي والراهن في استعادة أرضهم التي غصبها الاحتلال.
2. خطاب سياسي ببصمة ثقافية طاغية:
من سمات الخطاب المذكور، أيضا، إيغاله في الخصوصية، واعتماده آليات حجاجية من صميم الثقافة الإسلامية الراهنة، وبخاصة وجهها الشعبوي الذي يميل إلى اعتماد البيان أكثر من البرهان، والدي يخلط في أحيان كثيرة بين اليهودية والصهيونية خلطا يتم استغلاله من قبل العدو الغاصب لاستدرار مظلومية كاذبة.
3. خطاب مطبوع بآثار الأزمة الحضارية التي تنوء بحملها الأمة:
يتلق الأمر بخطاب واقع على حافر التخلف الحضاري للأمة الإسلامية، عاكس لأعطابها المجتمعية الكبرى، وبخاصة أعطابها السياسية والثقافية، إذ ليس صعبا تلمس أوجه الضعف والاختلال وسوء التدبير على مستوى المنتوج الخطابي برمته؛ خطيبا، ومخاطبا (مسلما)، وخطابا، وأسنادا، وطرائق تدبير. ويكفي إجراء بحث سريع لمستويات الحكامة بمختلف المؤسسات الراعية للخطاب موضوع الحديث (مؤسسات إعلامية، معاهد، مراكز دراسات، مؤسسات علمية مختلفة..)، للوقوف على أحد الأسباب الرئيسة التي تقف وراء خفوت قوة هذا الخطاب، ومن ثم فشله في إحداث المرجو منه على المستويين؛ الإقليمي والعالمي.
4. خطاب استيهام وتنفيس:
يتأسس هذا الخطاب على قدر من الزخم العاطفي والحماسي الذي يعطل ملكة النقد والتحليل الموضوعي للحاضر والمستقبل، وبذلك يبدو خطابا تنفيسيا لا يضيف إلى حقل المعطيات جديدا، واستيهاميا من حيث قيامه على استدعاء إجابات وحلول جاهزة مصدرها الماضي لمعالجة إشكالية الحاضر، ومن ثم كان خطابا يراد به التصدي، بالخيال، لملامات الضمير الفردي (والجماعي) أمام حقيقة العجز عن نصرة فلسطين بالمسالك الفاعلة القادرة على تغيير موازين القوى المختلة لفائدة العدو الغاصب.
5. خطاب غير متعال عن النزاعات القطرية:
من سمات هذا الخطاب، أيضا، تأثره الشديد بالنزاعات القطرية القائمة بين عدد من دول العالم الإسلامي، وعجزه عن تجاوز واقع التبعية للقرارات السياسية الدولتية في هذا الباب، ولذلك يبدو أحيانا خطابا مزاجيا يسير سير التقلبات السياسية العالمية، ولا سيما ما تعلق بدول المشرق والخليج العربي. وبذلك يؤدي إلى إعطاء الانطباع، لدى غير المطلعين على ملابسات القضية من شعوب العالم، بأن ما يجري بفلسطين ليس غير مجرى مصالح سياسية واقتصادية في يد أنظمة وحكومات المنطقة.
6. خطاب فاقد لكفاية الرصد الاستراتيجي:
من سمات هذا الخطاب أيضا عدم التفاته إلى خطاب الخصم، وانكفاؤه على نفسه، وأعني هنا عزوفه عن تتبع الاستراتيجيات الخطابية (وغيرها) التي يلجأ إليها الخصم في معركته، وبذلك يبدو خطابا مجترا واقعا في مرمى مجال مكشوف، يتيح للخصم إمكانية التوقع والاستشراف. في وقت صار فيه الخطاب السياسي الحديث خطابا مفتوحا يتخذ لنفسه وجوها متعددة بتعدد الاحتمالات السياسية التي قد يصرفها الخصم في شكل خطابات أو قرارات.
7. خطاب تعوزه الأسناد الإعلامية الجديدة:
من يتأمل تأثيرات العولمة، وقدرتها على تنميط الأذواق وصناعة الرموز والقدوات، يقف بسرعة على أثر تكنولوجيا الإعلام والاتصال الحديثة في كل ذلك. ومن يتابع شبكة الأسناد التي يتم يلجأ إليها الخطاب السياسي الإسلامي في معركة الدفاع عن القضية الفلسطينية يقف على ضعف بين بهذا الخصوص، وبخاصة على مستوى المادة الإعلامية المترجمة إلى لغات العالم المختلفة، وعلى رأسها الإنجليزية.
ختاما، نشير إلى أن هذه الإضاءات ليست تجميعا رصينا لمتغيرات دقيقة جامعة لمصادر الأثر، وليست، بالمقابل، مجرد حدوس قوامها التخمين أو الاستبصار. هي مساهمة لتبيين معالم رئيسة في طريق أزمة الخطاب السياسي الإسلامي، غايتها وضع الأصبع على ما يتوجب إصلاحه وفعله في هذا المضمار، نصرة لإخواننا بفلسطين، وتعضيدا لموقعهم الترافعي أمام شعوب العالم المختلفة.

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.